شهد عام 2026 تطورًا لافتًا في المشهد الاقتصادي السوري تمثل في دخول شركة نفط أمريكية كبرى إلى ساحة النقاشات الطاقوية عبر مذكرة تفاهم مع الجهات الرسمية في دمشق وبالشراكة مع مستثمر إقليمي ذي ثقل مالي.
هذا التطور لا يمكن قراءته بوصفه خطوة تجارية معزولة أو صفقة استثمارية تقليدية، بل يمثل إشارة سياسية ذات أبعاد أوسع تتجاوز نطاق قطاع الطاقة نفسه. فبعد أكثر من عقد من الحرب، والعقوبات، وتراجع الإنتاج، وانكماش الاستثمارات الأجنبية، ظل قطاع النفط والغاز في سوريا مرادفًا لعدم اليقين والمخاطر السيادية المرتفعة. أما اليوم، فإن استعداد شركة أمريكية للدخول — ولو عبر إطار أولي غير ملزم — يعكس تحولًا تدريجيًا في تقدير المخاطر وفي طريقة قراءة البيئة السورية من قبل بعض الفاعلين الدوليين. كما يشير إلى أن الاقتصاد، وتحديدًا ملف الطاقة، بدأ يلعب دورًا متقدمًا في فتح قنوات إعادة التواصل، حتى في ظل استمرار القيود السياسية والقانونية.
من الضروري التمييز بدقة بين الطابع القانوني لمذكرة التفاهم وبين العقود التنفيذية الفعلية. فمذكرة التفاهم لا تعني بدء استخراج النفط أو الغاز، ولا تمثل التزامًا استثماريًا نهائيًا، بل تُعد إطارًا مبدئيًا للتعاون وتبادل البيانات ودراسة الجدوى الفنية والاقتصادية. ومع ذلك، فإن وزنها السياسي غالبًا ما يفوق مضمونها الاقتصادي المباشر، خصوصًا في البيئات الخارجة من النزاعات. هذه الصيغة تُستخدم كأداة لقياس مستوى الثقة المتبادلة، واختبار استقرار الإطار القانوني، وتقييم المخاطر الأمنية والتنظيمية. كما تُعد رسالة مزدوجة، من الدولة إلى الأسواق بأنها منفتحة على الشراكات الدولية، ومن الشركات إلى الأطراف السياسية بأنها ترى إمكانية — ولو كانت مشروطة — للعمل المستقبلي. وفي هذا السياق، تصبح مذكرة التفاهم جزءًا من دبلوماسية الطاقة، وأداة ناعمة ضمن عملية تدريجية لإعادة بناء الجسور الاقتصادية دون القفز فوق التعقيدات السياسية.
تأسيسًا على ما سبق، يأتي هذا التحليل لدراسة فرضية أساسية مفادها أن الطاقة لم تعد قطاعًا اقتصاديًا محايدًا، بل تحولت إلى عنصر مركزي في معادلات الشرعية السياسية والاستقرار المالي وإعادة هندسة النفوذ الإقليمي، فدخول الشركات الأمريكية إلى سوريا يُقرأ عبر أربعة أبعاد مترابطة: أولها، إعادة تنشيط قطاع الطاقة بعد سنوات من التآكل البنيوي؛ وثانيها، إعادة بناء الثقة الاقتصادية في بيئة استثمارية عالية المخاطر؛ وثالثها، إدارة المخاطر السيادية والعقوبات والتعقيدات القانونية؛ أما رابعها، انعكاس هذه التحركات على توازنات شرق المتوسط. كما أن التحول من التركيز التقليدي على الحقول البرية إلى الاهتمام بالاستكشاف البحري يعكس تغييرًا في رؤية الدولة لمستقبل مواردها، وفي طبيعة الرهانات الاقتصادية طويلة الأجل، وفي طريقة توظيف الثروات الطبيعية ضمن استراتيجية أوسع للاستقرار وإعادة التموضع.
