يُعتبر الشرق الأوسط من أكثر أقاليم العالم تعددية، بالنسبة لنسيجه الإجتماعي وبناه الثقافية، ويعتبر المجتمع العربي مجتمعاً تعددياً، تتجلَّى تعدديته إثنياً وحضارياً وإيكولوجياً، فهذا التنوع خلق فسيفساء إجتماعية إعتادت على التعايش فيما بينها على مدى قرون، ومع ذلك، فإن المشهد الإعلامي الذي إنفجر خلال السنوات الأخيرة بدأ يغيِّر هذه الصورة، حيث تحوَّلت بعض المنابر الإعلامية، إلى أدوات شحن طائفي، تسعى لزرع الفرقة والعداوة بين مكونات المجتمع،علماً أن المجتمع العربي يتكون من أغلبية مسلمة وأقليات دينية وقوميات وأعراق أخرى، وهي تتعايش ضمن الإطارين التاريخي والحضاري، وقد نهضت الحضارة العربية على سواعد كل هذه المكونات، وكل أبناء المجتمعات في هذه المنطقة، التي شكلت غنىً وتكاملاً في البنية الفوقية للدول من الآداب والفنون وسائر أنواع المعرفة، لكن تصاعد الخطابات الطائفية والإثنية في الشرق الأوسط بحدة في الآونة الأخيرة، سهَّل عملية إستغلال الإنقسامات الطائفية من قبل الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية، والعنف الطائفي، والإضطهاد الذي تواجهه مختلف الجماعات العرقية والدينية والقومية، وجعل من قضية الأقليات قضية محورية لإستقرار منطقة الشرق الأوسط، فلا تزال إدارة التنوع معياراً حاسماً لتقييم التحوُّلات السياسية الجارية في هذه المنطقة.. فما هو البعد السياسي والعالمي لظاهرة تصاعد العنف والنزعات القومية والطائفية والإثنية، وكيف تتم مواجهة التفسيرات الثقافية والدينية السائدة؟
الحقيقة الواضحة اليوم، تشير الى أن فشل الدولة العربية في بناء دولة المواطنة والحقوق، ووضع علاج مؤقت لمشكلة الأقليات والطوائف، من خلال دمجها المزعوم في مجتمع رعوي، يقوم على الولاء والإنتماء للزعيم المُلهم، قد جعل كيان الدولة العربية وخصوصاً في الشرق الأوسط، أشبه بجدار ضعيف ينهار عند أول إختبار حقيقي لأزمة المواطنة، فتظهر على السطح التشنجات الطائفية والعرقية، فاللغة الطائفية هي السائدة اليوم في العالم العربي، سواء الطائفية السياسية (سني وشيعي)، في العراق وسوريا ولبنان ودول الخليج العربي، أما الطائفية الدينية، مسيحي مسلم، في مصر ولبنان والعراق والسودان، فضلا عن مشكلة الأقليات والأعراق والأقوام في كل نسيج الوطن العربي، وربَّما شكَّل العراق بوابة إثارة الأزمة الطائفية خلال عقدين من الزمن، فبعد غزو العراق قلبت موازين القوى القائمة بين السنة والشيعة، وبات البُعد الطائفي هو عنصر الحسم في الخلافات السياسية القائمة اليوم، ولعبت إيران دوراً في تغذية العنف الطائفي وتسويقه في المنطقة، لتتمكَّن من تفتيت هذا البلد للوصول الى المتوسط، والتحكم في إدارة شؤونه طائفياً، بالتعاون مع قوى راديكالية طائفية من الطرفين، السنة والشيعة، ومع إنطلاق ما يُسمى بـالربيع العربي في المنطقة، خاصة في سورية، أخذ البعد الطائفي أبشع صوره، فبعد فشل النظام السوري في إخماد الثورة الشعبية، عمد الى تحويل حركة التمرُّد الشعبي المطالِبة بالإصلاح والتغيير الى حرب أهلية طائفية، فدخلت إيران وحزب الله وحكومة المالكي على خط دعم النظام العلوي السوري ببعده الطائفي الشيعي، وبالمقابل وقفت السعودية وقطر وتركيا في صف الثورة الشعبية السورية، بوصفها ثورة تمثِّل الأغلبية السنية وحركة الاخوان والسلفيين السوريين..
