أكدت الدكتورة زينة منصور، الباحثة اللبنانية المتخصصة في العلاقات الدولية، أن الانقسام الداخلي المتصل باتفاق الإطار ونزع سلاح حزب الله يعود بالأساس إلى تحوّل لبنان إلى ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، مشيرة إلى أن هذه المصالح وتقاطعاتها داخلياً تشكل عائقاً أمام الوصول إلى توافق داخلي وقرار وطني جامع.
وقالت زينة منصور، في تصريحات لموقع "المبادرة"، إن البعد الخارجي يعرقل مساري الاتفاق الإطاري مع إسرائيل ونزع السلاح، ويمكن تفسير ذلك من خلال محورين رئيسيين، الأول يتمثل في محور إيران - حزب الله، والثاني في المحور الغربي - الخليجي العربي إلى جانب بعض القوى اللبنانية الداخلية.
وأضافت أن محور إيران - حزب الله يقف عائقاً أمام أي تسوية إقليمية يعتبرها تفريطاً بالسيادة، ويستخدم ورقة المقاومة والسيادة لرفض أي نقاش داخلي جدي، كما يحاول الضغط إعلامياً وسياسياً لإفشال اتفاق الإطار وعملية نزع السلاح.
المحور الغربي - الخليجي يدفع نحو تسوية جزئية
وأوضحت الباحثة في العلاقات الدولية أن السبب الثاني لعدم التوصل إلى تفاهم داخلي حول اتفاق الإطار ونزع السلاح يتمثل في المحور الغربي - الخليجي العربي مع بعض القوى اللبنانية، موضحة أن هذه القوى تدفع باتجاه عدد من الملفات، أولها إيجاد حالة من ربط النزاع أو الاستقرار في الجنوب، وثانيها إنهاء ترسيم الحدود البرية، وثالثها تثبيت الاستقرار بما يسمح باستخراج النفط وتحقيق الانتعاش الاقتصادي وعودة الاستثمارات إلى لبنان.
وأشارت إلى أن العامل الخليجي - الغربي يدفع باتجاه تسوية جزئية وليس تسوية كلية، لأن الأخيرة مرتبطة بسقف قمة بيروت عام 2002 القائم على مبدأ "الأرض مقابل السلام"، كما أنها مرتبطة بإنجاز تسوية إقليمية كبرى.
وأضافت أن بعض القوى الداخلية اللبنانية إما منسجمة مع محور الغرب والخليج، وإما منسجمة مع محور إيران - حزب الله، وهو ما يؤدي إلى أن يسير كل طرف لبناني في اتجاه يجد فيه غطاءً خارجياً لموقفه، فلا توجد حاجة إلى تقديم تنازلات داخلية، إذ لا يوجد أي طرف سياسي داخلي مستعد للتنازل للطرف الآخر.
فيتوات داخلية وخارجية تعطل التسوية
ولفتت زينة منصور إلى وجود "فيتويات" داخلية يقابلها "فيتويات" خارجية على أي عملية تسوية، سواء من هذا الجانب أو الجانب المقابل، إذ يعتبر كل فريق داخلي أن ظهره محمي بسند دولي أو إقليمي، ومن هنا تأتي العرقلة.
وقالت إن هناك دوراً لإيران وإسرائيل والولايات المتحدة، إلى جانب أدوار عربية، موضحة أن ما يحول دون إيجاد تفاهم داخلي حول مسألتي الاتفاق الإطاري والسلاح هو تدويل الأزمة اللبنانية، وغياب الثقة بين الأطراف الداخلية، وربط الملفات الداخلية كالأتفاق الإطاري والسلاح بالملفات الخارجية.
وأضافت أن الاتفاق مع إسرائيل أصبح مرتبطاً بسلاح حزب الله وبالإنقاذ الاقتصادي والعقوبات على إيران، وكذلك بحل عقدة الملفين النووي والباليستي والأذرع الإقليمية، الأمر الذي يجعل الحل اللبناني شبه مستحيل، ويؤدي إلى اتساع الانقسام الداخلي وتحوّله إلى انقسام متجذر وعميق يصعب تجاوزه.
التفاهم الداخلي مرهون بتفاهم إقليمي ودولي
وأوضحت أن التفاهم الداخلي لا يزال متعسراً حتى الآن ويتم تغذيته من الخارج، لافتة إلى أن انتماء الأطراف الداخلية إلى المحاور الإقليمية المختلفة جعل التفاهم الداخلي متوقفاً على تفاهم إقليمي ودولي كبير، وهو ما ينعكس سلباً على لبنان.
وأضافت أن ذلك يخلق حالة من الجمود في الداخل اللبناني والشلل السياسي الدائم على مستوى الدولة والمؤسسات، لأن كل فريق محلي يمتلك ظهيراً إقليمياً، وبالتالي لا يرى ضرورة للحوار مع الشريك الداخلي، في وقت ينتظر فيه الجميع تقديم تنازلات متبادلة بين القوى الإقليمية والدولية، سواء بين إيران والولايات المتحدة أو بين إيران ودول الخليج، لتنعكس هذه التفاهمات لاحقاً على الساحة اللبنانية.
وأشارت إلى أن ربط الملفات بهذه الطريقة يجعل الحل صعباً، بل مستحيلاً في بعض الأحيان، لأن أي حل داخلي بات يحتاج إلى حلول للأزمات الإقليمية الكبرى، فلا حل للأزمة المحلية ما لم تُحل وتُفكك الأزمة الإقليمية.
خطاب التخوين يفاقم الانقسام
وأكدت منصور أن لبنان يشهد انقساماً عمودياً وأفقياً في آن واحد؛ فهو عمودي على مستوى الدولة والمؤسسات والنواب والكتل النيابية والأحزاب والقوى السياسية، وأفقي على المستوى الاجتماعي والشعبي والرأي العام.
وأضافت أن خطاب التخوين ينمو بالتوازي مع هذا الانقسام، إذ يحاول كل طرف، وبخاصة حزب الله عندما يلاحظ وجود ميول لدى شرائح لبنانية تؤيد السلام، رفع منسوب خطاب التخوين والاتهام بالعمالة، في مقابل خطاب آخر يدعو إلى نزع السلاح، ما يجعل المشهد الاجتماعي والإعلامي والسياسي شديد الاستقطاب.
وقالت إن كل خطاب يدعو إلى نزع السلاح يقابله خطاب تخويني يتصل بالعمالة، الأمر الذي يزيد من تعقيد الأزمة اللبنانية.
دعوة إلى مخرج لبناني قائم على التنازلات المتبادلة
وشددت الباحثة اللبانية في العلاقات الدولية على أن ما هو مطلوب في ظل هذا الانقسام الأفقي والعمودي الكبير هو تدخل خارجي يسهم في إطفاء النيران ومنع حدوث انفجار داخلي، لأن استمرار هذا الانقسام في ظل الحرب قد يقود لبنان إلى حالة من الانهيار، في حين أنه يحتاج إلى الاستقرار.
وأضافت أن لبنان بحاجة اليوم إلى مخرج مشرّف يقوم على تقديم تنازلات داخلية وخارجية من جميع الأطراف، وإلى إنقاذ على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية، فضلاً عن تحرك مختلف أطراف الطبقة السياسية، على الرغم من تناقضاتها، لكسر الفيتو الداخلي وفك ارتباطها بالفيتو الخارجي، وصولاً إلى حل لبناني ينسجم مع المصلحة الوطنية اللبنانية.