بث تجريبي

د. ياسمين السبع تكتب: «البداري».. الحضارة التي لم تغب عنها الشمس

إذا ما ذُكرت الحضارة المصرية القديمة فربما أول ما ينبغي أن يتبادر إلى الأذهان هي مصر العليا عمومًا والبداري بأسيوط خصوصًا، إذ كان صعيد مصر يشكل العمود الفقري للحضارة المصرية القديمة، فخرجت منه الأسرات الأولى التي وحدت البلاد وجمعت بين مصر العليا والسفلى وذلك حوالي 3100 ق.م، وكان الصعيد مهدا للحضارة المصرية القديمة في عصر ما قبل الأسرات وما قبل الكتابة، وهناك كان أول استقرار للمجتمعات الزراعية الرعوية في مصر العليا ومنها انطلقت نحو ربوع مصر، بل ربما من المرجح أن يكون الموقع الأثري المعروف بمحكمة الهمامية بالبداري هو أول تنظيم قضائي عرفته البشرية مُطلقًا، وقد تتسق هذه الرؤية منطقيا مع وجود مجتمع زراعي قائم بالفعل وتفاوت طبقي واضح في تلك الفترة كما سنرى لاحقا، وقد ساعد في أن يكون الصعيد نواة لانطلاق الحضارة المصرية القديمة، جغرافيته وشكل مجرى نهر النيل به والذي كان أكثر ضيقا وانضباطا مقارنة بدلتا النيل، ما جعل السيطرة على الأرض الزراعية وتنظيمها أسهل نسبيا للمزارع، بالإضافة لقرب الصعيد من الصحراء الغربية والشرقية وقربه من بلاد النوبة ما أتاح تبادل المواد الخام، وهذا الانفتاح التجاري سيسهم في إثراء حضارة البداري وتطور المجتمع المصري القديم فيما بعد.

صنفت حضارة البداري في البحوث الأركيولوجية بوصفها أولى حضارات العصر(النيوليتي) الحجري الحديث المتأخر وبداية عصر ماقبل الأسرات في مصر، وهي مرحلة انتقال الإنسان من حياة الصيد والتنقل إلى مرحلة معرفة الزراعة والاستقرار، وقد ازدهرت حضارة البداري في الفترة بين 4400 إلى 4000 سنة قبل الميلاد، وتمتد المواقع الأثرية المكتشفة لحضارة البداري بين أسيوط وسوهاج وأشهرها منطقة البداري، دير تاسا، المستجدة، المطمر، حيث في مطلع القرن العشرين تم اكتشاف ما يقرب من 600 مقبرة ترجع لحضارة البداري، وكانت بيضاوية الشكل، دفن فيها البداريون موتاهم في وضع الجنين، مستلقين على الجانب الأيسر، مع توجيه الرأس نحو الجنوب، مع لف الجسد أحيانا بجلود الحيوانات أو وضع الجسد على حصائر صنعت من البوص. ومن خلال تحليل الوضع العام للمقابر يمكن القول أن هذه الحقبة كانت بداية التمايز الطبقي بين المصريين، إذ عثر في بعض المقابر على مقتنيات جنائزية ثرية، وأخرى أقل قيمة ورفاهه، كما وقعت المقابر الأكثر ثراء في مناطق معزولة نوعا ما، مما يعكس بداية تشكل النخبة الاجتماعية.

أجمعت الأبحاث على أن البداري تمثل الدليل الأول على استقرار الزراعة والرعي في مصر العليا، إذ زرع البداريون القمح، الشعير، العدس، الكتان، كما عثر على حفر مستديرة مبطنة بالحصير استخدمت كصوامع لحفظ الغلال وتخزينها، وربما كان هذا بداية التعرف على الصوامع وطرق تخزين الحبوب في مصر القديمة. ومن المثير للاهتمام أيضا هو تقديس البداريون للحيوان، إذ عثر على مقابر طقسية مخصصة لدفن الحيوانات كالكلاب والماشية، بعد لفها بالحصير، مما يشير إلى أهمية وقدسية الحيوانات لدي المصري القديم. لم يتوقف البدرايون عن الصيد عقب معرفتهم بالزراعة بل استمر صيد الأسماك النيلية باستخدام السنار المصنوع غالبا من العظام أو الحجر، وصيد الغزلان والحيوانات البرية باستخدام العصا المرتدة، والتي عرفها العالم فيما بعد.  