نسوق هذه المقدمة لنقول، أنه مع فشل الدولة القومية التي نشأت بعد حروب الإستقلال، لم تكن القوى السياسية مستعدة لمواجهة التركيبة المعقدة للمجتمع، وفضّلت الإختباء والتلطِّي خلف أسطورة التعايش التكاذبي بين الجماعات العرقية والدينية، ففي بعض البلدان، أصبح إستغلال الأقليات أداةً مُحكمة من قِبل القوى السياسية، وتجاوزت بعض الأنظمة للدول الإحتلال الإستعماري في تطبيق شعار التفرقة بين المواطنين، من أجل التحكم بالمسار السياسي وإستمراريته، بدعوى تجسيد الوحدة الوطنية، وهكذا، بات إحتجاز الأقليات العرقية والدينية رهائن، أمرٌ راسخ لا فكاك منه، فقد عزَّزت القوى السياسية، بسوء إدارتها المتعمد للتنوع، الشروخ داخل مجتمعاتها، وكان من بين القوى الدافعة وراء هذه السياسة الدقيقة، غرس الخوف من الآخر، وإحباط أي شعور بالإنتماء الوطني، ومنذ بداية الألفية الجديدة، شهد التاريخ الإجتماعي والسياسي لمنطقة الشرق الأوسط، تسارعاً هائلاً وإستقطاباً حاداً، تحت ضغط القوى المتصارعة على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية، ومن أبرز النتائج في هذه المرحلة، التحولات المعقدة والإنتشار العشوائي للعنف في الشرق الأوسط، وقد تصاعدت المخاوف بشأن قضايا الأقليات في منطقة الشرق الأوسط خاصة، بعد أن فرَّ مئات الآلاف من المسيحيين من المنطقة،واليوم الحالة الكردية في شمال شرق حلب، نتيجة الصراعات والحروب، وقد ساهمت هذه الأحداث في التراجع الحاد في وجود الأقليات القومية في المنطقة، وفي هذه الأحداث والديناميكيات، سُلِّط الضوء مجدداً على وضع الأقليات الدينية والقومية، ومكانتها داخل مجتمعات منطقة الشرق الأوسط والمجالات السياسية، مما أثار جدلاً حول مصيرها، بين البقاء والهجرة الحتمية إلى الخارج، ومع ذلك، فإن تعريضها للخطر، يُشير إلى أزمة أوسع وأعمق تُحيط بالمنطقة بأسرها وتُُعقّدها، ممَّا يجعل مفهوم الأقلية محورياً لفهم الأزمة السياسية وأزمة الشرعية المفقودة اليوم، ولهذا السبب تحديداً، يجب إعادة النظر في سياق وتطور فكرة الأقلية، كمفهوم ومؤسسة في منطقة الشرق الأوسط المعاصرة، منذ إنهيار الإمبراطورية العثمانية، وفي أي شكل عادت مؤخراً للظهور كإحدى القضايا الجوهرية في الإهتمامات السياسية الإقليمية والدولية المعاصرة.
لطالما مثّلت كلمة أقلية حقيقة سياسية قائمة، ويرتبط فهم الأقليات اليوم، إرتباطاً هيكلياً بظهور الدولة القومية الحديثة، وسواءٌ كانت الأقلية وفقاً لمبدأ الديمقراطية بمفهومها العام للغاية، كطريقة لإتخاذ القرارات الجماعية مع نوع من المساواة، أو أحلنا هذه الفئة إلى حالة مجتمع داخل إقليم مُتميّز على أساس العرق، والإثنية، واللغة والدين، والثقافة، فإن مصطلح أقلية يثير حتماً تساؤلات تتعلق بالمكان والزمان والتمثيل، والسِّمات السياسية، ذلك أن مختلف نظريات العلوم السياسية والإجتماعية، تُُجمع على تفسير واحد لنشوء الدولة القومية، لكنها تتناقض حول مفهوم الدولة والأمة، فالنظرية الماركسية تربط نشوء الأمم بعصر الرأسمالية، وتجد أنها قامت من أجل توحيد الأسواق والسيطرة على مصادر المواد الخام، فيما تعيدها النظرية الصناعية إلى مرحلة الإنتقال من المجتمع الزراعي إلى الصناعي، بينما سوسيولوجيا الحداثة الرأسمالية، ترى أن الدولة القومية هي الشكل الحديث لتنظيم المجتمع، وهنا لا يمكننا أن ننظر إلى ولادة الدولة القومية وفق رؤية بعض القوى الدينية، التي تعتبر أن الغرب صدَّر فكره، وشعوب الشرق إبتليت بها، وترى بأن الدولة الدينية، هي البديل المناسب لها، على إعتبار أن الدولة القومية فكرة مستوردة، ولا تتناسب مع القيم الحضارية لشعوب الشرق، إذ قد تنطوي هذه الفلسفة والرؤية على مخاطر بمعاداة كل ما هو حضاري، ولا تطرح بدائل واقعية تتناسب مع تطلعات شعوب المنطقة في الشرق الأوسط، فإن كانت الدولة القومية قد أثبتت فشلها في كل مناحي الحياة، فهذا لا يعني بالضرورة أن الدولة الدينية المعتمدة على الدين الواحد أو المذهب الواحد، هي البديل المناسب، بل على العكس، هذه الفلسفة تحمل معها بذور صراعات دائمة ودامية، كما حصل في مراحل معينة من تاريخ الشرق، وقد تكون شبيهة بمرحلة الحروب الدينية التي مرت بها أوروبا أيضاً، وما تمرُّ به سوريا ودول المنطقة اليوم أكبر دليل ومثال.
