بث تجريبي

وحدة وطنية كردية

تُعد مبادرة إطلاق أكثر من 200 شخصية من جنوب كردستان دعوةً للوحدة الوطنية، وتأكيدات بيان لجنة العلاقات الخارجية في منظومة المجتمع الكردستاني لهذا الهدف تحت شعار "واحد، واحد، واحد؛ الشعب الكردي واحد"، مسألةً في غاية الأهمية خلال الوقت الراهن؛ خاصةً في ظل مرحلة حرجة وتاريخية تمر بها كردستان والشرق الأوسط، حيث يحيط بهما بيئة إقليمية شديدة التعقيد تتطلب الالتزام بوحدة كردية وطنية تكون هي مفتاح التحول من قضية مشتتة إلى قوة سياسية مؤثرة، مع ضرورة الوعي والإدراك بأن الخطر الخارجي أكبر من الخلافات الداخلية.

                                                           سيد أبواليزيد

إن الوحدة الوطنية الكردية لم تعد اليوم مجرد خيار سياسي، بل ضرورة وجودية لضمان تأثير الكرد في معادلة المنطقة. لذا، من الأهمية بمكان تجاوز الخلافات بين التيارات الكردية، خاصةً بين حزب العمال الكردستاني وقيادات إقليم كردستان العراق (كالحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني)، وكذلك بين الكرد في سوريا وإيران؛ إذ إن الخلافات لا تنحصر في الجانب السياسي فحسب، بل تمتد إلى الرؤية حول شكل الحكم وطريقة حل القضية الكردية.

والوحدة الوطنية الكردية لا ينبغي أن تقوم على مبدأ العشائرية، أو ترتبط بشخصيات، أو تقتصر على الأحزاب، أو حتى تتحول إلى حالة قسرية؛ بل لا بد أن تراعي وضعية كل جزء من أجزاء كردستان، بحيث تكون وحدة حقيقية ديمقراطية لصالح الشعب الكردي، كما أشار إليها الزعيم الكردي عبدالله أوجلان في كثير من كتبه وتصريحاته، وتتجاوز الأحزاب إلى النظم والمنظومات والحالة المجتمعية، بحيث لا ينحصر العمل والنضال الكردي في الجانب السياسي فقط، بل يمتد ليشمل جوانب متعددة، في مقدمتها الجوانب الحقوقية والثقافية والإدارية والاقتصادية.

إن المشاركة الواسعة لتحقيق هذا الجهد تتطلب دعماً واسعاً من الحركات النسائية والشبابية، إلى جانب الأحزاب والفنانين والمثقفين والأكاديميين، وكل من ينتمي إلى خط الوطنية. ومن هنا تأتي دعوة كافة الأحزاب الكردية والقوى السياسية وجميع شرائح المجتمع لاتخاذ خطوات عملية، والإسراع نحو تحقيق الوحدة الديمقراطية أكثر من أي وقت مضى؛ فضلًا عن أن الشعب الكردي بحاجة إلى تأمين وحدته التي فرضها عليه التاريخ.

وإذا لم يحصل الكرد على حقوقهم كاملة في كل جزء، فلن تكون هناك مكاسب مضمونة لأي طرف في ظل سياسات الإنكار والرفض، وفي مواجهة التهديدات الإقليمية؛ نظراً لأن الشعب الكردي يتواجد في مناطق تتداخل فيها مصالح دول كبرى مثل إيران وتركيا في سوريا والعراق. ولذلك، ينبغي تفادي أي محاولات للانقسام، لأنها تمنح هذه الدول فرصة للتعامل مع كل طرف على حدة، مما يضعف الموقف الكردي، في حين أن الوحدة تعني قوة تفاوضية في أي تسوية سياسية تخص أزمات المنطقة، خاصةً في سوريا والعراق.

كما ينبغي استثمار التحولات الدولية، خاصةً مع تغير أولويات القوى الكبرى مثل أمريكا وروسيا، بحيث يصبح من الضروري وجود موقف كردي موحد للاستفادة من أي دعم سياسي أو عسكري محتمل. فالشعب الكردي ليس بحاجة إلى مشاهدة انقسامات بين الأحزاب، بقدر حاجته إلى تعاونهم لضمان عدم إضعاف قضيتهم؛ إذ إن الوحدة تقلل من النزاعات الداخلية، وتوجه الجهود نحو هدف مشترك، وتعد ضمانة لحماية المكتسبات الحالية، سواء في مناطق شمال شرق سوريا، أو إقليم كردستان العراق، أو كردستان إيران، مع الأخذ في الاعتبار أن تحقيق مكاسب سياسية وإدارية بدون وحدة يجعلها عرضة للتفكك أو الاستغلال الخارجي.

وفي ظل وجود أزمات اقتصادية عالمية وضغوط عسكرية، لا بد من تفادي الانقسامات لمواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية، مما يتطلب تنسيقاً موحداً لإدارة الموارد الكردية، بدلاً من سعي كل حزب أو تيار لتحقيق مكاسب فئوية اعتماداً على نفوذه، وهو ما يؤدي إلى غياب المشروع الموحد الذي يدفع القوى الكبرى للتعامل بكل جدية.

ختاماً، عندما يكون للكرد صوت موحد، سيؤدي ذلك إلى توافر مظلة دولية وإقليمية لدعم الوحدة الوطنية الديمقراطية، وسيصبح صوتهم مؤثراً في المفاوضات الدولية، خاصةً في ملفات سوريا والعراق وإيران، مما يمنع التدخلات الإقليمية، ويسهم في خفض وتيرة الصراعات الفصائلية، وتوجيه كافة الجهود نحو الأمن والتنمية.

قد يهمك