زيارة الدكتور مروان الحلبي، وزير التعليم العالي في الحكومة السورية المؤقتة، مؤخرًا لجامعة روج آفا، التي تأسست منذ عشر سنوات وتحديدًا في يوليو 2016، تحمل العديد من الدلالات والأبعاد السياسية والأكاديمية والاجتماعية.
ولعل من أبرز هذه الدلالات إنهاء حالة الانقسام المؤسسي، حيث يُعد الاعتراف الرسمي باعتماد الجامعة، التي تم افتتاحها رسميًا في مدينة القامشلي بشمال شرق سوريا في 20 نوفمبر 2016، خطوة مهمة نحو تنفيذ الاتفاقيات السياسية بين دمشق والإدارة الذاتية، لدمج مؤسسات شمال وشرق سوريا ضمن أجهزة الدولة الرسمية.
كما تعكس الزيارة مدى الاهتمام المحلي بالتأكيد على مبدأ سوريا الموحدة، من خلال توجه الحكومة المركزية نحو محاولة استعادة مظلتها المؤسسية والخدمية على كامل الأراضي السورية.

ولأن الجامعة تضم بين كلياتها ومعاهدها أكثر من ألفي طالب وطالبة، يتلقون تعليمهم من كادر تدريسي يضم مزيجًا من الأكاديميين المحليين والخبراء، بجانب بعض المحاضرين الخارجيين الذين يقدمون المحاضرات عبر الإنترنت في بعض التخصصات، فقد كان من الأهمية بمكان شرعنة شهادات هؤلاء الطلاب، حيث يحل الاعتماد أزمة الاعتراف الأكاديمي بخريجي 11 كلية و3 معاهد إدارية وتقنية تابعة للجامعة، مما يفتح أمامهم فرص التوظيف الرسمي ومتابعة الدراسات العليا في الجامعات السورية والعالمية.
وينطوي اعتماد الجامعة على عملية مواءمة الخطط الدراسية، ومعادلة الساعات المعتمدة، وملاءمة المناهج، وتوحيد المعايير الأكاديمية بما يتوافق مع النظم المحلية الجاري العمل بها.
كما أن دمج الكوادر التدريسية يتيح تسوية الأوضاع الوظيفية والأطر الأكاديمية والتدريسية في الجامعة، وضمان حقوقهم ومستحقاتهم المالية والإدارية.
وأتصور أن الاعتراف بالهوية واللغة المحلية، بالتزامن مع اعتماد الجامعة، يكرس نهجًا يقبل التنوع الثقافي، ويتيح فرصًا لاستمرار تقديم مسارات أو برامج باللغة الكردية أو تدريسها إلى جانب المناهج الرسمية.
ولا شك أن استقرار المجتمع المحلي وتوحيد المؤسسة التعليمية يسهمان في تهيئة بيئة مستقرة لشباب الحسكة والقامشلي، بما يحد من معدلات الهجرة بحثًا عن فرص تعليمية أو شهادات معترف بها.
والدور التعليمي الرائد لجامعة روج آفا، نظرًا لأنها أول مؤسسة تعليم عالٍ جرى تأسيسها تحت مظلة الإدارة الذاتية، أتاح لها تجاوز دورها من مجرد تقديم برامج أكاديمية، ليمتد إلى الاهتمام بالأبعاد السياسية والاجتماعية والثقافية المتعددة.
ولا يمكن إغفال الدور الهام الذي تلعبه الجامعة في إتاحة التعليم باللغة الكردية، حيث وفرت لأول مرة فرصة الدراسة الجامعية باللغة الكردية بشكل رسمي، إلى جانب اللغتين العربية والسريانية، مما ساهم في الحفاظ على الهوية الثقافية وتطوير المناهج المحلية.
وأعتقد أن من أبرز المهام التي نجحت فيها الجامعة باقتدار هو ترسيخ ديمقراطية المجتمع، عندما اعتمدت نموذجًا تعليميًا يدمج أبناء المكونات المختلفة في المنطقة من كرد وعرب وسريان وآشور للعمل والدراسة داخل بيئة واحدة.
ولا يختلف اثنان على الدور الهام الذي تلعبه الجامعة منذ تأسيسها في تلبية احتياجات الطلاب الذين تعذر عليهم الانتقال إلى الجامعات الحكومية بالمحافظات الأخرى بسبب ظروف الحرب، والوضع الأمني أو المعيشي الصعب.
ومن الأهمية انتهاج فلسفة تعليمية جديدة تستند إلى مناهج تعتمد على إذكاء روح التفكير والتحليل لدى الطلاب، وعلى مفاهيم نقدية تركز على الحرية الأكاديمية ودور المرأة في المجتمع، بجانب التعاون في الأنشطة الدولية، وعقد اتفاقيات وشراكات أكاديمية مع عدد من الجامعات العالمية، والاستعانة بأبرز الخبراء الأجانب في مختلف التخصصات لتبادل الخبرات، وإكساب مهارات جديدة للخريجين تتناسب مع احتياجات الأسواق المحلية والإقليمية والدولية.