في ظل الصراع العالمي بين محوري الشرق: الصين - روسيا - إيران، والغرب: أمريكا وإسرائيل والاتحاد الأوروبي، ورغم خلافاتهم حول بعض الملفات وتهديدات ترامب بضم جزيرة جرينلاند الدنماركية وتصدي الاتحاد الأوروبي له، تبقى نقاط الالتقاء بينهم أقوى من ملفات الخصومات، خاصة حين تجمعهم المصالح في الشرق الأوسط وغاز سواحل البحر الأبيض المتوسط.
نتحكم في مراكز القرار بالديمقراطية
في حربه ضد روسيا لم يكتفِ الاتحاد الأوروبي بمد أوكرانيا بكل أنواع الأسلحة وتخصيص ميزانيات ضخمة لها على حساب الداخل الأوروبي، بإضعاف الميزانيات الاجتماعية رويدًا رويدًا، وها هو اليوم يستعمل سلاحًا ناعمًا لتقليص النفوذ الروسي لبعض الدول الأوروبية والآسيوية الحليفة التاريخية لروسيا، إنه الديمقراطية.
في انتخابات مولدوفيا أواخر أكتوبر 2025 فاز حزب العمل والتضامن المؤيد للاتحاد الأوروبي بحصوله على 50% من الأصوات، وتُعد هذه النتيجة نكسة لروسيا في هذا البلد.
وفي المجر فاز بيتر ماغيار بنسبة ساحقة لم نعتدها إلا في الدول العربية، حيث فاقت 95%. صحيح أنه تم إقصاء اليميني المتطرف صديق ترامب وحليفه، لكن برنامج ماغيار هو إبعاد المجر عن روسيا لصالح علاقات أكثر متانة مع الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا.
وفي ألبانيا التي تشهد عاصمتها تيرانا احتجاجات كبيرة منذ أكثر من أسبوع بعد إعلان إيفانكا ترامب وزوجها جاريد كوشنر شراء جزيرة ألبانية لاستثمار عقاري سياحي بها بميزانية 5 مليارات دولار، لم يكن الإعلان بريئًا، فثار الشعب للتضييق على رئيس الوزراء إيدي راما والمطالبة بالإطاحة به، فهو الذي يدعو إلى حوار أوروبا مع روسيا.
وفي أرمينيا فاز "العقد المدني" بزعامة رئيس الوزراء نيكول باشينيان بنسبة 49.81%، وهذه أول انتخابات عامة منذ هزيمة أرمينيا أمام أذربيجان عام 2023 ونزوح نحو 100 ألف أرمني من إقليم قره باغ، فقد اختار الشعب الأرمني مسار السلام الذي يقوده باشينيان والانحياز المتزايد للغرب على حساب الحليف التاريخي روسيا، فخسارة أرمينيا تعني قطع الخط البري بين روسيا وإيران.
الديمقراطية هي السلاح الناعم للغرب، هذا ما حصل مع ثورات الربيع العربي بعد تسريبات ويكيليكس وتأجيج الشارع العربي وتجنيد الإعلام للتجييش.
هل كانت الشعوب على حق؟ أكيد نعم، مع استفحال الفساد وتسيّد القمع، وكان التغيير مطلبًا مشروعًا، لكن من أتت بهم الانتخابات ليسوا أكثر وطنية من بن علي وحسني مبارك والقذافي وعمر البشير وعلي عبد الله صالح. في عهدهم كانت السيادة الوطنية والقانون والحد الأدنى من الاستقرار، وكانت غزة موصولة بالعالم عبر أنفاق رغم حصارها، يصلها الطعام والدواء والسلاح.
النكسة الديمقراطية العربية تمثلت في فشل من أتوا بعد الثورة في تحقيق التنمية والمطالب الاجتماعية التي ثارت من أجلها الشعوب.
الديمقراطية الغربية كانت سلاحًا لقطع الطريق أمام رؤساء لم يعودوا مضموني الولاء للغرب، بل أصبحوا يهددون بإمكانية انحيازهم لمحور الشرق.
أما في دول أوروبا الشرقية وأرمينيا، فالديمقراطية سلاح للتخلص من الولاء الروسي واستبداله بولاء أوروبي غربي.
وتبقى الديمقراطية من أرقى أنظمة الحكم والسياسات، وعلى الشعوب أن تنهض بنفسها.
الورطة الأخلاقية
لم يعد الغرب اليوم يستأثر بملكيته للأخلاق والمبادئ وحقوق الإنسان والحريات والديمقراطية، بعد حرب غزة وورطة الحكومات أمام شعوبها بالصمت على ما فعلته إسرائيل بغزة، بل إن بعض الحكومات دعمت إسرائيل بالسلاح والمؤونة.
شعوب أوروبا وأمريكا خرجت تندد بجرائم إسرائيل في مظاهرات وإضرابات، فأحرجت الحكومات ووضعتها في ورطة أخلاقية.
وها هي اليوم إسرائيل تعيد الكرة في جنوب لبنان بتجريف البلدات وإفراغها من السكان أمام صمت العالم.
الشعوب بدأت تزدري السياسات الغربية التي اقتنعت أن شعاراتها هي وسيلة للتحكم بالشعوب، فلا يهمها من الشعوب إلا ثرواتهم، خاصة بعد جرائم إبستين التي زلزلت كل الحضارة الغربية.
