بث تجريبي

تقارب أنقرة وواشنطن قبل قمة نيويورك: العودة لمظلة «الناتو» وثمن المقاتلة F-35

قبيل أيام معدودة من اللقاء المرتقب بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الأمريكي دونالد ترامب على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، تتزايد المؤشرات على أن أنقرة تجري إعادة ضبط دقيقة لبوصلتها السياسية والعسكرية. فبعد سنوات من السير على الحبل المشدود بين واشنطن وموسكو وممارسة "سياسة التوازن" المعقدة، تبدو القيادة التركية اليوم وكأنها تخطو خطوات متسقة ومباشرة نحو الاستجابة لمتطلبات إدارة ترامب، في محاولة واضحة لإعادة الدفء إلى روابطها التقليدية مع حلف شمال الأطلسي (الناتو).

تتبدى هذه الاستدارة غير المعلنة رسميًا عبر مؤشرين جيوسياسيين ذوي ثقل بالغ الأهمية:

- المؤشر الأول (الانصياع لمطالب واشنطن ضد طهران): جاء قرار السلطات التركية بوقف رحلات شركة "ماهان إير" الإيرانية استجابة صريحة وواضحة للضغوط والطلبات الأمريكية. هذه الخطوة لا تمثل مجرد قرار تنظيمي في حركة الطيران، بل تعد ضربة جيو-اقتصادية موجهة إلى طهران، وتأكيدًا تركيًا عميقًا لوكالات القرار في واشنطن بأن أنقرة مستعدة لتطبيق قواعد اللعبة الأمريكية تجاه النفوذ الإيراني في المنطقة.

- المؤشر الثاني (الغضب الروسي والتهديد المباشر): يأتي الانزلاق الأكبر في العلاقة مع موسكو عقب طلب وزارة الخارجية الروسية توضيحًا رسميًا من أنقرة بشأن بيانات وشحنات أسلحة ومعدات عسكرية متجهة إلى أوكرانيا. موسكو لم تكتفِ بتسليم وثائق واستدعاء التوضيحات، بل حُمّل الملف بتهديد صريح عبر نائب وزير الخارجية الروسي، ألكسندر غروشكو؛ إذ أكد بعبارات خالية من الدبلوماسية أن السياسة الروسية تعتبر أي شحنات عسكرية أو منشآت لتصنيع ومستودعات المسيرات لصالح كييف أهدافًا مشروعة ومباشرة للقوات الروسية.

عقدة المقاتلة "F-35" ورسائل نيويورك

طوال العقود الثلاثة التي قضيتها في متابعة التحولات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وحوض البحر الأبيض المتوسط، تعلمت أن القرار التركي لا يُتخذ بالمجان مطلقًا.

إن هذا التراجع التدريجي عن سياسة التوازن، والاندفاع المحسوب نحو التناغم مع توجهات ترامب، يقف خلفه هاجس عسكري وسياسي واحد: المقاتلة الأمريكية السهمية "F-35". أصبحت هذه الطائرة العقدة المستعصية في جدار العلاقات بين الجانبين منذ استبعاد أنقرة من البرنامج. وعلى الرغم من التعهدات الشفهية والوعود التي كررها ترامب مرارًا وتكرارًا، فإن القيود التشريعية ومواقف الكابيتول هيل لا تزال تحول دون وصول هذه المقاتلات لإنعاش سلاح الجو التركي.

تطمح أنقرة من خلال تقديم "أوراق اعتماد" جديدة في ملفي إيران وروسيا قبل قمة نيويورك إلى إعطاء ترامب الحجة القوية والغطاء السياسي اللازم لكسر الحظر وتمرير صفقة الطائرات.

الجغرافيا السياسية وحقول الألغام المقبلة

لكن، هل تخلو هذه المغامرة من المخاطر؟ يدرك المتابع للشرق الأوسط أن تركيا تطرق أبواب مرحلة بالغة الحساسية؛ فالعودة الصريحة إلى مظلة "الناتو" الكاملة على حساب الشراكة التكتيكية مع الكرملين والتهدئة مع طهران قد تفتح على أنقرة أبواب صراعات إقليمية معقدة. فالجغرافيا السياسية التي تطوق تركيا - من سوريا وشمال العراق إلى البحر الأسود والقوقاز - تجعل من أي صدام مباشر مع المصالح الروسية أو الإيرانية كلفة باهظة قد لا تعوضها حتى أسراب من مقاتلات "F-35".

يبقى السؤال المطروح في أروقة الفنادق والمقرات الدبلوماسية بنيويورك: هل ينتزع أردوغان التزامًا حاسمًا من ترامب بشأن المقاتلات المتطورة، أم أن أنقرة ستجد نفسها قد خسرت مرونة "حبل التوازن" دون أن تقبض ثمن استعادتها لدورها الأطلسي؟ الأيام القليلة القادمة كفيلة بكشف المستور.

 

قد يهمك