بث تجريبي

سيهانوك ديبو يكتب: في الذكرى الـ23 لتأسيس حزب الاتحاد الديمقراطي PYD: من هوامش النشأة إلى قلب التحول

23 عامًا مرت ليست رقمًا احتفاليًا، بل مسافة زمنية لاختبار فكرة طرحت من رحم الظرف الكردي وقضية شعبه، وفي ظروف استثنائية.

1- ظروف استثنائية لنشأة استثنائية

تأسس الاتحاد الديمقراطي في 20 أيلول 2003، في لحظة كان فيها العمل السياسي بالنسبة للعام السوري، وليس فقط الكردي في سوريا، محصورًا بين خيارين: حزب مرخص شكليًا يمارس المعارضة في صالونات دمشق، أو عمل سري يلاحقه الأمن.

كان الحزب وليد مناخين: مناخ قمع البعث الذي جرّد عشرات آلاف الكرد من الجنسية، وطبّق الحزام العربي، ومارس سياسة الإمحاء ضد الكرد وعموم حركة التغيير الوطني السوري، ومناخ التحول الفكري لحركة حرية كردستان بعد 1999. فلم يولد في فندق خمس نجوم في الخارج، بل في جبال كردستان وتباعًا في أقبية المدن الكردية، تحت ملاحقة يومية؛ حيث بلغ عدد أعضائه في سجون النظام السوري البائد بداية الثورة السورية نحو 1500 عضو، بعضهم مغيّب حتى اللحظة. هذه الاستثنائية هي ما جعله يفكر خارج الصندوق التقليدي المطروح: لا يطالب بحق ثقافي فقط، بل يطرح نموذجًا مجتمعيًا.

2- من هامش الثورة إلى مركز الإدارة

عندما اندلعت الثورة السورية 2011، ذهبت معظم القوى إلى أحد اصطفافين: النظام أو المعارضة التقليدية. اختار PYD طريقًا ثالثًا قيل عنه حينها انتحار سياسي؛ علمًا أنه كان انزياحًا واضحًا أكثر إلى حماية المناطق الكردية من الفراغ، وعدم تسليمها لا للنظام ولا للفصائل المسلحة. وفي الوقت نفسه ممارسة أقصى درجات الدبلوماسية والمرونة مع المختلفين، وصولًا لتأسيس أطر وطنية معارضة، كما في مثال هيئة التنسيق 2012 ومؤتمر القاهرة للمعارضة السورية 2015 وغيرهما؛ وصولًا لنسج تفاهمات ميدانية وبروتوكولات سياسية، من التفاهم مع هيئة النصرة / هيئة تحرير الشام في سري كاني/ رأس العين 2013 إلى اتفاقيات مع حزب الإرادة الشعبية 2020 وتيار اليسار الثوري السوري 2023، والعديد منها في وقت الثورة السورية.

ريادته في تأسيس الإدارة الذاتية 2012-2014 لم تكن قرارًا إداريًا، بل فعل بقاء. في وقت انهارت فيه مؤسسات الدولة، فتح مدارس، وأدار أفرانًا، وحمى الحدود من داعش. صحيح أن التجربة ولدت بجراحها، لكنها التجربة النوعية القابلة للحياة حتى اللحظة، بحكم التنوع في سوريا التي انتقلت من شعار «إسقاط النظام» إلى ممارسة «بناء النظام البديل» على الأرض.

3- ما الذي حققه بعَجَرِه وبَجَرِه؟

لا يمكن إنكار أربعة تحولات حققها الحزب، حتى من خصومه:

أ– طرح القضية الكردية سوريًا:

قبل 2011، كان سوريون كثر في حمص وحماة واللاذقية وباقي المدن السورية لا يعرفون أن هناك شعبًا كرديًا يعيش تاريخيًا في سوريا الحديثة. اليوم، وبفضل صمود كوباني ومقاومة عفرين وقامشلو وسياسة الإدارة الذاتية، أصبحت القضية الكردية بندًا أول في أي دستور سوري قادم. لم تعد قضية هامشية، بل قضية وطنية.

ب- الكرد رقمًا صعبًا:

حوّل الكرد من أقلية مهمشة تُذكر في تقارير حقوق الإنسان، إلى رقم في المسرح السياسي الإقليمي والدولي. لم تعد دمشق وأنقرة وواشنطن وموسكو وغيرها تستطيع رسم خريطة سوريا دون حساب قامشلو.

