بث تجريبي

إلهامي المليجي يكتب: الجبل الكردي عصي على الذوبان.. كتاب يكشف تاريخ الأكراد خلال 4 قرون

حين تعجز الإمبراطوريات عن ابتلاع الجبل، تقرر تقسيمه، وحين يعجز الجبل عن إنتاج دولة، يتحوّل إلى ساحة دائمة لصراعات الآخرين، بهذه المفارقة يمكن الاقتراب من كتاب الدكتور محمد رفعت الإمام « الجبل الكردي.. صراعات الأمراء – المشايخ والشاهات والسلاطين 1514–1914». 

الكتاب لا يقدّم سردًا كرونولوجيًا لوقائع متباعدة، بقدر ما يحفر في لحظة تأسيسية ظلّت تتكرر بأزياء مختلفة: لحظة تصير فيها الجغرافيا سياسة، ويصير الدين أداة، ويصير الجبل – بكل ما يمنحه من مناعة – بابًا لقدرٍ تاريخي طويل.
منذ جالديران 1514، لم تعد كردستان مجرد فضاء جبلي بين فارس والأناضول، بل صارت تخومًا ملتهبة بين مشروعين إمبراطوريين: صفويٍّ يبني شرعيته على التشيّع السياسي، وعثمانيٍّ يرفع راية السنّة كغطاء لتوسّع السلطنة وحماية قلبها، هناك لم يُقسَّم المكان فقط، بل بدأت هوية كاملة تتأرجح بين مركزين يطلبان الولاء، لا بوصفه اختيارًا حرًا، بل بوصفه شرطًا للبقاء.

جالديران: حين انقسمت الجغرافيا قبل أن تنقسم الخرائط

يقرأ المؤلف جالديران بوصفها "علامة فارقة" لا بسبب نتيجتها العسكرية فحسب، بل لأنها دشّنت نمطًا سيُعاد إنتاجه لاحقًا: كردستان منطقة تماسٍّ دائم، تُدار باعتبارها حزامًا عازلًا وممرًا استراتيجيًا وخزانًا بشريًا، أكثر مما تُدار باعتبارها وطنًا ذا خصوصية. الصفوي يريدها عمقًا يربط فارس بالأناضول ويُثبّت الهلال الصاعد. والعثماني يرى فيها درعًا لشرق الأناضول وبوابة لضبط التخوم. وبين هذا وذاك، تصبح الكيانات الكردية–إماراتٍ وعشائر–أقرب إلى وحدات تتحرك في هامش معركة كبرى، لا إلى فاعل يملك تعريف المعركة وأفقها.

في هذا السياق، يطل السؤال الأكثر حساسية: هل كان انحياز جزء من الإمارات الكردية إلى العثمانيين موقفًا "دينيًا" أم خيارًا دفاعيًا اضطراريًا؟

الكتاب يميل إلى تشريح الإكراه أكثر من تبرير الاختيار. فالخوف من التفريس المذهبي القسري، ومن سياسات الشاه التي تعاملت مع الكرد بوصفهم مادة إخضاع لا شريكًا، دفع كثيرين إلى الاحتماء بالعثماني بوصفه "حامي السنّة". غير أن هذا الاحتماء نفسه فتح الباب لمسار آخر: تبعية اسمية أولًا، ثم احتواء سياسي طويل، ثم مركزية تُفكك البنى المحلية وتُعيد هندسة المجال وفق منطق السلطنة.

بمعنى أكثر مباشرة:

هرب الجبل من مركزٍ، ليجد نفسه داخل مدار مركزٍ آخر.

الجبل: حصن يمنح المناعة… ويُنتج العزلة

من أكثر نقاط الكتاب كثافة أنه لا يفصل الهوية عن طبيعة المكان. الجبال هنا ليست خلفية صامتة، بل قوة مُشكِّلة: تصنع ثقافة مقاومة، وتؤسس لروح استقلالية، وتُنتج علاقة حذرة بالمركز، لأن المركز تاريخيًا كان يأتي بضرائبه وحروبه وفتاواه. لكن الجبل، في الوقت نفسه، يخلق عزلته الخاصة: صعوبة الاتصال، تشظّي الولاءات، مركزية العشيرة، وتضاؤل فرص تشكّل مشروع سياسي جامع.