صراع على الطاقة ومعابرها
جوهر الصراع الشرقي - الغربي هو من أجل الحصول على الطاقة والتحكم في الاقتصاد العالمي.
الأوروبي الذي يعيش أزمة طاقة بعد قطع الإمداد الروسي وغلق مضيق هرمز والتهديد بغلق باب المندب، هو إذًا صراع عالمي للتحكم بمعابر الطاقة.
لذلك تدعم روسيا إيران وحزب الله ليبقوا أقوياء ويمنعوا الأوروبي والأمريكي والإسرائيلي من الاستيلاء على غاز سواحل شرق المتوسط.
وتلتقي هنا مصالح روسيا وتركيا لمنع الغرب الذي يريد تقوية اليونان العدو التاريخي لتركيا.
ما زال ترامب يذكّر أوروبا كل مرة أنه مكتفٍ بما لديه من النفط في الولايات المتحدة أو نفط فنزويلا، وقريبًا نفط كوبا التي يهددها بتغيير النظام فيها.
هي من تعيش أزمة طاقة
إذا كان طموح أوروبا هو ضمان الطاقة، فإن هدف ترامب هو تفكيك حلف الشرق.
بالنسبة له، روسيا مكشوفة وإيران مخترقة، أما الصين فلا تزال غامضة على مستوى القدرات العسكرية وعدة مجالات أخرى.
الحرب واجهتها إيران، لكن داخلها الصين، وقلبها التحكم في الطاقة والتكنولوجيا.
صراع بتوقيت أمريكي
أمريكا تتحكم بالصراع، فلا تريده أن يتطور قبل تحضير المنطقة لذلك، فأوقفت الحرب ضد إيران واختارت الحصار الخانق لها والتعويل على التآكل الاجتماعي والاقتصادي، وقررت قطع التصعيد الأخير بين إيران وإسرائيل.
فحلف الناتو يستعد في 7 و8 تموز القادم لعقد اجتماع تاريخي في تركيا، إما عودة لحلف قوي والاصطفاف مع أمريكا وإسرائيل في حربهما على إيران ومن ورائها روسيا والصين، أو انحلال الحلف.
ووحدها مصالح الدول الأعضاء هي من ستقرر ذلك.
كما يدفع ترامب الدول العربية لعقد اتفاقيات مع إسرائيل.
ما دامت المنطقة غير جاهزة، فإن ترامب يوقف أي حرب ضد إيران، بل يسعى إلى الوصول إلى اتفاق معها.
لبنان هل هو حمل هذه الصراعات؟
يجد لبنان نفسه في قلب الصراعات، محليًا بين حزب الله وبقية الأحزاب والطوائف اللبنانية، واتهامه بإدخال البلد في حرب مدمرة هو في غنى عنها، وبالولاء لإيران وليس للبنان.
وإقليميًا، حيث تستبيح إسرائيل يوميًا التراب اللبناني، وهي تستولي اليوم على 10% من الخريطة، حيث جرفت مئات القرى الجنوبية.
أما الصراع الدولي، فحزب الله هو ذراع إيران في صراع المحاور.
ومع امتناع الحزب عن تسليم سلاحه وعدم قدرة الجيش اللبناني النظامي على هذه المهمة، قالها ترامب صراحة: سنطلب من السيد أحمد الشرع دخول لبنان ليفعلها.
الشرع بين الداعم والحليف
سيزور السيد أحمد الشرع الولايات المتحدة، ثم بعدها يزور ماكرون سوريا.
لبنان هو جوهر الزيارة، رغم أن نتنياهو يرفض أي نفوذ سوري في لبنان، ورغم أن الشرع يصرح مرارًا أن ليس له شأن بالداخل اللبناني، فهو يتبنى نظرية أحمد داوود أوغلو "صفر مشاكل مع الجيران".
لكن الصراع الإقليمي لن يجعله يهنأ بسياسة النأي بالنفس والانكفاء على الداخل السوري.
ترامب طلب من الشرع أن يساعد في الحرب ضد حزب الله بدخول بري.
أمريكا والغرب من ورائها دعموا وصول الشرع للحكم، وتركيا هي الحليف الأول له.
لكن تركيا رافضة قطعًا دخول الشرع إلى لبنان، الذي تعتبره انتحارًا سياسيًا، فهي تدعم بقاء حزب الله قويًا حتى يُضعف إسرائيل التي تهددها بعد إيران، وحزب الله أيضًا يضعف النفوذ الغربي في سواحل المتوسط.
ليجد الشرع نفسه بين الداعم والحليف.
إذا رفض طلب الداعم يعرف ماذا ينتظره، وإذا تخلى عن الحليف يعرف ماذا سيخسر.
لذلك تبقى الورقة السورية ورقة مفاوضات كبيرة.
تركيا اليوم هي عضو في الناتو وحليف أمريكي قوي، ومصالحها كبيرة مع روسيا وإيران اللتين تدعمان النظام فيها ولا تريدان أن يسقط.
تركيا البراغماتية تستفيد من المحورين، لكنها قد تجد نفسها في وقت متقدم مجبرة على الاختيار بين أحد المحورين.
ويبقى الصراع بين الشرق والغرب قائمًا، صراعًا حضاريًا، يزيد أو ينقص، يشتعل أو يهدأ، ينفجر أو يأفل، لكنه مستمر.
من زوايا العالم
من زوايا العالم