منذ أن صاغ ألفرد ثاير ماهان، الاستراتيجي البحري، نظريته الشهيرة حول القوة البحرية وأهمية السيطرة على البحار والمضائق وخطوط التجارة العالمية، أصبحت الجغرافيا السياسية أكثر وضوحاً في عيون الاستراتيجيين الأمريكيين. لم يكن الشرق الأوسط مجرد مساحة صحراوية بعيدة عن واشنطن، بل نقطة ارتكاز بين القارات، ومستودعاً هائلاً للطاقة، ومعبراً لا غنى عنه للتجارة العالمية. منذ ذلك الحين بدا وكأن المنطقة كُتب عليها أن تبقى مطمعاً للنهم الأمريكي، وأن تتحول إلى ساحة دائمة للحضور العسكري والسياسي والاقتصادي لأكبر قوة عسكرية في العالم.
لكن في السياسة لا تُسمى الحقائق بأسمائها، فالدول العظمى منذ نشأة الإمبراطوريات وحتى عصر القوة الأمريكية، تعلمت أن المصالح المجردة لا تصلح خطاباً للجماهير، وأن الرغبة في النفوذ والسيطرة تحتاج دائماً إلى ثوب أخلاقي ترتديه أمام العالم، غطاء للنوايا كما تفعل الثعالب دوماً. لهذا لم تعلن أمريكا يوماً أنها جاءت إلى الشرق الأوسط من أجل البترول أو البحار أو الممرات الاستراتيجية أو الهيمنة على قلب العالم القديم، بل جاءت دائماً تحت عناوين أكثر جاذبية: حماية السلام، نشر الديمقراطية، مكافحة الإرهاب، الدفاع عن حقوق الإنسان، حماية الأصدقاء في الخليج، أو منع انتشار الأسلحة النووية.
لكن التاريخ الذي لا ينسى التفاصيل، يروي قصة مختلفة؛ فمهما تبدلت الإدارات الأمريكية وتعاقب الرؤساء وتغيرت الشعارات، يبقى الثابت الحرص الأمريكي على البقاء داخل المشهد الشرق أوسطي مهما كانت التكاليف. مرة باسم مواجهة الشيوعية، مرة باسم حماية تدفق البترول، ثم باسم الحرب على الإرهاب، ومنع القوى الإقليمية من امتلاك أسلحة استراتيجية قد تهدد التفوق الأمريكي أو حلفاء واشنطن في المنطقة. العناوين تتغير بينما تبقى الفكرة الأساسية على حالها: لا ينبغي أن يخرج الشرق الأوسط من دائرة النفوذ الأمريكي.
ما يثير الانتباه في كل أزمة كبرى ليس فقط طبيعة السياسة الأمريكية، بل طريقة النقاش حولها داخل أمريكا نفسها. بعد كل حرب أو مواجهة عسكرية تنفجر جلسات الكونجرس ومجلس الشيوخ بأسئلة حادة واتهامات أكثر حدة. نواب يهاجمون الوزراء بلا رحمة، ووزراء يبدون وكأنهم في قفص اتهام مفتوح أمام ملايين المشاهدين. هذا المشهد يُنظر إليه في دول كثيرة باعتباره دليلاً على الانقسام أو الضعف، لكنه في الواقع يكشف جانباً آخر من الديمقراطية الأمريكية، ذلك الجانب الذي يسمح بتحويل أصحاب القرار أنفسهم إلى أهداف للنقد العلني. المراقب المتأمل يكتشف أن هذه المعارك، رغم ضجيجها، تدور غالباً حول الوسائل والتكاليف والأخطاء، لا حول جوهر المصالح الاستراتيجية الكبرى. الخلاف يكون حول كيفية إدارة النفوذ لا حول وجود النفوذ نفسه.