إن الحروب الدينية في أوروبا أسست لفكرة نشوء الدولة القومية العلمانية المنفصلة عن الدين، فشكَّلت كل قومية دولة خاصة بها، ورسمت حدوداً لدولتها، لتعيد تقسيم أوروبا وفق التوزع والإنتماء القومي الإثني، المعتمد بالدرجة على عنصر اللُّغة والإنتشار الجغرافي للإثنية، وكذلك على التاريخ والمصير المشترك، وكذلك فإن الدولة القومية، وحينما تصل إلى ذروة تمثلها للفكر والإيديولوجية القومية، تنتج نماذج ديكتاتورية فاشية للأنظمة، وتغلق جميع مساحات الحرية والرأي الآخر، لتفكر إلى ما بعد الحدود القومية، حيث يسعى الديكتاتور الأوحد، لفرض نفسه زعيماً أوحداً على الإقليم أو القارة، كما حصل مع هتلر وصدام حسين وغيرهما أيضاً،
ففي الشرق الأوسط، كان الإستقلال السياسي والتحرر من الإستعمار الغربي من مهام البرجوازية الوطنية، التي رأت من مصلحتها تأميم السوق المحلية وتنمية أوطانها، لكن البرجوازية الشرقية التي ولدت في أحضان الغرب الرأسمالي، لم تلعب هذا الدور الوطني المطلوب، بل جعلت نفسها برجوازية كومبرادورية تابعة للغرب، وتمثل مصالحه ضمن أوطانها، وحتى الفترة الزمنية التي سادت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ورغم نهوض حركات التحرر الوطنية وتكوين قوى اليسار الثورية، وتحت مظلة الأممية الاشتراكية، وتحقيقها إنتصارات تاريخية على الرأسمالية الإمبريالية في مناطق عديدة من العالم، إلاَّ أنها في الشرق الأوسط أخذت منحى آخر، يخالف ما كان معمولاً به في دول عديدة حققت إستقلالها السياسي كدول أميركا اللاتينية، وبسبب غياب دور الطبقة البرجوازية الوطنية، حملت البرجوازية الصغيرة أعباء الإستقلال الوطني، لتقود حركات التحرر الوطنية في بلدانها، مستفيدة من مناخ الحرب الباردة، الذي ساد العالم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وتشكل القطبين الإشتراكي بزعامة الاتحاد السوفياتي والرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية، من هنا فإن الطبيعة البنيوية المركّبة لهذه الطبقة وإزدواجيتها، والتي لا تعرف الإستقرار والثبات، وسهولة الإنقياد خلف المشاريع الخارجية، جعلتها أكثر ليونة للإندماج مع المصالح الغربية الإستعمارية في المنطقة، فحوَّلت أوطانها إلى ساحات للصراع، بين فئات أوليغارشية تؤمن بالعمل العسكري الإنقلابي، وترسيخ دور العسكر في الحياة المدنية، وفي تثبيت أسس وأركان حكمها، وكذلك في تصفية جميع خصومها بالحديد والنار، وبأبشع الصور وحشية، إلى جانب محاربتها أي صوت وتيار وقوة ديمقراطية تدافع عن حقوق شعوبها، في وجه طغمة أو فئة صغيرة إستأثرت بالحكم والسلطة وسخَّرتها لصالحها.
