لم يكن تراجع شعبية الجماعات القائمة على توظيف الدين في السياسة، وفي مقدمتها جماعة الإخوان، حدثاً عابراً أو نتيجة لحظة أمنية أو سياسية محددة، بل هو حصيلة مسار طويل من التجربة والاختبار، خاضته مجتمعات عديدة في الشرق والغرب، وانتهى إلى قناعة متزايدة بأن «الدين السياسي» لم يعد قادراً على أداء الدور الذي ادعاه طويلاً كمحرك للجماهير أو كبديل صالح لإدارة الدولة الحديثة. وبينما يشهد العالم في السنوات الأخيرة صعوداً ملحوظاً لتيارات يمينية وشعبوية في عدد من الدول، فإن المفارقة لافتة أن هذا الصعود لم تصاحبه عودة موازية لتيارات الدين السياسي، بل على العكس، تزامن مع انحسار نفوذها وتراجع قدرتها على التأثير الشعبي والتنظيمي.
هذه المفارقة تكشف تحوّلاً عميقاً في طبيعة المزاج السياسي العالمي. فالصعود اليميني الذي شهدته أوروبا والولايات المتحدة في العقد الأخير لم يكن صعوداً دينياً، بل كان صعوداً هوياتياً وقومياً، يعلي من فكرة الدولة الوطنية ومصالحها وحدودها، لا من فكرة الجماعات العقائدية العابرة للدول. لقد تحركت الجماهير في كثير من الدول بدوافع تتعلق بالهوية الوطنية والأمن الاقتصادي والهجرة والوظائف، لا بدوافع أيديولوجية دينية، وهو ما جعل مساحة الدين السياسي تضيق تدريجياً، حتى داخل مجتمعات تقليدية كانت يوماً ما بيئة حاضنة له.
بل إن المفارقة الأكثر دلالة أن صعود التيارات اليمينية في عدد من الدول الغربية صاحبه تشدد أكبر تجاه التنظيمات ذات الطابع العقائدي العابر للحدود، وليس العكس. فهذه التيارات، رغم اختلاف توجهاتها، التقت عند نقطة مركزية هي حماية الدولة الوطنية وتعزيز سيادتها، وهو ما انعكس في سياسات أكثر حزماً تجاه الكيانات التي تعمل عبر شبكات دولية أو تستند إلى ولاءات تتجاوز حدود الدولة. وهنا تحديداً تراجعت المساحة التي تحركت فيها جماعات الدين السياسي لعقود، بعدما أصبحت فكرة «الدولة أولاً» هي العنوان الأبرز للمزاج السياسي العالمي.
والواقع أن أحد أهم أسباب هذا التراجع يتمثل في «صدمة التجربة». فالجماهير التي انجذبت إلى شعارات الدين السياسي في لحظات الاضطراب وعدم اليقين، سرعان ما أعادت تقييم مواقفها عندما وجدت نفسها أمام نماذج حكم عاجزة عن إدارة الدولة أو تحقيق الاستقرار أو تحسين مستويات المعيشة. لقد كشفت تجربة الحكم في عدد من الدول أن الخطاب الأيديولوجي، مهما بدا جذاباً في لحظات التعبئة، لا يكفي لإدارة دولة حديثة تتطلب مؤسسات قوية واقتصاداً مستقراً وعلاقات دولية متوازنة. ومع تكرار هذه التجارب، تراجعت الثقة الشعبية تدريجياً، ليس فقط في جماعة بعينها، بل في فكرة «الدين السياسي» ذاتها كبديل للحكم.
وفي هذا السياق، شهدت مواقف عدد من القوى الغربية تحولاً لافتاً تجاه جماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان، بعد سنوات من التعامل معها باعتبارها فاعلاً سياسياً يمكن احتواؤه أو توظيفه. فقد اتضح مع مرور الوقت أن هذه الجماعات لا تعمل فقط داخل حدود الدول التي تنشط فيها، بل تعتمد على شبكات ممتدة من الجمعيات والمنظمات والكيانات الاقتصادية والإعلامية، ما أثار تساؤلات متزايدة داخل دوائر صنع القرار الغربية حول طبيعة هذه الشبكات وتأثيرها في المجتمعات المضيفة.
وقد انعكس هذا التحول في سلسلة من الإجراءات والتوجهات التي اتخذتها عدة دول أوروبية خلال السنوات الأخيرة، شملت مراجعة أنشطة منظمات مرتبطة بخطاب الإسلام السياسي، وفرض قيود قانونية ومالية على مصادر تمويلها، وتعزيز الرقابة على الجمعيات التي يُشتبه في استخدامها كواجهات تنظيمية. وفي بعض الحالات، جرى إغلاق مؤسسات أو إعادة هيكلتها تحت رقابة حكومية مباشرة، في إطار سياسات تستهدف حماية التماسك الاجتماعي ومنع استغلال الفضاء المدني لأغراض سياسية أو أيديولوجية.
وجاءت التحولات السياسية في الولايات المتحدة، خصوصاً مع عودة التيار المحافظ إلى السلطة في ولاية الرئيس دونالد ترامب الثانية، لتضيف بُعداً جديداً إلى هذا الاتجاه. فقد اتسمت هذه المرحلة بتشدد أكبر تجاه التنظيمات التي يُشتبه في ارتباطها بشبكات أيديولوجية عابرة للحدود، وبمحاولات متزايدة لتجفيف منابع التمويل ومراقبة الأنشطة التي قد تُستخدم كغطاء لتنظيمات ذات أجندات سياسية أو عقائدية. وفي هذا السياق، لم تعد جماعات الدين السياسي تُعامل بوصفها فاعلاً سياسياً طبيعياً، بل بوصفها ظاهرة تحتاج إلى مراجعة وتقييم أمني وسياسي مستمر، في إطار رؤية أوسع تعلي من مفهوم الأمن القومي وحماية الدولة الوطنية.
