يُتوقع أن يجري الرئيس الصيني شي جين بينج محادثات مع نظيره الأمريكي دونالد ترامب في واشنطن، الأسبوع المقبل، في أول زيارة لشي إلى الولايات المتحدة منذ عام 2015، وسط ملفات اقتصادية وتجارية وتكنولوجية وجيوسياسية متعددة تفرض نفسها على العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم، أبرزها السباق المحتدم بين البلدين حول الذكاء الاصطناعي.
ومن المقرر أن يصل شي، الأربعاء المقبل ويغادر الجمعة برفقة زوجته بنغ لي يوان، متجاهلاً اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، فيما لم تؤكد بكين الزيارة نهائياً؛ إذ يبقى الأمر مرتبطاً بالاجتماع المقرر نهاية الأسبوع بين وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت ونائب رئيس الوزراء الصيني خه لي فنغ.
وتأتي الزيارة المرتقبة بعد زيارة ترامب إلى بكين في مايو/ أيار، فيما يعد تبادل زيارتين رسميتين بين البلدين خلال أقل من 5 أشهر أمراً غير معتاد. وقال إدغارد كاغان، المستشار البارز في دراسات الصين لدى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية "CSIS": "الزيارة هي الرسالة"، مشيراً إلى محدودية الإشارات الصادرة من الجانبين بشأن أهدافها الكبرى.
من جانبها قالت سارة بيران، الدبلوماسية الأمريكية السابقة التي عملت في الشؤون الصينية والرئيسة القادمة للجنة الوطنية غير الربحية للعلاقات الأمريكية الصينية: "أعتقد أنه لا يوجد موضوع أهم من الذكاء الاصطناعي ينبغي على واشنطن وبكين مناقشته".
وكشف البيت الأبيض أن من بين المسؤولين التنفيذيين المقرر حضورهم مأدبة العشاء الرسمية عشية وصول الرئس شي إلى واشنطن، مؤسس أمازون جيف بيزوس، وإيلون ماسك من تسلا وسبيس إكس، وسوندار بيتشاي من غوغل، ومايكل ديل، الرئيس التنفيذي لشركة ديل تكنولوجيز، وفق ما أوردته "إيه بي سي نيوز".
كما تضم قائمة المدعوين جينسن هوانغ من شركة "إنفيديا"، وسام ألتمان من شركة "أوبن إيه آي"، وكريستيانو آمون من "كوالكوم"، وجين فريزر، الرئيسة التنفيذية لشركة "سيتي قروب"، وتيم كوك، الذي تنحى مؤخراً عن منصبه كرئيس تنفيذي لشركة أبل.
ويأتي ذلك وسط جدل بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي، بعدما دعا داريو أمودي من "أنثروبيك" إلى إبطاء تطوير التقنيات الحدودية، بينما رفض ترامب الطرح قائلاً إن "من يفوز في مجال الذكاء الاصطناعي يفوز في كل شيء". كما يُتوقع أن يصطحب شي وفداً من رجال الأعمال، مع تداول اسم قيادة "بي واي دي" ضمن المرشحين.
وتتسابق الولايات المتحدة والصين في مجال الذكاء الاصطناعي، مع تفاوت واضح بين البلدين في حجم الاستثمارات وعدد النماذج المتقدمة، مقابل تقارب متزايد في أداء النماذج.
وبلغت الاستثمارات الأمريكية في الذكاء الاصطناعي 285.9 مليار دولار، مقابل 12.4 مليار دولار للصين، بفارق يبلغ 23 ضعفاً بين البلدين.
وفي مجال النماذج المتقدمة، تمتلك الولايات المتحدة 59 نموذجاً مقابل 15 نموذجاً للصين. كما تُظهر البيانات تفوقاً أمريكياً في الأبحاث الأعلى تأثيراً والنماذج المتقدمة، بينما تتصدر الصين في حجم الأوراق البحثية وبراءات الاختراع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وعلى مستوى الأداء، بلغ الفارق بين أفضل النماذج الأمريكية والصينية 2.7%، ما يعكس تقارباً في قدرات النماذج المتقدمة بين البلدين.
