طرح عضو حركة التحرر الكردستانية نورالدين دميرتاش رؤية واسعة لمفهوم الكومونالية، مقدمًا إياها باعتبارها أكثر من مجرد شكل للتنظيم، ومربطًا بينها وبين الحرية والتضامن والحياة المشتركة وطبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة والسلطة.
وفي حديث لوكالة فرات للأنباء، انطلق دميرتاش من تجارب النضال التي قال إنهم يستندون إليها، موضحًا أن التنظيم القائم على أساس الكومونة يمثل أحد الأسس التي يعتمدون عليها في المرحلة الحالية. وربط هذا التصور بسياق تاريخي أوسع، رأى خلاله أن الدولة والسلطة وقفتا على جانب، بينما وقف المجتمع على الجانب الآخر، في حالة من التناقض المستمر.
ومن هنا، قدم دميرتاش الكومونة باعتبارها تعبيرًا عن جانب المجتمع في هذا التناقض، مشيرًا إلى أن الزعيم الكردي عبد الله أوجلان تناول في مانيفستو جوانب الدولة والكومونة، بما يوفر، بحسب رؤيته، مدخلًا تاريخيًا لفهم طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وتحديد ما ينبغي فعله في المرحلة الراهنة.
ولا يتعامل دميرتاش مع الكومون بوصفه إطارًا تنظيميًا فقط، بل يصفه بأنه «روح» الحياة المشتركة وثقافتها، ويربطه بالمعنويات والإيمان والمحبة والاحترام والتقاسم. ومن هذا المنطلق، يرى أن الابتعاد عن الكومون يعني الابتعاد عن أحد أسس الحياة الإنسانية والاجتماعية.
ويضع دميرتاش هذا التصور في مواجهة ما يعتبره صورة سلبية صنعتها الرأسمالية عن الكومونالية، إذ يرى أن الكومون جرى تقديمه أحيانًا وكأنه يعني انتزاع كل شيء من أيدي الناس وتحويلهم إلى متساوين في الفقر. ويرفض دميرتاش هذه الصورة، معتبرًا أن الكومونالية التي يتحدث عنها تتعلق بالحياة المشتركة والتنظيم الاجتماعي، وليس بإفقار المجتمع.
ولا يحصر دميرتاش جذور الكومونالية في التجربة الاشتراكية، بل يحاول وضعها ضمن سياق تاريخي واجتماعي أوسع، معتبرًا أن مجتمعات الشرق الأوسط تحمل تجارب متعددة في هذا المجال، وأن البشر عاشوا، بحسب رؤيته، ملايين السنين ضمن أشكال من الكومونات.
وفي هذا السياق، يربط دميرتاش بين الكومون والحياة الاجتماعية، ويشير إلى أن الفلسفة والأديان تناولت بدورها أشكالًا من الحياة المشتركة. ويتحدث عن الزرادشتية بوصفها تحمل، وفق رؤيته، جوهرًا اجتماعيًا، كما يشير إلى المسيحية في بداياتها باعتبارها حركة للمضطهدين، وإلى وجود جوانب كومونالية في اليهودية، فضلًا عن المجتمعات التي تعيش بنمط كومونالي في إسرائيل.
ويمتد طرحه كذلك إلى الإسلام، إذ يرى أن فيه تنشئة اجتماعية واسعة، لكنه يعتبر أن الدولة والسلطة استحوذتا لاحقًا على جوانب كثيرة وأثرتا فيها. ومع ذلك، يؤكد أن للإسلام، وفق رؤيته، طابعًا اجتماعيًا في جوهره، كما يربط بين النضال الطبقي وبين وجود طابع اجتماعي واسع.
وتكشف هذه الرؤية عن محاولة لربط الكومونالية بفكرة أوسع تتعلق بمستقبل المجتمع، إذ يرى دميرتاش أن ثقافة الحياة المشتركة تمثل مصدرًا مهمًا للقوة الإنسانية، وأن هذه القوة المعنوية كان لها تأثير في الحياة الاجتماعية عبر التاريخ.
لكن هذه الثقافة، بحسب دميرتاش، لا يمكن أن تستمر تلقائيًا، بل تحتاج إلى الوعي والتنظيم والعمل، خصوصًا في ظل ما يصفه بتفكيك المجتمع وتفريق أفراده.
ويضع دميرتاش الرأسمالية في قلب هذا النقد، معتبرًا أن الأنظمة الرأسمالية والاستغلالية والقاتلة تعمل على تفكيك المجتمعات في أنحاء العالم، وأن من أبرز نتائج ذلك إبعاد الناس بعضهم عن بعض، وتجريدهم من السياسة، وترسيخ ثقافة الإذلال.
