بث تجريبي

محمد صابر يكتب: الشرق الأوسط بعد سقوط قواعد الاشتباك

لم تعد أزمات المنطقة تُدار عبر حروب محدودة أو ضربات محسوبة، بل انتقلت المواجهة إلى استهداف الممرات البحرية والقواعد العسكرية ومنشآت الطاقة ذاتها، بما يفتح الباب أمام إعادة تعريف قواعد الردع والتحالفات في الشرق الأوسط. فالحرب التي اندلعت شرارتها في 28 فبراير 2026 بضربات أمريكية إسرائيلية مكثفة على العمق الإيراني لم تكن جولة عابرة في صراع ممتد، بل نقطة انكسار حقيقية في المنطق الذي حكم إدارة الصراعات الإقليمية طوال العقود الماضية.

لقد كشفت الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل، وما رافقها من انخراط أمريكي مباشر، أن قواعد الردع التي تشكلت بعد حرب أكتوبر، ثم أُعيد إنتاجها بعد حرب الخليج، لم تعد قادرة على ضبط سلوك الفاعلين الإقليميين. فاستهداف العمق الإيراني، والرد عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة، والتهديد بإغلاق مضيق هرمز، والضربات المتبادلة على القواعد العسكرية، جميعها مؤشرات على انتقال المنطقة إلى مرحلة تتراجع فيها الحدود الفاصلة بين الحرب الشاملة والضغط الاستراتيجي، وبين الأمن العسكري والأمن الاقتصادي.

وفي هذا السياق، بات واضحًا اليوم أن المنطقة تعيش لحظة إعادة تشكيل شاملة، لا تقتصر تداعياتها على العلاقة الثنائية بين طهران وتل أبيب فقط، بل تمتد لتعيد صياغة موقع كل الفاعلين الإقليميين، من دول الخليج إلى دول المتوسط.

الحرب المفتوحة:

لم يعد الردع في الشرق الأوسط يقوم على منع الحرب، بل على إدارة مستوياتها. فخلال العقود الماضية، قامت المعادلة الإقليمية على إدراك متبادل بأن تجاوز خطوط معينة سيؤدي إلى حرب شاملة لا يملك أي طرف القدرة على تحمل كلفتها. غير أن السنوات الأخيرة كشفت تراجع فاعلية هذه المعادلة، بعدما أصبحت الضربات العسكرية المباشرة أكثر تكرارًا، واتسع نطاق الأهداف ليشمل العمق الاستراتيجي للدول، دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى اندلاع حرب إقليمية كاملة.

مثّلت الحرب الإيرانية–الإسرائيلية نقطة تحول في هذا السياق؛ إذ انتقل الصراع من سياسة "الضربات بين الحروب" إلى استهداف البنية العسكرية والسيادية للطرفين بصورة غير مسبوقة، بينما دخلت الولايات المتحدة طرفًا مباشرًا في بعض مراحل المواجهة، وتوسعت دائرة الاشتباك لتشمل البحر الأحمر والخليج العربي وشرق المتوسط.

ويكشف هذا التحول أن الردع لم يعد قائمًا على منع استخدام القوة، بل على إدارة سقف التصعيد، بحيث يحقق كل طرف أهدافه دون الوصول إلى نقطة الانهيار الكامل للنظام الإقليمي. ولعل المفارقة الأعمق في هذه الحرب أنها لم تُحسم عسكريًا بقدر ما انتهت إلى تسوية تفاوضية تحمل طابع الانتصار المزدوج؛ فقد أعلن المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني تحقيق ما وصفه بـ"انتصار عظيم" عبر انتزاع التزام أمريكي بعدم الاعتداء، واستمرار السيطرة الإيرانية الفعلية على مضيق هرمز مع مرور خاضع للرقابة، إلى جانب الاعتراف الضمني بحق طهران في تخصيب اليورانيوم ورفع العقوبات. وبصرف النظر عن مدى دقة هذا الوصف الإيراني للنتيجة، فإن مجرد التوصل إلى تفاهم عبر وساطة إقليمية، بدلًا من الحسم العسكري الكامل، يكشف أن حتى القوى الأعظم في هذه المواجهة أدركت أن الحرب المفتوحة، حين تندلع فعلًا، تصبح مكلفة إلى درجة تجعل العودة إلى طاولة التفاوض ضرورةً لا خيارًا، وهو درس استراتيجي سيظل حاضرًا في حسابات كل الأطراف عند أي تصعيد مقبل.

