استضاف مركز آتون للدراسات بالقاهرة ورشة موسعة حول فلسفة الزعيم الكردي عبدالله أوجلان، وخاصة مفهوم الأمة الديمقراطية بالتزامن مع ذكرى اعتقاله التي توافق يوم 15 فبراير من كل عام، بمشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين، الذين لهم العديد من الكتابات المتميزة فيما يخص فلسفة أوجلان، ودوره من أجل السلام في الشرق الأوسط، وتقديم فكر سياسي واجتماعي يعبر عن خصوصية الشرق الأوسط.
وقد شملت الورشة عدداً من المحاور المهمة، حيث قدم الدكتور طه علي الباحث السياسي المتخصص في شؤون الهوية – والذي أدار الورشة – قراءة فلسفة عبدالله أوجلان ونداء السلام في سياق التحولات الإقليمية”. أما الأكاديمي المتخصص في علم التاريخ الدكتور علي ثابت صبري فجاءت ورقته تحت عنوان: “الثورة الذهنية وإمكانات التحول في الشرق الأوسط كما يتصورها السيد عبدالله أوجلان”.
وشملت الورشة ورقة أخرى تحت عنوان “أوجلان وإعادة تأسيس السياسة.. أفق الانتقال الديمقراطي نموذجاً” وقدمها الأكاديمي المتخصص في علم التاريخ الدكتور أحمد محمد إنبيوة. وورقة للدكتور حسني أحمد مصطفى المتخصص في علم الاجتماع تحت عنوان: “نسق الحقيقة كمدخل للوعي وقضايا الشرق الأوسط”. فيما كانت الورقة الأخيرة للباحث والكاتب السوري أحمد شيخو تحت عنوان: “عملية السلام والمجتمع الديمقراطي في فكر عبدالله أوجلان في ضوء التحولات الإقليمية”.
وفي تقديمه للورشة، أكد الدكتور طه علي أن الشرق الأوسط يمر بظروف استثنائية، مشيراً إلى أن ذكرى اعتقال عبدالله أوجلان تتزامن هذه المرة مع تحولات كبيرة في المنطقة. وأوضح أن مبادرة نداء السلام التي أطلقها أوجلان غير منفصلة عن أجواء التحول في الشرق الأوسط، مشدداً على أهمية الوقوف أمام فكر أوجلان ليس كمنظور فكري فحسب، بل لرصد تفاعل الفكر مع الواقع وكيف تأثرت المنطقة بأفكاره وكيف تأثر هو بديناميات المنطقة.
مفهوم الثورة الذهنية
أول المتحدثين كان الدكتور علي ثابت صبري والذي استعرض مفهوم الثورة الذهنية وإمكانات التحول في الشرق الأوسط كما يتصورها عبدالله أوجلان، موضحاً أن الثورة الذهنية من أهم المفاهيم في المنطقة والعالم، وأن شعوب الشرق الأوسط بحاجة إلى هذه الثورة للتغلب على آثار اتفاقية سايكس – بيكو والتحولات التي فرضتها الحداثة الرأسمالية الغربية على المجتمعات، وخاصة أفكار “الربح العظيم”.
وأكد أن السيد عبدالله أوجلان، في “مانيفستو الحضارة الديمقراطية”، قدم تصوراً لثورة ذهنية حقيقية تشمل ثلاث مراحل: هي الشك والانقلاب على القيم المستمدة خلال الأربعمئة سنة الماضية. والثانية: البحث عن قيم متوافقة مع ثقافة وهوية المجتمعات. والثالثة: تطبيق الأفكار الأصلية لإعادة صياغة الإنسان في الشرق الأوسط. وأوضح أن الثورة الذهنية ليست ترفاً فكرياً، بل عملية دقيقة تهدف إلى مواجهة الاستعمار الفكري ونقض المثلث التقليدي الذي كبل الشعوب: الدولة القومية، الذكورية، والفكر الغربي.
وأشار إلى أن الثورة الذهنية ترتكز على الجنولوجيا، إذ يعتبر أوجلان أن حرية المجتمع تأتي من حرية المرأة، وليس كمسألة حقوقية فقط، بل كإحياء للحياة الندية، وتعامل مع المرأة كشريك أساسي في المجتمع أو “كواحد صحيح”. كما شدد على أهمية مفهوم الأمة الديمقراطية لمواجهة الدولة القومية، التي أدت إلى مذابح ومشكلات مثل ما تعرض له العرب والكرد والأرمن، مؤكداً أن الأمة الديمقراطية تقوم على التعددية وليس اللون الواحد.