ومن هنا ينتقل طرحه إلى سؤال يتعلق بالشخصية التي يمكن للإنسان أن يختارها داخل المجتمع: هل تكون شخصية تقوم على الجشع والرغبة في امتلاك كل شيء، أم شخصية تقوم على التضامن والمشاركة والاحترام؟
ويرى دميرتاش أن النموذج الأول تشكل تحت تأثير عشق السلطة وتمجيد الدولة، بينما يعكس النموذج الثاني، بحسب رؤيته، طابعًا مجتمعيًا وديمقراطيًا. ولذلك يعتبر أن اختيار نمط الحياة ليس مسألة فردية منفصلة عن المجتمع، وإنما جزء من صراع أوسع حول شكل العلاقات الاجتماعية والقيم التي تحكمها.
وفي مواجهة ما يصفه بنظام يضر بالطبيعة ويواصل محاولة إدامة ثقافة النهب والاستغلال، يطرح دميرتاش الكومونالية باعتبارها وسيلة لمواجهة النظام الرأسمالي، وإعادة بناء الروابط الاجتماعية على أساس مختلف.
وتحتل حرية المرأة موقعًا أساسيًا في هذه الرؤية، إذ يربط دميرتاش بين الكومونالية وحرية المرأة، معتبرًا أن المجتمع الذي تكون فيه المرأة حرة هو مجتمع كومونالي يقوم على التضامن والتقاسم والمحبة والاحترام.
ولا يقتصر هذا التصور، بالنسبة إليه، على المجال العام، بل يمتد إلى الأسرة نفسها. فالكومونالية داخل الأسرة تعني، وفق طرحه، عدم وجود ضغط داخلها، وقيام ثقافة نقاش ديمقراطية، واحترام إرادة الإنسان وعدم انتهاكها.
ويمتد الأمر كذلك إلى المعتقدات، إذ يرى دميرتاش أن الحياة الكومونالية تقتضي أن يعيش كل معتقد وفق ثقافته الخاصة، بما يجعل احترام الاختلاف جزءًا من التصور الذي يطرحه حول المجتمع.
وبذلك يقدم دميرتاش الكومونالية باعتبارها تصورًا متكاملًا للحياة، لا مجرد أداة تنظيمية. فهو يربطها بالحرية، وبالعلاقات داخل الأسرة، وبحرية المرأة، وبالتضامن، وباحترام المعتقدات، وبإعادة بناء المجتمع.
ويؤكد أن الكومون يعني بالنسبة لهم «الحياة والحرية»، وأن الهدف لا يقتصر على الدفاع عن الفكرة نظريًا، وإنما وضعها موضع التطبيق وبنائها وإظهار قيمتها من خلال الممارسة ومشاركتها مع المجتمع.
وفي حديثه عن التجربة الكردية، يشير دميرتاش إلى أن الكرد كانوا يوصفون في السابق بأنهم لا يصدقون حتى يروا الأمور بأعينهم، معتبرًا أن المرحلة الحالية تمثل فرصة لوضع هذا التصور موضع التطبيق ومشاركته مع الآخرين.
ويرى أن المجتمع الكردي أصبح أكثر وعيًا وأكثر اهتمامًا بالسياسة والتنظيم، وأن لديه أرضية تاريخية قوية تساعد على بناء هذا النموذج. كما يشير إلى امتلاك الكرد، بحسب رؤيته، ثقافة كومونالية تمتد لآلاف السنين، وإلى وجود تقليد لديهم في المقاومة القائمة على التنظيم المجتمعي.
ومن هذا المنطلق، يصف دميرتاش الكومونالية بأنها أسلوبهم الجديد في النضال، معتبرًا أنها الطريق الذي يمكن من خلاله بناء الحياة المشتركة وتعزيز الحرية والتنظيم الاجتماعي.
وفي خلاصة طرحه، لا يقدم دميرتاش الكومونالية باعتبارها مفهومًا منفصلًا عن التجربة الكردية، وإنما يربطها بتاريخ طويل من التنظيم والمقاومة، ويطرحها في الوقت نفسه باعتبارها رؤية للمجتمع تتجاوز حدود التجربة الكردية إلى تصور أوسع للحياة والحرية.
ويختتم موقفه بالتأكيد على هذا الاتجاه قائلًا: «سنقاوم بالكومونالية، وسنصبح أحراراً من خلالها».