إعادة التموضع:

لم تعد المنافسة الإقليمية تُقاس فقط بالسيطرة على الأرض أو حجم الجيوش، بل بامتلاك القدرة على التأثير في شرايين الاقتصاد العالمي، والتحكم في حركة التجارة والطاقة، وتعطيل البنية اللوجستية التي يعتمد عليها الخصوم. ومن هنا، أصبحت الممرات البحرية ومنشآت الطاقة والقواعد العسكرية عناصر رئيسية في إعادة رسم موازين القوى، بحيث باتت كل قوة إقليمية أو دولية تعيد تعريف أدوات نفوذها بما يتناسب مع هذا الواقع، ويمكن تفصيل ذلك على النحو التالي:

(1) الممرات البحرية: أصبحت مضائق هرمز وباب المندب وقناة السويس وشرق المتوسط أكثر من مجرد ممرات للتجارة العالمية؛ إذ تحولت إلى أدوات ضغط جيوسياسي تستطيع من خلالها القوى الإقليمية التأثير في الاقتصاد العالمي دون الدخول في مواجهة برية مباشرة. فمنذ الأيام الأولى للمواجهة، أعلن الحرس الثوري الإيراني سيطرته الفعلية على مضيق هرمز، وبدأ زرع ألغام بحرية فيه، ما أدى إلى شبه توقف كامل لحركة الملاحة عبر أحد أهم ممرات الطاقة العالمية؛ إذ تراجعت حركة عبور السفن، في فترات معينة، إلى ست سفن فقط في اليوم الواحد، مع لجوء شركات شحن عالمية إلى إطفاء أجهزة تتبع سفنها تفاديًا للاستهداف. وقد استدعى هذا الإغلاق الفعلي حملة عسكرية أمريكية لإعادة فتح المضيق، شملت تدمير عشرات الزوارق الإيرانية المتخصصة في زرع الألغام، في مؤشر على أن أمن الطاقة العالمي بات هدفًا عسكريًا مباشرًا، لا مجرد نتيجة تبعية للصراع.

(2) سلاح الطاقة: لم تعد منشآت النفط والغاز هدفًا ثانويًا في الصراعات، بل أصبحت جزءًا من معادلة الردع نفسها. فاستهداف حقول الإنتاج، أو موانئ التصدير، أو البنية التحتية للطاقة، لم يعد يهدف فقط إلى إضعاف الخصم اقتصاديًا، وإنما إلى رفع كلفة الحرب عليه وعلى داعميه الدوليين، وربط الأمن العسكري مباشرة بالأمن الاقتصادي العالمي.

(3) القواعد العسكرية: أظهرت التطورات الأخيرة أن القواعد العسكرية الأجنبية في المنطقة لم تعد تمثل فقط مراكز لإدارة العمليات، بل تحولت هي نفسها إلى أهداف استراتيجية. فاستهداف القواعد الأمريكية، أو التهديد بها، كشف أن الوجود العسكري الخارجي أصبح جزءًا من معادلة الردع المتبادل، وأن حماية هذه القواعد باتت تمثل تحديًا لا يقل أهمية عن إدارة العمليات العسكرية ذاتها.

(4) الفاعلون من غير الدول: لم تعد الدول وحدها تحتكر القدرة على التأثير في الأمن الإقليمي. فالجماعات المسلحة، وشبكات الوكلاء، والتنظيمات العابرة للحدود، أصبحت تمتلك أدوات تمكنها من تعطيل الملاحة، واستهداف الطاقة، وفرض كلفة استراتيجية على دول تفوقها عسكريًا، وهو ما جعل مفهوم القوة أكثر تعقيدًا، وأقل ارتباطًا بالقدرات التقليدية للدول.

(5) الاقتصاد العالمي: كل تصعيد في الشرق الأوسط لم يعد ينعكس على أطراف الصراع وحدها، بل يمتد مباشرة إلى الاقتصاد العالمي. فأسواق النفط، وسلاسل الإمداد، وأسعار النقل والتأمين، أصبحت جميعها جزءًا من معادلة الصراع، الأمر الذي منح القوى الكبرى مصلحة مباشرة في منع انهيار الاستقرار الإقليمي، حتى وإن استمرت المنافسة بين أطرافه.