وتطرق الدكتور علي ثابت صبري كذلك إلى علم الإيكولوجيا في فلسفة آبو وأثر الحداثة الرأسمالية في تعزيز الثقافة الاستهلاكية. وأوضح أن تنظيم العلاقة بين الإنسان والبيئة ضرورة لإعادة صياغة أفكار الإنسان في الشرق الأوسط. وأشار إلى أن الثورة الذهنية تحول الصراع من العسكري إلى البنائي، وتحول الفرد من “الأنا” إلى الشراكة، على نحو يتضح من تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية في إقليم شمال وشرق سوريا والكومونات، حيث يحدد كل مجتمع احتياجاته بنفسه، ما يسهم في إسقاط أسباب الحروب والانتقال من ذهنية الحماية المرتزقة إلى مجتمع يحمي نفسه.
ولفت كذلك إلى أنه عند إسقاط مفهوم الثورة الذهنية على الحالتين التركية والسورية، يتضح وجود مشكلات كبيرة في الدولتين تتعلق بالمكوّنات، حيث يؤدي صعود مكوّن واحد واستئثاره بالسلطة إلى خلق ثورة مضادة تعيق الاندماج الديمقراطي، منوهاً إلى أن من يحكمون سوريا حالياً يعيدون إنتاج أدوات وأساليب وممارسات نظام البعث السابق.
وفي ختام حديثه، أكد الدكتور علي ثابت صبري أن الحفاظ على مكتسبات الثورة الذهنية يتطلب مواجهة الثورة المضادة، منوهاً إلى أن الثورة الذهنية تمثل انفجاراً للوعي يسبق أي تغيير مادي، ويمثل الرد الحضاري على فوضى الشرق الأوسط الناتجة عن التمسك بالسلطة والإقصاء والاحتكار.
أوجلان وإعادة تأسيس السياسة
أما الدكتور أحمد محمد إنبيوة، فقد تناولت ورقته تجربة عبدالله أوجلان في إعادة تأسيس السياسة وأفق الانتقال الديمقراطي، مشيراً إلى أن أوجلان ليس مفكراً يجلس في برج عاجي، بل هو متشابك مع الواقع ومطبق لأفكاره على الأرض، معبراً عن تجربة أجيال في منطقة واجهت صراعات متعددة. وأوضح أن تجربة أوجلان تهدف إلى إعادة النظر في مفهوم السياسة، وفككت الوضع القائم وحللت أسباب انفجار المجتمعات، منوهاً إلى أنه حتى استخدامه السلاح في فترة ما كان لغة اضطرارية في غياب المجال السياسي، لكنه استبدلها بالعمل الديمقراطي حين فتح المجال السياسي.
وأوضح كذلك أن أوجلان يطرح مفهوم الأمة الديمقراطية بوصفه أفقاً جديداً، حيث أن الأمة ليست دولة، بل فضاء سياسي مفتوح تعيش فيه هويات متعددة، ولا يسعى إلى هدم الدولة، بل إلى كسر احتكارها للسلطة. وأضاف أن الديمقراطية، وفق هذا التصور، ليست مجرد انتخابات بالمعنى الغربي، بل ممارسة سياسية يُعاد فيها توزيع القرار بدلاً من تركيزه، وتحويل الديمقراطية من فعل يُدار في غرف مغلقة إلى ممارسة مجتمعية.
وأشار إلى أن أوجلان أعاد النظر في القضية الكردية بحيث لا تكون انفصالاً ولا اندماجاً قسرياً، بل اندماجاً ديمقراطياً تعددياً في فضاء يعترف بالتنوع، معتبراً أن القضية الكردية تمثل اختباراً حقيقياً للدولة. ولفت إلى أن أوجلان بلور رؤيته في شكل انتقال واضح، حيث لم يدعُ فقط إلى وقف العنف، بل إلى تفكيك البنى الذهنية، وتحويل الفاعلين من منطق الطاعة العسكرية إلى العمل الديمقراطي. وأكد أنه ربط بين الديمقراطية وتحرر المرأة، معتبراً أن الدولة القومية ليست سوى صورة حديثة للنظام الأبوي، ما يستدعي إعادة النظر في العلاقات الجندرية على أساس المساواة.
