تُمثّل الشائعات المغرضة والتضليل الإعلامي في العصر الرقمي إحدى أقوى أدوات "الحرب الهجينة" لتفكيك الشرق الأوسط، حيث لم تعد السيطرة على الشعوب تتطلب بالضرورة حشوداً عسكرية ميدانية، بل بات تقويض الاستقرار وتهديد النسيج الاجتماعي يبدأ من خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي وشاشات الإعلام الفضائي. وفي منطقة معقدة تاريخياً وجيوسياسياً مثل الشرق الأوسط، تحول التضليل إلى سلاح حقيقي يسهم بشكل مباشر في تفكيك الدول الوطنية، من خلال إذكاء النزاعات العرقية والطائفية، وإضعاف الاقتصادات المحلية.
الكاتب الصحفي سيد أبواليزيد
أدى الانتشار السريع لوسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى توفير بيئة خصبة لانتشار الأخبار الزائفة.
ومع تزايد استخدام الإنترنت، تشير البيانات الصادرة عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) إلى أن نسبة مستخدمي الإنترنت في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تجاوزت 70% بحلول عام 2024، مع وصول نسبة الانتشار في بعض دول الخليج العربي إلى أكثر من 98%.
وتعد وجود منصة تتسم بسرعة الانتشار. ووفقاً لدراسة صادرة عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، فإن الأخبار الزائفة والمدعومة بالانفعالات العاطفية تتفوق على الأخبار الحقيقية، إذ تنشر الشائعة وتصل إلى ألف و500 شخص بسرعة تزيد 6 أضعاف مقارنة بالخبر الصادق، وتزداد احتمالية إعادة مشاركتها بنسبة 70%.
ولا يمكن إنكار أن الحملات الموجهة لزيادة الانقسامات الاجتماعية داخل مجتمعات الشرق الأوسط المتنوعة تتم باستخدام الحسابات الوهمية، حيث كشفت تقارير صادرة عن مختبر أدلة الطب الشرعي الرقمي أن أكثر من 40% من الحسابات المشاركة في الهاشتاجات المثيرة للجدل والطائفية خلال الأزمات الإقليمية في الشرق الأوسط هي حسابات وهمية ومؤتمتة أُنشئت بهدف تضخيم خطاب الكراهية.
ولا تقتصر آثار الشائعات على الجانب السياسي أو الأمني فقط، بل تمتد لتضرب بنيان الاقتصاد المحلي والإقليمي.
ويُقدّر معهد الاقتصاد والسلام (IEP) والعديد من المؤسسات المالية الدولية النتائج المترتبة على التضليل الإعلامي والتزييف، حيث يكلف الاقتصاد العالمي سنوياً نحو 78 مليار دولار، وتشمل خسائر الأسواق المالية والانخفاض في الاستثمارات المباشرة وحملات العلاقات العامة للرد على التضليل الإعلامي.
وتتحمل منطقة الشرق الأوسط نصيباً كبيراً من هذه الخسائر بسبب هشاشة بيئة الاستثمار في مناطق النزاع، خاصة مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، حيث أصبحت عمليات الفبركة والتضليل أكثر تعقيداً.
كما أظهرت تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي في استعراضه للمخاطر العالمية لعام 2024 أن "المعلومات الخاطئة" يُصنّفان كأكبر خطر إلكتروني واجتماعي يهدد الاستقرار العالمي على المدى القريب (خلال عامين)، متفوقاً على التهديدات السيبرانية التقليدية.
وخلال النزاعات المسلحة في المنطقة (مثل سوريا واليمن وليبيا)، ولا تزال هناك محاولات وإلحاح لإسقاط دولة مهمة بالمنطقة لتفكيكها بنفس الوسيلة التي تم بها التعامل مع الدول التي سقطت، ولكن هذه المرة يتم استخدامها بشكل مبالغ فيه لدرجة تعرضها في إحدى السنوات لنحو 90 ألف شائعة خلال عام واحد، في حين أن متوسط ما تتعرض له خلال السنوات الأخيرة يتراوح ما بين 10 آلاف إلى 15 ألف شائعة سنوياً، طبقاً لما رصدته الأجهزة المختصة لديها.
كما أظهرت دراسة صادرة عن مركز أبحاث الديمقراطية والتكنولوجيا أن ما يقرب من 35% إلى 50% من المحتوى المرئي المتداول على منصات التواصل الاجتماعي أثناء ذروة المواجهات العسكرية كان إما مقتطعاً من سياقه أو يعود لأحداث زمنية وجغرافية أخرى كلياً، مما ساهم في توجيه الرأي العام وإطالة أمد الصراعات.
ووفقاً لمؤشر Edelman Trust Barometer للثقة، فإن نسبة الثقة في وسائل الإعلام التقليدية والمنصات الرقمية شهدت تراجعاً ملحوظاً، إذ يعتقد أكثر من 60% من المشاركين في استطلاعات الرأي بالمنطقة أن وسائل الإعلام تحتوي على كميات متزايدة من التضليل والأجندات.
ولتفادي الآثار التفكيكية للتضليل الإعلامي في الشرق الأوسط، تبرز الحاجة إلى استراتيجية متكاملة تشمل:
تعزيز التربية الإعلامية بإدراج مناهج النقد الرقمي والتحقق من المصادر في المدارس والجامعات بمحاضرات داخل قاعات الدرس.
ودعم منصات تدقيق الحقائق بجانب دعم المراكز والمنصات المستقلة المخصصة للتحقق من الأخبار باللغة العربية.
ومن الأهمية بحث إمكانية فرض التزامات قانونية وأخلاقية على شركات التكنولوجيا الكبرى للحد من انتشار الحسابات الوهمية وخطاب الكراهية دون المساس بحرية التعبير.
كما أنه من الأهمية الرد السريع من المؤسسات الرسمية بالأرقام والبيانات الدقيقة لسد الفراغ الإخباري الذي تتغذى عليه الشائعات.
إن الشائعات المغرضة والتضليل الإعلامي لم يعودا مجرد ظاهرة هامشية، بل تحولا إلى أداة هدم جيوسياسية تُستغل لتفكيك النسيج الاجتماعي للدول وإشعال الأزمات الداخلية واستنزاف الموارد الاقتصادية في الشرق الأوسط، وتقتضي مواجهة هذا الخطر الاستعماري استراتيجيات للارتقاء بالوعي المجتمعي وتنسيقاً إقليمياً لحماية الأمن القومي للبلدان ومستقبل شعوبها.