شاهدنا وزير الدفاع يُهان، شككت نائبة في قواه العقلية بعد أن شككت في القوى العقلية لترامب نفسه. نائبة أخرى جعلت وزير الخارجية يفقد أعصابه ويخرج من الجلسة مردداً عبارات يدعو فيها إسرائيل لقتل المزيد من الفلسطينيين وتكرار ضرب إيران!! لعل أكثر ما يلفت النظر في هذه الجلسات حالة التوتر التي تصيب الوزراء عندما تُطرح عليهم الأسئلة الصعبة من النواب. فعندما يقترب النقاش من جوهر الدوافع الحقيقية يبدأ الخطاب السياسي بالتراجع لتحل محله مجموعة من العبارات الجاهزة: يجب مكافحة الإرهاب، يجب حماية الأمن العالمي، يجب منع انتشار الأسلحة النووية، يجب مواجهة الأنظمة المهددة للاستقرار، يجب حماية المصالح الأمريكية وحقوق الشعب الأمريكي!! كأن قاموس السياسة الأمريكية عند لحظة الاختبار القاسية ينكمش فجأة إلى عدد محدود من الشعارات التي جرى تكرارها لعقود طويلة.
هذا ليس معناه أن الوزراء يفتقرون إلى الحجج، بل لأن الاعتراف الصريح بالمصالح الاستراتيجية أمر غير مطلوب ولا مطروح من الأساس. فمن الأسهل سياسياً وأخلاقياً أن تُخاض الحروب دفاعاً عن السلام، لا دفاعاً عن النفوذ والسيطرة والهيمنة. من الأسهل إقناع الرأي العام بضرورة إسقاط نظام ما إذا ما أظهروه باعتباره تهديداً للعالم، لا إذا قُدّم باعتباره عقبة أمام مشروع استراتيجي أكبر.
لهذا تبدو بعض جلسات الاستجواب كأنها لحظة ينكشف فيها التناقض بين اللغة والواقع. النواب يسألون عن النتائج والكلفة والضحايا والأهداف الحقيقية، بينما يتمسك المسؤولون بالمفردات التقليدية نفسها. مع تصاعد الضغط الإعلامي والسياسي يفقد بعض الوزراء هدوءهم، لأنهم يجدون أنفسهم مطالبين بالدفاع عن سياسات لا يمكن شرح دوافعها العميقة كاملة أمام الجمهور. المفارقة اللافتة في أمريكا أن النظام يسمح بانتقاد المسؤولين بعنف يصل أحياناً إلى حدود التجاوز الشخصي، لكن في الوقت ذاته ينجح في الحفاظ على استمرارية المصالح الكبرى للدولة. تتغير الوجوه وتحتدم المعارك الحزبية، لكن السفينة الاستراتيجية تواصل الإبحار في الاتجاه نفسه تقريباً.
من هنا يمكن فهم سبب استمرار الحرص الأمريكي على الهيمنة على الشرق الأوسط. المنطقة بالنسبة لواشنطن ليست ملفاً عابراً يمكن إغلاقه، بل جزء من تصور أوسع لدور الإمبراطورية الأمريكية في العالم. كلما اشتعلت أزمة عاد السؤال القديم إلى الظهور: هل تتحرك أمريكا دفاعاً عن مبادئ عالمية حقاً، أم دفاعاً عن مصالحها الاستراتيجية التي ترتدي ثوب المبادئ؟
الجواب ليس بسيطاً، الدول الكبرى لا تتحرك بدافع واحد. فأمريكا ترى نفسها مسؤولة عن قيادة النظام الدولي. وعند كل أزمة جديدة، سيعود المشهد ذاته: وزراء يرفعون شعارات الأمن والسلام، ونواب يشككون في الرواية الرسمية، وعالم يحاول أن يميز بين ما يُقال على المنابر وما يُراد تحقيقه على الأرض. وهكذا تستمر قصة قوة عظمى لا تصرح برغباتها في السيطرة، وفي الوقت نفسه لا تتوقف عن البحث عن أدوات هذه السيطرة.
======
نقلاً عن موقع جريدة الوطن المصرية