ج- وعي مجتمعي نوعي:

مساهمته النوعية والتاريخية لم تكن عسكرية، بل مجتمعية. هي يُفهَم المعنى من جعل اللغة الكردية التي كانت تهمة أمنية، مطلبًا شعبيًا عامًا؟ يتجسد الوعي هذه اللحظة وفي هذا اليوم من خلال الفعل السلمي المتشكل عبر ظاهرة الآلاف من الأهالي الذين يطالبون بجعل الكردية لغة رسمية في سوريا، ليست قرارًا حزبيًا، بل وعيًا مجتمعيًا تجاوز الحزب نفسه، وهذا هو النجاح الحقيقي.

د- التحول الإبستمولوجي:

نقل صورة الكردي في الوعي السوري من «معارض أبدي» يعيش في المعارضة، إلى «شريك سياسي» محتمل في الدولة. اتفاقية 10 آذار ومسار التفاهمات في اتفاقية 29 يناير، رغم صعوبتها والتحديات التي تعتريها، هي بداية هذا التحول من المعارضة إلى الشراكة، رغم أننا في أول الطريق ويحتاج الكثير.

4- الأخطاء لا تبرر الاستهداف الممنهج

نعم، للحزب أخطاء. في الإدارة، في الخطاب، في التحالفات؛ حتى في البنية التنظيمية. لكن الأخطاء لا تبرر الحملة المنظمة التي تستهدف للنيل من رأسماله الاجتماعي وقاعدته المجتمعية باسم النقد.

إنها حملة ظالمة غير مبررة، معروفة المقاصد، تلتقي في دروب معروفة على أنها مزاودة واستثمار لمصالح ضيقة. وإلا فلنطرح سردية الحقيقة بأسئلتها المشروعة:

– مَنْ مِنَ الذين، أو أغلبهم، يتباكون اليوم على شهداء وشهيدَي الكرد في سوريا وعموم الحركة الكردية، حضر جنازة شهيد واحد في قامشلو أو كوباني أو في عفرين حين كانت الطائرات تقصف؟

– من منكم أرسل أبناءه وبناته إلى مدارس الإدارة الذاتية التي درّست المنهاج الوطني السوري باللغة الكردية الرصينة، بدل مدارس البعث؟ (تحت ذريعة عدم الاعتراف بالشهادات: لكن لا تطلب الأعراف من غيرك قبل أن تعرف من نفسك)؛ ومن منكم في الخارج دعم هذا المنجز التاريخي ولو بمنشور فيسبوكي، قبل أن تذرفوا دموعًا لا تُصدَّق أيضًا اليوم؟

– من الذي أدار عملية الدفاع المشروع عن الوجود الكردي وثقافته، وعن العرب والسريان وكل مكونات سوريا، حين هاجم داعش والمرتزقة؟ ألم تكن بقيادة PYD ووحدات حماية الشعب والمرأة؟

سيبقى دور الاتحاد الديمقراطي وما قدمه عصيًا على المحو، رغم كل التطورات، بما فيها الهزائم والانكسارات التي تعرض لها في عمليات معروفة حِيكت بتواطؤات إقليمية ودولية متداخلة مع حسابات محلية أضيفت إلى عوامل ذاتية وأخطاء مرتكبة، بعضها كانت مجانية.

5- المراجعة الضرورية.. من حزب إلى حركة

إن أخطاء PYD والضرورات الوطنية السورية والقومية الكردية والمهام الكردستانية الكبرى، تفرض عليه اليوم ما هو أكثر من نقد ذاتي شكلي.

فمن مهماته الأساسية المساهمة في إنجاز عقد المؤتمر الوطني الكردستاني المؤجل منذ عقود، وهذا يفرض على الحزب مراجعة بنيوية وفكرية وسياسية حقيقية. أن يتحول من حزب مارس ويمارس سوية معينة إلى قلب لحركة ديمقراطية اجتماعية أوسع، تستوعب كل الكرد، وتفتح أبوابها للسوريين، وتتجاوز عقلية التنظيم الطليعي إلى عقلية المجتمع الديمقراطي.

في ذكراه الـ23، لا يحتاج PYD إلى مديح، بل إلى شجاعة التغيير. فالتاريخ لا يحفظ من أسس إدارة، بل من أسس عقدًا اجتماعيًا جديدًا يستمر بعده ويبقى ويتحول إلى أساس لتحقيق الحلم المؤجل.

نقلاً عن موقع حزب الاتحاد الديمقراطي... 

قد يهمك