ربما يكون فخار البداري من أميز ما أنتجه العصر النيوليتي، وذلك لدقة صناعته ولتميز ألوانه، فكان الفخار يتميز بحواف سوداء وأسطح حمراء مصقولة بعناية، ومعالجة بتقنية شديدة الحرفية حيث تظهر تموجات دقيقة جدا على السطح الخارجي للوعاء من خلال أدوات خاصة بالتمشيط قبل مرحلة حرق الفخار، كما اتخذوا من أشكال ورق الشجر وغصون النبات بديلًا في النقش على الفخار عن خطوط الرسم المستقيمة والمائلة التي عرفتها دير تاسا من قبلهم، وقللوا من عمق الرسوم المحفورة على سطوح أواني الزينة واكتفوا بأن أخرجوها في حفر مسطح بسيط يكاد يستوي مع سطح الآنية المصقول بحيث لا تلحظ العين عمقه إلا بعد تدقيق ، كما برع البداريون وشغفوا بأدوات الزينة والترف بما يتناسب مع الحقبة، ولم تكن تلك الزينة قاصرة على النساء فقط، وإنما اعتاد رجالهم أيضًا أن يتزينوا بالأساور في المعاصم، وفضلوا الأصداف والخرز في زينتهم، كما طعموا خيوط الكتان وشعر البقر بحبات الخرز واستخدموها كقلائد وأساور ورصعوا بها أساور العاج أيضا، وتزينوا بقليل من الخواتم العاجية والعظمية وأقراط الآذان، كما صنعوا أمشاطهم من العظام والعاج بأسنان طويلة وتنوعوا في هيئاتها وشكلوا أجزاءها العليا على هيئة رءوس الطيور، وربما من الأشياء التي نقف عندها قليلا أنهم تمكنوا من صناعة الإبر من معدن النحاس فضلًا على العظم والعاج، في مرحلة لم يعرف الإنسان فيها بعد استخدام المعادن، فعلى بساطة الأمر الآن لم يكن كذلك في حقبة كهذه أن يتم التعرف على تلك الأداة الدقيقة الصنع والاستخدام. 

ولعل أكثر ما كان مشوقا فيما ما خلفه البداريون من الأدوات الرقيقة ملاعق من العاج، والتي صنعت بإتقان لا يبتعد كثيرا عن شكلها الحالي، ونوعوا تجاويفها بين هيئة المستطيل والبيضاوي في نحت العاج وصنعوا منه دبابيس للشعر، وتماثيل صغيرة للمرأة رمز الخصوبة، كما صنعوا أدوات من حجر الصوان، وأيضا مكاحل مصنوعة من حجر الشيست، وربما استخدام الأحجار المختلفة مثل الفيروز الذي جاء غالبا من سيناء والأصداف من البحر الأحمر،  قد يثبت أن البداريون لم يكونوا بمعزل عن العالم بل كان هناك درجة ما من التبادل التجاري والاتصال بالثقافات الموازية، وقد عُثر في مقابر البداريون على خرز وشريط رقيق من النحاس المطروق على البارد، ويعد ذلك من البدايات المبكرة جدا لاستخدام النحاس في مصر قبل الانتقال الكامل لعصر استخدام المعادن.

تقع الهمامية على الضفة الشرقية لنهر النيل ضمن نطاق منطقة البداري الأثرية بأسيوط، المنطقة المعروفة محليا "بمحكمة الهمامية" في الجبل الشرقي للهمامية ضمن منطقة المقابر الصخرية، وهي واحدة من المواقع التي كشفت عنها حفائر علماء الآثار البريطانيين جيرترود كاتون تومبسون وجاي برنتون خلال الفترة بين 1922 و1931م، ويعتقد أن إحدى الساحات الصخرية كانت تستخدم للاجتماعات العامة أو لإصدار الأحكام. جدير بالذكر أنه لم يتفق أكاديميا حتى الآن بشأن محكمة الهمامية كأول محكمة عرفتها البشرية، إذ لا زلنا نفقد سجلات قضائية أو نقوشا تؤكد بشكل قطعي ممارسة النشاط القضائي خاصة في حديث عن مرحلة ما قبل الكتابة كحضارة البداري، لكن ربما ما يؤيد هذه النظرية وجود مجتمع متعدد الطبقات كما أثبتت المقابر المكتشفة، وهذا الوصف قد يأتي تزامنا معه وجود محكمة لفض النزاعات بين هذا التفاوت الطبقي، وأيضا وجوده بمكان مرتفع عن الأرض ما يوحى بوجود سلطة ما كانت تمارس من خلال هذا المكان. 