لم تعتمد الحركات التي قادت حروب الإستقلال السياسي في منطقة الشرق الأوسط ،بعد الحرب العالمية الثانية، نظرية فلسفية إنسانية وحضارية معاصرة، كما كانت حوامل ثورات التحرر الوطني في الغرب، إبان تشكيل دولها القومية، بل حملت مزيجاً متناقضاً من الأفكار الدينية والقومية بأبشع صورها، لتعمد إلى إسقاطها إسقاطاً على واقعها المليء بالتخلُّف والرجعية، فلم تنتج سوى مزيجٍ من الأفكار والنظريات القاصرة والمشوَّشة، والتي لم تعبِّر بأي شكل من الأشكال عن طموحات وتطلُّعات مجتمعاتها، بل وفي أحيان كثيرة، فرضت عليها بشكل قسري، دون إرادة منها، ولذلك حُكِمت منطقة الشرق الأوسط، من قبل أنظمة ربطت مصيرها ووجودها بعجلة الغرب، وحوَّلت شعوبها إلى مجرد قطان تسير خلفها، بعد أن سلبت منها إرادتها في التغيير والبناء والتنمية، فكانت وبالاً بتقييد حرياتها الفردية والمجتمعية، وأعاقت كل تطور ذي شأن في بلادها، والغريب أن الغرب دافع عن هذه الأنظمة وأعطاها الشرعية، فكرَّست لواقع مريض، ظل يتناقل وراثياً، دون أن يتيح أي مجال للتغيير أو إحداث ولو طفرة مجتمعية صغيرة، قد تفتح الأبواب للسير في طريق التغيير الديمقراطي المنشود، إذ يطلق المفكر والمناضل عبد الله أوجلان على هذه النماذج من الدول اسم الدول المحافظة، أي التي تحافظ على الأوضاع السائدة، وتعتاش عليها وتطيل من أمدها، ومعظم تلك الدول لاتزال مستمرة في تلك الصيغة، ولا تقبل بأن تغير من نهجها ولو قيد أنملة.
ويشير كذلك في هذا الصدد المناضل والمفكر الأممي عبدالله أوجالان، في رسالته بـــ 30 كانون الأول 2025، من أنه مع دخول العام الجديد لا يجب نسيان الهجمات الإمبريالية والعنصرية على إمتداد القرن الماضي، التي أغرقت الشرق الأوسط في حروب وصراعات قاسية، وفتحت هذه الحروب الباب أمام الدمار والانهيارات الاجتماعية، إذ إن النزعة الطائفية والقومية الإثنية التي تشهدها المنطقة اليوم، جميعها تستمد جذورها من هذا التاريخ القريب والمليء بالآلام، وما تزال إستراتيجية النظام المهيمن القائمة على “فرّق، حرّض وأحكم” مستمرة بأشكال مختلفة، ولهذا السبب بالذات، يعتبر أوجالان أن منظور السلام والمجتمع الديمقراطي، ليس مجرد خيار، بل ضرورة تاريخية، وإذا ما تمَّ فهم هذا المنظور وتقييمه بشكل صحيح، فإنه سيكون قادراً على الحيلولة دون إندلاع الحروب والصراعات، فهذا المنظور هو تِرياق من شأنه أن يرسّخ أرضية لحياة مشتركة، سلمية وحرة، أمّا المسؤولية الأساسية في المرحلة المقبلة، فهي العمل للحد من إندلاع صراع محتمل جديد في المستقبل القريب، وتفادي نتائج لا رجعة فيها، فالأزمات المتفاقمة والصراعات السياسية التي تتعمق يوماً بعد يوم في الشرق الأوسط، هي النتيجة الحتمية لتعثُّر ذهنية الحضارة الإستبدادية القائمة على النزعة السلطوية والدولتية، المستمرة منذ آلاف السنين، أما حلّ القضية الكردية، التي تقع في قلب هذه الأزمات، فلا يمكن تحقيقه إلاَّ من خلال سلام إجتماعي وتوافق ديمقراطي، إذ إن تناول هذه القضية، يكون على أساس أرضية ديمقراطية تراعي إرادة الشعوب، لا عبر الصراعات أو الحروب أو الأساليب العسكرية والأمنية، يُعتبر أهمية حيوية.