النفط والسيادة:
يمثل الاتجاه نحو استكشاف النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية تحولًا استراتيجيًا مقارنة بسنوات التركيز شبه الحصري على الحقول البرية، فالعمل البحري يرتبط باستثمارات ضخمة، وتكنولوجيا متقدمة، ودورات زمنية طويلة قبل الوصول إلى الإنتاج التجاري، ما يجعله قرارًا سياسيًا بقدر ما هو اقتصادي. كما يحمل هذا التوجه دلالات سيادية واضحة، إذ يرتبط بحقوق الدولة في مواردها البحرية وبموقعها ضمن معادلات الطاقة في شرق المتوسط، وهي منطقة تشهد تنافسًا متصاعدًا على احتياطيات الغاز ومسارات التصدير. ويعكس دخول شركة أمريكية في هذا المجال — حتى عبر إطار استكشافي أولي — استعدادًا للتعامل مع سوريا ضمن حسابات الطاقة الإقليمية، ويشير إلى أن الملف البحري بات يُنظر إليه كفرصة مستقبلية وليس مجرد خيار تقني.
حيث أن التمييز بين الحقول البرية والاستكشاف البحري يتجاوز الاعتبارات الفنية، فالحقول البرية السورية ارتبطت خلال سنوات الحرب بمخاطر أمنية مباشرة، وتعقيدات في السيطرة، وأضرار واسعة بالبنية التحتية، ما جعلها بيئة استثمارية شديدة الحساسية. وفي المقابل، يوفر البحر بيئة مختلفة نسبيًا، حيث تتركز المخاطر في القانون الدولي، وترسيم الحدود، والتجاذبات الإقليمية، بدلًا من التهديدات الأمنية اليومية. لذلك، فإن التوجه البحري يعكس محاولة لإعادة توزيع المخاطر وتنويع مصادر الطاقة، والبحث عن احتياطيات جديدة قد توفر عوائد طويلة الأجل وتقلل الاعتماد على حقول متضررة أو متنازع عليها سابقًا.
في الوقت ذاته، يشير تحالف عدة شركات أمريكية للعمل في الشمال الشرقي إلى منطق تقاسم المخاطر وتوزيع الأعباء، ففي البيئات غير المستقرة، تميل الشركات إلى العمل ضمن تحالفات لتقليل الانكشاف المالي والسياسي، وتبادل الخبرات التقنية، وخلق مظلة تفاوضية أوسع. هذا النموذج يعكس إدراكًا بأن الاستثمار في سوريا ما يزال عالي المخاطر، لكنه لم يعد خارج الحسابات تمامًا. كما يشير إلى أن الشركات لا تتحرك بدافع الربحية قصيرة الأجل فقط، بل وفق تقديرات استراتيجية تتعلق بالتموضع المستقبلي في حال تحسن الظروف.
ويمكن القول إن هذه التحركات تعكس وجود تقدير بأن مستوى معينًا من الاستقرار — حتى لو كان نسبيًا أو هشًا — أصبح كافيًا لبدء دراسات واستكشاف أولي. فالشركات الكبرى لا تدخل أسواقًا معقدة دون مؤشرات على تحسن البيئة القانونية والتنظيمية والأمنية. غير أن هذا لا يعني اختفاء المخاطر، بل إعادة تعريفها وإدارتها ضمن أطر جديدة، لذلك تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى اختبار متبادل طويل الأمد بدلًا من اندفاعة استثمارية واسعة.
الطاقة وإعادة البناء:
تسعى الحكومة الانتقالية السورية في المرحلة الراهنة إلى توظيف قطاع الطاقة كأداة مركزية لدعم الاستقرار الاقتصادي وإعادة بناء المؤسسات بعد سنوات من التآكل البنيوي، فاستعادة السيطرة على الحقول الكبرى لا تمثل فقط مكسبًا ماديًا، بل تعني استعادة مورد مالي استراتيجي يمكن أن يؤثر على الإيرادات العامة، واستقرار العملة، وتمويل النفقات الأساسية، ودعم مشاريع إعادة الإعمار.
ومع ذلك، فإن هذا المسار محفوف بتحديات معقدة، أبرزها كيفية إدارة العائدات بكفاءة وشفافية، وتجنب تحويل النفط إلى مصدر جديد للاختلالات الاقتصادية أو التوترات الاجتماعية، كما أن الاعتماد المفرط على الموارد الطبيعية في الاقتصادات الخارجة من النزاعات غالبًا ما يخلق هشاشة هيكلية، ما يجعل نجاح الاستراتيجية الطاقوية مرهونًا بقدرتها على الاندماج ضمن خطة تنمية أوسع. وفي هذا الإطار يمكن تفكيك استراتيجية دمشق الجديدة للطاقة عبر المحاور التالية:
(1) السيطرة على الموارد: تمثل إعادة بسط السيطرة على الحقول خطوة أساسية في استعادة الدولة لأدواتها الاقتصادية وتعزيز قدرتها على إدارة الإيرادات، فالتحكم في الموارد يسمح بتقليص الاعتماد على مصادر تمويل خارجية، ويعيد للدولة هامشًا أكبر في رسم سياساتها المالية. غير أن السيطرة المادية لا تكفي وحدها؛ إذ تحتاج إلى مؤسسات قوية، وآليات رقابة، وإدارة تقنية حديثة لضمان الكفاءة وتقليل الهدر والفساد.
