أثار التصريح الأخير للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والذي اعتبر فيه أن "هجمات إسرائيل على سوريا ولبنان تهدد تركيا أيضاً"، موجة من التحليلات حول طبيعة الصراع الراهن في الشرق الأوسط. وفي حين يرى البعض في هذا التصريح تحذيراً استراتيجياً أو تضامناً إقليمياً، فإن التفكيك البنيوي للعلاقات التركية-الإسرائيلية، وسلوك نظامي أردوغان ونتنياهو، يكشف عن ديناميكية معقدة تُعرف في العلوم السياسية بـ "العداء الوظيفي"؛ حيث تتلاقى المصالح العميقة وتفترق الخطابات الإعلامية.
عند فحص الجذور الفكرية والسياسية لكلا النظامين (التركي والإسرائيلي)، نجد مفارقة صارخة؛ فرغم الصدام اللفظي، ينطلق كلاهما من "انحرافية دينية" توظف المقدس لخدمة السياسي.
• في إسرائيل: يتم استدعاء الأساطير الدينية واليمين المتطرف لتبرير التوسع والعدوان.
• في تركيا: تُستخدم أدبيات "الإسلام السياسي" وشعارات الدفاع عن المظلومين لكسب الشرعية الشعبية والعاطفة العربية والإسلامية.
هذا التوظيف الأيديولوجي ليس هدفاً بذاته، بل هو أداة داخلية بامتياز. يحتاج كل من أردوغان ونتنياهو إلى "عدو خارجي" لتصدير الأزمات الاقتصادية والسياسية الداخلية، وتعبئة القواعد الشعبية، وتضليل الرأي العام عبر "المزايدات الخطابية" التي لا تُترجم -في الغالب- إلى قطيعة استراتيجية حقيقية.
لا يمكن فهم سلوك أنقرة أو تل أبيب بمعزل عن المنظومة الأمريكية. فكلا البلدين يمثلان ركيزتين أساسيتين في الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط منذ عقود:
• تركيا هي العضو الحيوي في حلف شمال الأطلسي (الناتو).
• إسرائيل هي الحليف الاستراتيجي غير المشروط لواشنطن.
ورغم الهوامش والمناورات التي يمارسها أردوغان أحياناً للضغط على واشنطن أو للعب دور الوسيط، ورغم تمرد نتنياهو التكتيكي في بعض الملفات، إلا أن الطرفين يتحركان في نهاية المطاف تحت السقف الأمريكي، ووفق قواعد اللعبة التي تسمح بإدارة الأزمات لا إنهائها.
الخلاف الحقيقي بين تركيا وإسرائيل ليس خلافاً وجودياً أو عقائدياً، بل هو تنافس جيوسياسي شرس على الهيمنة في منطقة يعاد تشكيل خارطتها.
إن القلق التركي من ضرب سوريا ولبنان لا ينبع من مخاوف أمنية مباشرة على الحدود التركية بقدر ما ينبع من الخشية من اختلال توازن القوى الإقليمي لصالح إسرائيل. هناك صراع مكتوم على من يقود الشرق الأوسط ومن يمتلك الكلمة العليا فيه:
• تركيا تطمح لاستعادة دورها الإقليمي كقوة قائدة عبر بوابة النفوذ الاقتصادي والسياسي والعسكري.
• إسرائيل تسعى لهندسة "شرق أوسط جديد" تكون هي مركزه الأمني والتكنولوجي، مستغلة الدعم الأمريكي المطلق لتقويض أي قوى منافسة.
الخلاصة والاستنتاج
إن تصريح الرئيس التركي بأن التهديد الإسرائيلي يطال تركيا هو تصريح للاستهلاك المحلي والإقليمي، يهدف إلى حجز مقعد لتركيا في أي ترتيبات مستقبلية للمنطقة. إنها سياسة "تبادل الأدوار" وإدارة المصالح؛ حيث تتوافق الأنظمة خلف الستار وضمن المنظومة الدولية نفسها، بينما تظل شعوب الشرق الأوسط ودولها المخترقة هي الساحة الأساسية لهذا التنافس والضحية الأكبر لمشاريع الهيمنة برعاية أمريكية.