الجبل يحمي… لكنه لا يوحّد.

والعشيرة تمنح استقلالًا… لكنها تُضعف فكرة المركز.

ومن هنا تخرج المفارقة التي تُطارد التاريخ الكردي في الكتاب: قوة المقاومة لا تتحول تلقائيًا إلى قوة بناء دولة. البسالة تكفي لردّ الغزاة، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة مركز جامع، ولا لتكوين خبرة سياسية تراكمية مستقرة. لذلك، حين تبدأ موجات الإصلاحات العثمانية وتتسارع سياسات المركزنة في القرن التاسع عشر، لا يسقط "عصر الإمارات" بالسيف وحده، بل يسقط أيضًا بفعل هشاشة البنية الجامعة وغياب مشروع يتجاوز الجبل دون أن ينقلب عليه.

التقسيم لم يبدأ مع أوروبا… بل قبلها بأربعة قرو

ميزة أخرى في الكتاب أنه يعيد ترتيب "بدايات" التقسيم. فالسردية الشائعة تميل إلى ردّ المأساة إلى سايكس–بيكو والدولة القومية الأوروبية الصنع. أما هنا، فثمة إشارة واضحة إلى أن كردستان بدأت تُقسَّم عمليًا منذ تحوّلت إلى خط فاصل بين الهلالين الصفوي والعثماني. الدولة القومية لاحقًا لم تُنشئ الانقسام من العدم، بل ثبّتته على هيئة حدود حديثة، ونقلت التقسيم من مستوى إمبراطوري مرن إلى مستوى قومي صلب لا يطيق التعدد.

وهنا يلمع البعد الفلسفي الأعمق:

حين تقع الجغرافيا في قلب صراع إمبراطوري، تتحول الهوية نفسها إلى ساحة حرب، ويصبح "الاختلاف" مادة قابلة للتسليح.

الدين كأداة إمبراطورية: المذهب ليس أصل المعركة… بل لغتها

أحد أهم مفاتيح القراءة أن الصراع الصفوي–العثماني لم يكن خلافًا عقائديًا خالصًا، بل صراع نفوذ على المجال الحيوي استُخدم فيه المذهب كأداة تعبئة واستقطاب وإقصاء. الصفوي يُشرعن تمدده عبر التشيّع السياسي. والعثماني يُضفي على حربه طابع "الجهاد" ضد "الزنادقة". لكن بين الرايتين، لم يكن الكرد "مسألة مذهبية" بقدر ما كانوا مسألة استراتيجية.

هنا تتولد المعضلة:

حين تتحول الهوية الدينية إلى أداة إمبراطورية، تصبح التخوم محكمة ولاء دائمة، وتغدو الجماعات المحلية مُطالَبة بالاختيار تحت ضغط الخوف لا تحت سقف السياسة.

المفارقة أن الدين أنقذ الكرد–في لحظة–من ابتلاع مذهبي قسري، لكنه أدخلهم–في مسار أطول–داخل احتواء سياسي يتقدم باسم "الجامعة" و"الشرعية" و"وحدة المسلمين". ومن داخل هذا الاحتواء، ستبدأ عملية تفكيك الذات المحلية تدريجيًا: تقليص استقلالية الإمارات، ضبط العشائر، إعادة تعريف المجال الإداري، ثم تهميش أي تمايز يُقرأ باعتباره "تمردًا".