وفي السوق العالمية، ارتفعت حصة النماذج اللغوية الصينية من 3% سابقاً إلى 13%، في مؤشر على زيادة حضورها في سوق الذكاء الاصطناعي العالمي.
مع ذلك، يُعدّ الذكاء الاصطناعي موضوعًا شائكًا؛ نظرًا لقلة الثقة في العلاقة حاليًا، كما تقول بيران. وأضافت: "إن الخوف من نقاط الاختناق، والعرقلة، واستخدام الذكاء الاصطناعي كأداة ضغط من كلا الجانبين، يجعل هذا الموضوع من أصعب المواضيع التي يمكن مناقشتها".
كما يتصدر الملف التجاري المفاوضات التي يجريها بيسنت وخه لي فنغ؛ بهدف إعداد قائمة بالنتائج الملموسة قبل القمة. ويبرز اتفاق الهدنة التجارية المبرم في بوسان في 30 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، والذي علقت بموجبه واشنطن "قاعدة الشركات التابعة"، مقابل استمرار الصادرات الصينية من المعادن النادرة والمواد الخام الحيوية.
وتنتهي الهدنة بعد نحو 5 أسابيع من موعد القمة، فيما يرغب الطرفان في تمديدها ويختلفان حول مدتها. وقال سكوت كينيدي، رئيس برنامج الأعمال والاقتصاد الصيني في "CSIS"، إن بكين تريد تمديد وقف إطلاق النار التجاري حتى نهاية إدارة ترامب، بينما ترغب واشنطن في تمديد أقصر للحفاظ على أوراق الضغط، مرجحاً التوصل إلى تمديد لنحو عام.
وتتوقع بكين، وفق كاغان، إعلان حزمة واردات معفاة من الرسوم أو منخفضة التعرفة بقيمة تقارب 30 مليار دولار، مقابل تنفيذ الالتزامات الشرائية التي تعهدت بها في مايو/ أيار، فيما تعوّل واشنطن على انتزاع تعهدات إضافية بالشراء. ومن المرجح عقد صفقات في الزراعة وصناعة الطائرات، مع احتمال مشاركة "بوينج".
يواجه ترامب الانتخابات النصفية في نوفمبر/ تشرين الثاني، وسط تركيز متوقع على كلفة المعيشة، فيما يتجاوز سعر وقود الديزل 6 دولارات للغالون ويبلغ التضخم 3.4%.
في المقابل، تواجه الصين تحديات اقتصادية؛ إذ نمت مبيعات التجزئة 0.4% فقط في أغسطس/ آب، وتراجع الاستثمار في الأصول الثابتة 7.2% خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من 2025. وضخت بكين 360 مليار يوان في البنوك وشركات التأمين المملوكة للدولة لضمان استمرار الائتمان.
ويبلغ الهدف الرسمي لنمو الاقتصاد الصيني بين 4.5-5%، وهو الأدنى منذ عقود، فيما قال كينيدي إن الاقتصاد ينمو ببطء، مع مشكلات ديون وبطالة متزايدة.
تحمل القمة أيضاً ملفات جيوسياسية قد تعرقل التفاهم. وتتصدر إيران أولويات ترامب، بعدما أطلقت واشنطن في أغسطس/ آب عملية "المنبوذ الاقتصادي" لفصل طهران عن النظام المالي العالمي، بينما تظل الصين أكبر شريك تجاري لإيران.
أمَّا تايوان فتشكل أولوية رئيسية لشي، بعدما وافق الكونغرس الأمريكي مبدئياً في يناير/ كانون الثاني على صفقة أسلحة لتايوان بقيمة 14 مليار دولار، لكنها لم تُبلّغ رسمياً بعد. وتسعى بكين إلى استمرار تجميد الصفقة، وربَّما إعادة النظر فيها؛ لتجنب عامل توتر قبيل القمة.