وقد أثبتت التجارب العملية لبعض دعاة القومية والطائفية والنزعات الاقليمية، أنهم بلا مبادئ أو قيم سياسية، وليس لديهم رؤية تنموية وديمقراطية، وإنما أدوات سياسية للَّعب فيها في كل الأوقات، كما هو حال قادة أغلبية البلدان وبعض أمراء الثورات والمال، فهم يلعبون بورقة القومية عندما يحتاجون إظهار الدفاع عن العروبة، كما يجري في العراق، بين الأكراد والمالكي، اأو بالقضية الفلسطينية، ويلعبون بورقة المذهبية والطائفية، حينما يحاول كل منهم الظهور كزعيم هذا المذهب أو ذاك، كما يجري في العراق وسوريا ومصر والعراق ولبنان اليوم.
فالخطورة الكبرى تكمن، في تبنِّي الشخصيات السياسية أو العامة لهذا الخطاب الطائفي، حيث يرفع هذا التبنِّي الصراع إلى مستوى صراع وجودي، يصعب حله ويجعله مستمراً عبر الأجيال، ومن المثير للقلق، إستدعاء الحوادث التاريخية وتوظيفها في السياق السياسي، وهذا التصور الضيق والمتطرف يُفعِّل الإستقطابات الحادة والعميقة، ويساهم في تعميق الخلافات وتوسيع الهوة بين الأطراف المختلفة، وعلى القوى السياسية إدراك حجم تأثير خطاباتهم وأفعالهم، وأن يتحسّسوا مواقعهم وتأثيرهم، خاصة في ظل الوضع الحسّاس الذي تمرُّ به المنطقة، فليس هناك مصلحة لأحد في إدخال شعوب المنطقة ودولها في صراعات دامية لا طائل منها، ولذلك، فان معظم القيادات والزعامات القبلية والعرقية والطائفية، ليس لديها طموحاً لبناء دولة عصرية حديثة، وإنما لبناء كيان سياسي طائفي أو قبلي أو قومي، يمكِّنها من الإحتفاظ بالسلطة طول الدهر، فالطائفة او الأقلية او القومية، في أي سلطة مركزية، حينما تفشل في تحقيق مصالحها الخاصة، أو مصالح قيادتها، تلجأ الى الإنفصال أو التحالف مع قوى سياسية متشابهة معها لتتحرَّر من ربقة الدولة المركزية، خاصة ان كانت الدولة القائمة، لا تملك مقومات دولة القانون والمؤسسات والمواطنة، وهو ما لا يتوفر في الوطن العربي، فكل نظام سياسي عربي، حتى مَن جاء عبر الإنتخابات، يمكن أن يستغل الورقة الطائفية للإحتفاظ بالسلطة قدر المستطاع، فلا توجد لدى أغلب أنظمة الشرق الأوسط فكرة تداول السلطة، فمن كان بالمعارضة بالأمس، بات اليوم يُنكر على الاخرين حق تداول السلطة، وهذا أدَّى بدوره، ويؤدي الى إغرق البلاد في فوضي سياسية وأزمات أمنية.
أخيراً، لا يمكن التخفيف من حدة الصراع القائم على تصعيد النزاعات الطائفية والمذهبية الدينية والعرقية، إلاَّ بتأسيس نظام ديمقراطي عصري، قادر أن يُلبِّي طموحات ومصالح كل المكونات السياسية والثقافية والدينية والقومية، ويسمح بمشاركة الجميع في تولِّي السلطة، وبالتعبير عن ذواتها، حيث أن ما يُرسم من سيناريو لمستقبل المنطقة في ضوء العنف الطائفي والإقصاء السياسي المذهبي والاقليمي أمر مخيف، ولا بدَّ من الخروج من مآلات الصراع الطائفية والمذهبية، للعمل على بناء أنظمة علمانية تحكم دول المنطقة، فالحل الوحيد للقضاء على العنف الطائفي والمذهبي، والتعصب الديني، بالعمل على ولادة الدولة العصرية، دولة المواطنة والحقوق والواجبات والمساواة التامة بين المواطنين، أسوة بما فعله بالغرب.
======
نقلاً عن مجلة الأمة الديمقراطية
من زوايا العالم
من زوايا العالم
من زوايا العالم