(2) استعادة ثقة المستثمرين: الاتفاقات المبدئية مع شركات دولية كبرى تُستخدم كرسائل طمأنة للأسواق، فالمستثمرون يبحثون عن وضوح القوانين، واستقرار العقود، وضمانات التحكيم، وإدارة المخاطر. لذلك، تُعد مذكرات التفاهم مرحلة اختبار لقياس قابلية البيئة الاستثمارية قبل الالتزام الكامل.
(3) إدارة المخاطر والعقوبات: لا تزال البيئة السورية محكومة بدرجة مرتفعة من عدم اليقين السياسي والقانوني. إدارة هذا الواقع تتطلب آليات امتثال دقيقة، وهياكل قانونية معقدة، وتقييمًا مستمرًا للمخاطر. الشركات والدولة معًا مطالبتان ببناء صيغ تعاقدية مرنة قادرة على التكيف مع التحولات السياسية والعقابية.
(4) توظيف العائدات اجتماعيًا: لا يقاس نجاح قطاع الطاقة بحجم الإنتاج فقط، بل بمدى انعكاس العائدات على الاقتصاد الحقيقي، بما يشمل الخدمات والبنية التحتية وفرص العمل. إذ يسهم توجيه الإيرادات بشكل متوازن في تعزيز الاستقرار الاجتماعي وتقليل التوترات.
(5) تنويع الشركاء الدوليين: يقلل تنويع الشراكات بين فاعلين دوليين وإقليميين من الاعتماد على طرف واحد ويزيد القدرة التفاوضية للدولة. كما يخلق ذلك توازنًا في النفوذ الاقتصادي ويمنح هامش مناورة أوسع في إدارة العلاقات الخارجية.
توازنات المتوسط:
لا تعني عودة الشركات الأمريكية تحولًا جذريًا في سياسة الولايات المتحدة، بل تعكس إعادة تموضع محسوبة تجمع بين إدارة المخاطر والحفاظ على أدوات النفوذ، فالانخراط الاقتصادي المحدود أو الاستكشافي يسمح بالحضور دون التورط الكامل، ويمنح واشنطن مرونة استراتيجية في بيئة متغيرة.
ويعيد الاستكشاف البحري إدخال سوريا تدريجيًا في معادلة غاز شرق المتوسط، وهي منطقة باتت ذات أهمية متزايدة في أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد، ما يعيد طرح أسئلة حول خرائط التصدير، والتحالفات، والبنية التحتية المستقبلية.
قد تؤثر هذه الاستثمارات على توازنات النفوذ الإقليمي، حيث تتحول الطاقة إلى عنصر رئيسي في التفاعلات بين القوى الدولية والإقليمية. فكل مشروع طاقوي جديد يعيد تشكيل الحسابات الجيوسياسية، ويخلق مساحات تعاون وتنافس في آن واحد.
ختامًا،
يشير دخول الشركات الأمريكية إلى سوريا بتوسع في 2026 إلى بداية مسار تدريجي ومعقد لإعادة التموضع الاقتصادي عبر بوابة الطاقة. غير أن الطريق إلى الإنتاج التجاري الفعلي ما يزال طويلًا، ويتطلب استثمارات ضخمة، واستقرارًا سياسيًا وقانونيًا مستدامًا، وإدارة دقيقة للمخاطر السيادية.
ويمكن أن يشكل النفط والغاز أداة دعم للاستقرار وإعادة البناء وتعزيز الشرعية الاقتصادية، لكنهما ليسا حلًا بسيطًا للتحديات الهيكلية. فسيعتمد النجاح الحقيقي على كفاءة إدارة الموارد، وشفافية توظيف العائدات، والقدرة على دمج قطاع الطاقة ضمن استراتيجية تنموية أوسع تقلل الهشاشة وتدعم الاستدامة.
فضاءات الفكر