التحليلات الكلاسيكية القديمة والقائمة على دراسة قياسات الجماجم أشارت مُبكرًا إلى أن جماجم البداريين تمتلك روابط وثيقة بسكان منطقتهم الجغرافية، ثم جاءت الدراسات الحديثة لتؤكد أن مجتمع البداري لم يتكون نتيجة غزو خارجي أو تنوع جيني متعدد الأعراق، وإنما نتاج تمازج وراثي وبيئي بين مجموعتين أساسيين، وهم السكان الأصليين لوادي النيل و المهاجرين من الصحراء الغربية نتيجة موجات الجفاف الشديدة التي أصابت الصحراء الكبرى وحولتها من السافانا الخضراء إلى قفر رملي قبل 5000 قبل الميلاد، هذا التمازج النيوليتي المبكر هو حجر الأساس لجينوم سكان مصر العليا.

في واحدة من أوسع الدراسات المتخصصة في الأنثروبولوجيا الجزيئية للمومياوات قام بها فريق دولي مشترك بأحد أهم معاهد دراسة المومياوات في إيطاليا، بفحص الحمض النووي الميتوكوندري لـ 100 عينة بشرية قديمة، غطت هذه العينات مدى زمنيا شاسعا يمتد من عصر ما قبل الأسرات 3500 قبل الميلاد وحتى الدولة القديمة والوسطى والحديثة وصولا إلى العصر القبطي حوالي 650 ميلاديا، اعتمدت هذه العينات على ثلاثة مناطق رئيسية للبحث وهي أسيوط وأخميم والأقصر، جاءت النتائج موضحة أن الجينوم الميتوكوندري (الذي يمثل السلالة الأنثوية الممتدة من الأم إلى أبنائها دون تغيير) أظهر تنوعا جينيا ثابتا، هذا الثبات عبر آلاف السنين يعني أن الاضطرابات السياسية وتغير الأسر الحاكمة لم يغيروا التركيبة البشرية الأساسية لعامة الشعب في الصعيد.

في نتائج دراسة جينية نشرت عام 2011 في مجلة (Amerıcan journal of physical anthropology) لعدد من سكان الجنوب شملت العينة 192 فرد، وقد أظهرت أن السلالة الغالبة هي 68% تعود للمصريين القدماء وبقية النسبة موزعة بالتساوي تقريبا بين الجزيرة العربية والشام والشرق الأوسط وأفريقيا وبعض أجزاء من أوروبا والقوقاز وآسيا الوسطى، كما تشير دراسة نشرتها جامعة "توبنجن" ومعهد ماكس بلانك عام 2017 من خلال تتبع جين سكان البداري الأصليين حتى التاريخ المعاصر، ومقارنة الحمض النووي المأخوذ من مسحات جينية من سكان أسيوط الحاليين، أن المصريين الحاليين ولاسيما أهالي الصعيد هم الامتداد الوراثي المباشر للمصريين القدماء، الأمر الذي قد يدحض النظريات الأنثروبلوجية القديمة التي تبنت نظرية التغيير الجيني للمصريين عبر العصور واختفاء الجين المصري القديم، لاسيما مع قدوم القبائل العربية أو الدولة العثمانية وغيرها نحو البلاد، وربما كانت هذه بعض الدراسات الجينية التي قد تكون أبلغ حجة علمية للرد على متبني نظرية الإفروسنترك، وقد لا يتبنى أيضا نظرية النقاء الجيني الخالص التام، لأنه من غير المنطقي نقاء الأعراق لآلف السنين، نتيجة الانفتاح على الحضارات المختلفة ومرور البلاد بغزوات وتغيرات إدارية، وربما هذا الانفتاح على الآخر أمر صحي لتعارف الأعراق والاندماج والتعايش المشترك، لكن ظل الجين المصري القديم قائما اندمج ولم ينصهر، ممتدًا منذ أول حضارة قامت على أرض مصر وحتى اليوم. 

المصدر: بوابة الأهرام

قد يهمك