يقف لبنان أمام مرحلة سياسية مفصلية مع تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، وسط تحولات إقليمية واسعة قد تعيد رسم طبيعة التوازنات الداخلية والخارجية للبلاد، وتطرح تساؤلات حول مستقبل القرار اللبناني وما إذا كانت المرحلة المقبلة ستقود إلى تعزيز سيادة الدولة أم إلى انتقال النفوذ من طرف خارجي إلى آخر.
فالمشهد اللبناني الحالي لا يرتبط فقط بانحسار دور إقليمي كان مؤثرًا خلال العقود الماضية، بل يعكس تغيرًا أوسع في خريطة الشرق الأوسط، حيث تتبدل موازين القوى وتتغير حسابات الدول الفاعلة تجاه لبنان.
نهاية مرحلة النفوذ الأحادي
ويُعد لبنان من أبرز الساحات التي انعكس عليها النفوذ الإيراني، خاصة عبر العلاقة مع حلفاء طهران في الداخل، إلا أن الضغوط السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تعرضت لها إيران وأذرعها الإقليمية فرضت واقعًا جديدًا على المشهد اللبناني.
لكن تراجع هذا النفوذ لا يعني بالضرورة ظهور طرف واحد قادر على ملء الفراغ، إذ تختلف الظروف الحالية عن مراحل سابقة شهدت سيطرة قوى خارجية على القرار اللبناني.
ويرى مراقبون أن الاتجاه الدولي الحالي يميل إلى دعم مؤسسات الدولة اللبنانية بدلًا من تعزيز نفوذ جهة واحدة، مع التركيز على دور المؤسسات الرسمية في إدارة الملفات الأمنية والسياسية.
خريطة نفوذ جديدة في لبنان
وتبرز الولايات المتحدة كأحد الأطراف الأكثر تأثيرًا في المسار الأمني والسياسي اللبناني، من خلال دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته، والدفع نحو حصر قرار استخدام القوة بالمؤسسات الرسمية.
في المقابل، يرتبط الملف الاقتصادي بشكل كبير بالدول العربية، خصوصًا دول الخليج، التي تربط أي دعم واسع للبنان بتنفيذ إصلاحات حقيقية وتعزيز قدرة الدولة على إدارة شؤونها.
كما تحافظ فرنسا على حضورها السياسي والتاريخي في لبنان، بينما تسعى تركيا إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في مناطق الشمال، في وقت يبقى العامل الإسرائيلي حاضرًا بسبب التطورات الأمنية على الحدود الجنوبية.
بين الوصاية والشراكة
وتثير التحولات الحالية مخاوف من انتقال لبنان من نفوذ خارجي إلى نفوذ آخر، إلا أن الفارق الأساسي يكمن في طبيعة العلاقة بين الدولة والأطراف الخارجية.
فالوصاية تعني امتلاك جهة خارجية أو داخلية قرارًا يتجاوز مؤسسات الدولة، بينما تختلف الشراكات الدولية عندما تتم عبر القنوات الرسمية والاتفاقات المعلنة وتصب في دعم مؤسسات الدولة.
وبذلك يصبح معيار السيادة مرتبطًا بقدرة الدولة اللبنانية على احتكار قرارها السياسي والأمني، وليس فقط بهوية الجهات التي تقدم الدعم أو المساندة.
الدولة أمام اختبار المرحلة المقبلة
وتشير التجارب اللبنانية السابقة إلى أن غياب الدولة ووجود مراكز قوة موازية كانا من أبرز أسباب الأزمات السياسية والأمنية المتكررة.
لذلك فإن التحدي الأساسي أمام لبنان في المرحلة المقبلة لا يتمثل في تحديد الجهة التي سترث النفوذ الإيراني، بل في تجاوز فكرة البحث عن وريث خارجي للقرار اللبناني.
ويرى مراقبون أن الفرصة الحالية تكمن في إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتعزيز قدرتها على إدارة الأمن والاقتصاد والعلاقات الخارجية، بما يجعلها المرجعية الوحيدة لجميع اللبنانيين.
وفي ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، يبقى مستقبل لبنان مرتبطًا بقدرته على الانتقال من مرحلة تنافس النفوذ إلى مرحلة استعادة الدولة لدورها الكامل، بعيدًا عن أي قوى موازية أو ارتباطات تتجاوز حدود المؤسسات الرسمية.