على المستوى الإقليمي، برزت التجربة المصرية منذ ثورة 30 يونيو 2013 باعتبارها نموذجاً واضحاً لكيفية مواجهة مشروع الدين السياسي عبر مسارات متعددة، لا تقتصر على البعد الأمني فقط. فقد أدركت الدولة المصرية مبكراً أن المواجهة مع جماعة الإخوان لا يمكن أن تكون أمنية بحتة، لأن التنظيم يمتلك تاريخاً طويلاً من العمل التنظيمي والفكري والاجتماعي، أن تفكيك هذا المشروع يتطلب استراتيجية شاملة تمتد إلى مجالات القانون والاقتصاد والإعلام والثقافة.
وخلال السنوات التي أعقبت 30 يونيو، نجحت الدولة المصرية في تفكيك جزء كبير من البنية التنظيمية للجماعة داخل البلاد، وضرب مصادر تمويلها، وملاحقة شبكاتها التنظيمية، وهو ما أدى إلى تقليص قدرتها على العمل العلني أو السري. لكن الأهم من ذلك كان المسار الفكري والإعلامي الذي كشف طبيعة المشروع السياسي للجماعة، وأظهر التناقض بين شعاراتها الدينية وممارساتها السياسية، وهو ما أسهم في تراجع التعاطف الشعبي معها، ليس بفعل الإجراءات الأمنية وحدها، بل بفعل تآكل صورتها في الوعي العام.
كما لعبت عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز قدراتها دوراً محورياً في هذا السياق. فكلما استقرت مؤسسات الدولة وتحسنت قدرتها على تقديم الخدمات وتحقيق الأمن والاستقرار، تراجعت المساحات التي يمكن أن تستغلها التنظيمات العقائدية لاستقطاب الجمهور. لقد أثبتت التجربة أن قوة الدولة ليست مجرد قوة أمنية، بل منظومة متكاملة من المؤسسات والسياسات التي تعزز ثقة المواطن في الدولة، وتقلل من جاذبية البدائل الأيديولوجية.
ومن المهم الإشارة إلى أن تراجع شعبية الدين السياسي لا يعني اختفاءه الكامل من المشهد، بل يعني انتقاله من حالة «الزخم الجماهيري» إلى حالة «الانكفاء التنظيمي». فالتنظيمات ذات الطابع العقائدي نادراً ما تختفي فجأة، لكنها تفقد تدريجياً قدرتها على الحشد والتأثير، وتتحول إلى شبكات محدودة التأثير أو إلى كيانات تعمل في الهوامش، بدلاً من أن تكون لاعباً رئيسياً في المشهد السياسي.
وإذا كانت التجارب السابقة قد منحت هذه الجماعات فرصة للصعود، فإن التجارب نفسها كانت سبباً في تراجعها. فالشعوب التي اختبرت شعارات الدين السياسي في لحظات الاضطراب، أصبحت أكثر حذراً في التعامل معها، وأكثر ميلاً إلى دعم الدولة الوطنية باعتبارها الإطار الأكثر قدرة على تحقيق الاستقرار وحماية المصالح العامة. وهذه هي النقطة الجوهرية التي تفسر لماذا لم تعد هذه الجماعات قادرة على استعادة الزخم الذي تمتعت به في مراحل سابقة، رغم استمرار وجودها التنظيمي في بعض الدول.
إن التحولات التي يشهدها العالم اليوم تشير بوضوح إلى أن مستقبل العمل السياسي بات مرتبطاً بقدرة القوى المختلفة على التكيف مع متطلبات الدولة الحديثة، لا على استدعاء شعارات أيديولوجية عابرة للزمن. وقد أثبتت التجربة أن الخطاب الذي يخلط بين المقدس والسياسي قد يحقق مكاسب مؤقتة في لحظات الأزمات، لكنه يفقد تأثيره مع أول اختبار حقيقي لقدراته على إدارة الدولة وتحقيق التنمية.
ولعل الدرس الأهم الذي تكرسه التجارب المتراكمة في المنطقة والعالم؛ أن الشعوب قد تنخدع مرة تحت ضغط الأزمات أو إغراء الشعارات، لكنها لا تستمر في الخطأ عندما تدفع ثمنه من استقرارها ومستقبلها. فالتجربة، مهما كانت قاسية، تتحول مع الزمن إلى ذاكرة جمعية يصعب تجاوزها أو القفز فوقها. ومن هنا، فإن تراجع جاذبية «الدين السياسي» لم يكن مجرد انعكاس لتحولات أمنية أو سياسية، بل نتيجة مباشرة لنضج مجتمعي أدرك أن الدولة الحديثة لا تُدار بالعاطفة، وأن الأوطان لا تُبنى بالشعارات. فذاكرة الشعوب، حين تُختبر بالتجربة، لا تُخدع مرتين.. بل تصبح أكثر صلابة في حماية دولها، وأكثر وعياً في اختيار من يقود مستقبلها.
========
نقلاً عن موقع جريدة الوطن المصرية
فضاءات الفكر
من زوايا العالم
منبر الرأي