جدل الشرعية والسيطرة:

تكشف التحولات الجارية أن الشرق الأوسط يقف أمام لحظة انتقالية قد تعيد تعريف مفهوم الأمن الإقليمي ذاته. فالمنظومة التي تشكلت لعقود على أساس الضمانات الأمريكية، والتفوق العسكري الإسرائيلي، والاحتواء المتبادل للقوى الإقليمية، تواجه اليوم اختبارات غير مسبوقة مع تصاعد أدوار الفاعلين الإقليميين، وتراجع قدرة قوة واحدة على إدارة جميع أزمات المنطقة.

وتسعى الولايات المتحدة إلى تقليص انخراطها العسكري المباشر مع الحفاظ على شبكة تحالفاتها، بينما تعمل إسرائيل على توسيع مفهوم الردع ليشمل الضربات الاستباقية خارج حدودها. وفي المقابل، تحاول تركيا تعزيز دورها بوصفها قوة إقليمية قادرة على إدارة التوازنات، فيما تسعى دول الخليج إلى بناء منظومة أمنية أكثر اعتمادًا على الشراكات الاقتصادية والسياسية، وتواصل إيران البحث عن صيغ جديدة للحفاظ على نفوذها بعد تراجع أدواتها التقليدية.

من جهة أخرى، يكشف المشهد الذي أعقب الحرب عن قناعة متبلورة تدريجيًا في العواصم الخليجية، مفادها أن النموذج الأمني القائم منذ حرب الخليج الثانية عام 1991، والقائم أساسًا على المظلة الأمريكية الحصرية، لم يعد قادرًا على حماية أمن المنطقة في ظل قواعد اشتباك جديدة تتجاوز التهديد العسكري التقليدي إلى الصواريخ بعيدة المدى، والمسيّرات، والهجمات السيبرانية، والحرب الاقتصادية المتزامنة. فحين استهدفت الضربات مطارات مدنية وبنية تحتية خليجية لا صلة مباشرة لها بالعمل العسكري، وعندما تبين أن واشنطن وتل أبيب لا تحسبان بالضرورة كلفة الأضرار التي تلحق بحلفائهما الإقليميين أثناء ملاحقة أهدافهما الخاصة، بدأت دول الخليج تعيد النظر جديًا في مدى كفاية الاعتماد على شريك أمني واحد.

غير أن أكثر ما يستحق التوقف عنده تحليليًا هو نمط التعامل الخليجي مع طهران أثناء الحرب ذاتها؛ فبدلًا من الانخراط في التصعيد الأمريكي الإسرائيلي، أو التموضع الكامل في الصف المقابل لإيران، اختارت الدبلوماسية الخليجية لعب دور الوسيط الضاغط باتجاه إنهاء الحرب، وهو موقف يعكس إدراكًا متزايدًا بأن "الانتصار المطلق" لأي طرف، سواء كان إسرائيل أو إيران، يحمل مخاطر وجودية على الاستقرار الإقليمي بأكمله، لا تقل عن مخاطر استمرار الحرب نفسها.

وختامًا، يمكن القول إن التحدي الرئيسي في الشرق الأوسط لم يعد منع اندلاع الحروب، بل إدارة مرحلة تتغير فيها طبيعة الصراع نفسه. فالممرات البحرية أصبحت خطوط مواجهة، والطاقة تحولت إلى أداة ردع، والقواعد العسكرية لم تعد ملاذًا آمنًا، بينما بات الاقتصاد العالمي طرفًا يتأثر بكل تصعيد مهما بدا محدودًا.

لذلك، فإن التاريخ يظهر أن الحروب لا تغير الخرائط فقط، وإنما تعيد أيضًا صياغة القواعد التي تحكم العلاقات بين الدول. ويبدو أن المنطقة تعيش بالفعل لحظة سقوط قواعد الاشتباك القديمة، دون أن تكون القواعد الجديدة قد استقرت بعد، ما يجعل الشرق الأوسط يدخل مرحلة من السيولة الاستراتيجية ستحدد نتائجها طبيعة النظام الإقليمي لعقود مقبلة.

قد يهمك