لكل عصر عتباته المقدسة.. وقد أفرز عصرنا هذا عتبات مقدسة من نوع جديد.
لأهل بيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مكانة خاصة لدى المسلمين على تنوع مذاهبهم، وأى مسجد دُفِن فيه أحد أهل البيت الكريم، يعتبره قطاع من المسلمين الشيعة عتبة مقدسة، وهى عتبة لها قيمتها ومقامها لدى غيرهم من المسلمين، والسنَّة يرددون المثل الذى يقول: «مين زار الأعتاب ما خاب»، وهناك من يعترض على هذا الوصف، بل وعلى زيارة هذه الأعتاب من الأصل، بسبب بعض الممارسات غير المنطقية لبعض زوارها.
فى مصرنا الغالية، تجد قطاعاً لا بأس به من البسطاء يحرضون على زيارة أضرحة أهل البيت، ويتبركون بها، ويدعون الله تعالى آملين أن يستجيب لهم فى هذه البقاع الطاهرة، تجد الواحد منهم يقف أمام قبر هذا الحبيب أو ذاك من أهل البيت الكريم، ويسرد له شكواه أو مظلمته، ويحكى له تفاصيل ما حدث له كاملاً، آملاً منه أن يتدخل لحل مشكلته، ولعلك تذكر أن الباحث الاجتماعى العظيم الدكتور سيد عويس، رصد فى دراسة بديعة له رسائل المصريين إلى الإمام الشافعى وقام بتحليلها، وكشف من خلالها كيف اعتبر المصريون هذا الولى الصالح ملاذاً روحياً وقاضياً للحقوق.
إنها معادلة «الولى والوالى» التى جسَّدها المبدع الراحل أحمد زكى فى أحد مشاهد فيلم «الراقصة والطبال»، تظهر فيه مواطنة بسيطة تفترش الأرض، وتتحدث إلى إحدى مذيعات التليفزيون، وتحكى لها كيف داخت على المسئولين بعد أن انهار البيت الذى تعيش فيه، فأرسلها البيه المأمور إلى البيه وكيل الوزارة، والبيه وكيل الوزارة إلى الوزير، والوزير إلى البيه المحافظ، دون أن يفعل لها أحد شيئاً، سألتها المذيعة: ماذا فعلت بعد ذلك؟، فأجابتها: «قلنا ما بدهاش.. كتبنا شكوى ورفعناها لسيدنا الحسين هو يصطفل معاهم!».
فى فيلم «قنديل أم هاشم» تعاين مشهداً آخر يعكس لك معادلة العلاقة بين «الولى والوالى» فى ذهنية البسطاء، حين يجد «إسماعيل» نفسه عاجزاً عن دخول كلية الطب بسبب عدم وجود واسطة له، يحكى مأساته لعم درديرى خادم مسجد السيدة زينب، فيطمئنه الأخير قائلاً: «اطمن يا إسماعيل.. واسطتك موجودة.. الست تكلم لك الحكام».
عندما تحيد ممارسات البسطاء داخل العتبات المقدسة عما يراه البعض صواباً عادة ما تجد من ينهرهم، بل وكما ذكرت لك هناك من يتحفظ على دعائهم فى هذه العتبات، أو تشفعهم بالأولياء والصالحين، انطلاقاً من أن الله تعالى موجود فى كل مكان، وهو قريب من الإنسان أينما يكون، يجيب دعوة الداعى إذا دعاه، مصداقاً لقوله تعالى: «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِى وَلْيُؤْمِنُوا بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ».
على أية حال ليس هذا موضوعنا. موضوعنا هو بعض العتبات المعاصرة التى أصبحت مقدسة قولاً وفعلاً، رغم أنها لا تؤوى أضرحة أولياء أو صالحين، أو أحداً من أهل بيت النبى صلى الله عليه وسلم.
إنها أماكن ومواقع اكتسبت قداسة، أو بعبارة أخرى، أكسبها أصحابها قداسة، نتيجة ارتفاع قيمها المالية.
إنها قداسة من نوع جديد أصبحت ترتبط بفئة تمتلك أشياء ثمنها زكايب فلوس يتوجب حملها على ظهور المركبات!.
.......... نقلاً عن موقع جريدة الوطن المصرية
منبر الرأي
منبر الرأي
منبر الرأي