الدين هنا لا يعمل كإيمانٍ فردي، بل كـلغة دولةٍ توسعية

من الجامعة الإسلامية إلى الجامعة القومية: تغيّر الشعار… وبقي المنطق

ثم جاءت الدولة القومية لتخلع القناع الإمبراطوري وتلبس قناعًا جديدًا. إذا كانت السلطنة قد استخدمت الإسلام السنّي إطارًا لاحتواء التعدد وإدارته، فإن الجمهورية التركية الحديثة استبدلت الإطار بإيديولوجيا قومية صلبة: أمة واحدة، لغة واحدة، دولة واحدة. هكذا ينتقل "الدمج" من قاموس الجامعة الدينية إلى قاموس الأمة القومية، لكن جوهر العلاقة بالمختلف يبقى على حاله: إنكار التمايز بوصفه تهديدًا.

المشهد هنا لا يخص تركيا وحدها، لكنه يتجلى فيها بوضوح شديد: قطيعة شكلية مع السلطنة، واستمرارية عملية في عقل الدولة. بدل "احتواء" الجبل، يصبح المطلوب "صهره". بدل إدارة كردستان كهوامش مرنة، يصبح المطلوب تحويلها إلى امتداد متجانس للمركز. وهنا تُعاد إنتاج المعضلة ذاتها بأدوات جديدة: ما كان يُدار بالسيف والفتوى، صار يُدار بالقانون القومي، وبمنظومات التعليم واللغة والإدارة والأمن.

تغيّرت الرايات… وبقيت التخوم

الخلاصة: المأزق ليس في الجبل… بل في نموذج الدولة

إذا كان الكتاب يعيدنا إلى جالديران بوصفها بداية تقسيم الجغرافيا، فإنه يضعنا أمام سؤال أكثر إلحاحًا: لماذا تكررت المعضلة الكردية رغم تبدّل الإمبراطوريات والدول؟

الإجابة لا تكمن في تضاريس الجبال ولا في "قدر جغرافي" ملازم.

المعضلة كانت دومًا في نموذج الدولة الذي تعامل مع التعدد بوصفه خللًا، ومع الهوية المركبة بوصفها خطرًا.

الصفوي أراد إخضاع الجبل باسم المذهب.

والعثماني احتواه باسم الجامعة.

والدولة القومية حاولت تذويبه باسم الأمة الواحدة

وفي كل مرة، ظل الجبل عصيًا على الذوبان؛ لا لأنه يهوى التمرد لذاته، بل لأن مشروع الدولة لم يتعلّم كيف يرى الاختلاف باعتباره ثراءً سياسيًا يمكن تنظيمه، لا تهديدًا يجب إزالته.

من هنا يصبح درس «الجبل الكردي» أبعد من التاريخ:

المأزق الكردي ليس نتاج جغرافيا معقّدة، بل نتاج عقلٍ سياسي لم يطوّر بعد عقدًا اجتماعيًا حقيقيًا بين المركز والتخوم.

وربما آن الأوان لطرح السؤال المقلوب الذي يتفادى أوهام "كسر الجبل".

ماذا لو لم يكن الحل في إذابة الهوية داخل الدولة، بل في إعادة تعريف الدولة بحيث تتسع للهوية؟

ماذا لو كان الاعتراف بالتعدد–لا نفيه–هو الشرط الأول للاستقرار؟

الجغرافيا لم تتغير. لكن الزمن تغيّر. وما كان يُدار بالسيف والفتوى، لم يعد يُدار اليوم إلا بعقد اجتماعي جديد… أو سيظل جرحًا مفتوحًا على تخوم المنطقة.

يتناول الكتاب أربعة قرون من تاريخ كردستان، بدءًا من معركة جالديران عام 1514 التي كرّست انقسام المنطقة بين الإمبراطوريتين الصفوية والعثمانية، وصولًا إلى تفكك عصر الإمارات الكردية قبيل الحرب العالمية الأولى.

يعتمد المؤلف على طيف واسع من المصادر العثمانية والفارسية والأرمنية، ويقرأ "الجبل الكردي" بوصفه فضاءً سياسيًا وجيوستراتيجيًا تشكّلت داخله الهوية تحت ضغط الصراع الإمبراطوري، مع تركيز خاص على دور الدين كأداة تعبئة وهيمنة، وعلى التحولات التي مهدت لولادة المعضلة الكردية في العصر الحديث.

المصدر: بوابة فيتو

قد يهمك