وأشار إلى أن فشل السياسة في الشرق الأوسط مرتبط بضعف المؤسسات الناتج عن الدولة القومية، وأن الدولة الرأسمالية الحديثة لم تنتج السياسة بل احتكرتها، ما حوّل العنف إلى لغة بديلة. وأوضح أن الكفاح المسلح كان نتيجة مباشرة لانعدام السياسة، وأن أوجلان حرّر السياسة من سطوة الحرب والعسكرة من خلال المراجعة التي قام بها حزب العمال الكردستاني، كما طرح مفهوم الأمة الديمقراطية كفضاء سياسي مفتوح يعترف بالتعددية، بعيداً عن الانفصال عن الدولة القائمة أو الاندماج القسري بها.
كما أكد أن أوجلان لا يقدم نموذجاً يدّعي صلاحيته المطلقة، بل يرى الديمقراطية مساراً مفتوحاً للتجربة والمراجعة، وأن قيمة مشروعه تكمن في فتح أفق جديد أمام مجتمع اعتاد العنف. وأضاف أن الانتقال الديمقراطي ليس تسوية بين خصوم، بل إعادة صياغة جذرية للعلاقة بين السلطة والمجتمع، وللعلاقات بين أفراد المجتمع.
نسق الحقيقة
فيما تطرّق الدكتور حسني أحمد مصطفى في ورقته إلى “نسق الحقيقة” باعتباره مدخلاً لفهم الوعي وقضايا الشرق الأوسط، موضحاً أن الأزمة الحالية في المنطقة ليست اقتصادية أو تنموية فقط، بل أزمة في إنتاج الحقيقة التي تحتكرها السلطة والنخبة، مع تهميش المجتمع وتحويله من فاعل إلى موجّه.
وأوضح أن عبدالله أوجلان نقد النسق السلطوي الذي يحتكر تعريف الحقائق ويفصلها عن الأخلاق والعدالة والديمقراطية، مؤكداً أن هذا النسق يحوّل الدولة إلى أداة للقهر الاجتماعي، ويؤثر على الاقتصاد، مشيراً إلى أن الثورات العربية التي كانت نهاية عام 2010 وبداية عام 2011 قد واجهت مأزقاً في مسألة إنتاج رؤية خاصة بها أو نسق للحقيقة.
وأكد أن مفهوم “نسق الحقيقة” لدى عبدالله أوجلان ليس وصفاً نظرياً مجرداً، بل مدخل لفهم الأزمات المركبة التي يعيشها الشرق الأوسط اليوم، فما تشهده المنطقة منذ عقود لا يمكن اختزاله في أزمات سياسية أو اقتصادية فحسب، بل هو في جوهره أزمة أعمق تتعلق بكيفية إنتاج الحقيقة ذاتها، ومن يقوم بتعريف الواقع، ومن يملك سلطة تفسير هذا الواقع، وكيفية إنتاج المعرفة في الدولة وتحويلها إلى أداة للهيمنة في الوقت الذي كان يجب أن تكون فيه وسيلة للتحرر.
ويؤكد أنه في هذا السياق تبرز أهمية مقاربة أوجلان، الذي لا يتعامل مع الحقيقة باعتبارها مسألة معرفية محايدة، بل بوصفها نسقاً اجتماعياً تاريخياً يرتبط بالسلطة والأخلاق والمجتمع. ونوه أنه إذا كانت أزمات المنطقة الحالية أحد مستوياتها العميقة، أزمة في “نسق الحقيقة” الذي يحكم العلاقة بين الدولة والمجتمع والمعرفة، فأنه في المقابل يطرح أوجلان تصوراً مغايراً لمفهوم الحقيقة، حيث لا يراها مجرد تطابق بين الفكر والواقع، بل يراها بنية مركبة تتشكل داخل السياق الحضاري والاجتماعي.
وأشار إلى أن عبدالله أوجلان وجّه نقداً عميقاً لنسق الحقيقة السلطوي، الذي يقوم على احتكار تعريف الحقيقة من قبل الدولة المركزية أو القومية، بحيث يصبح هناك مصدر واحد فقط لتعريف الوقائع. وبيّن أن هذا النسق يفصل الحقيقة عن الأخلاق والعدالة والديمقراطية، ويؤدي إلى تهميش المجتمع، وتحويله من فاعل إلى موجَّه.
ويوضح أن الحقيقة، وفق هذا التصور الأوجلاني ليست ثابتة، وليست محايدة، وليست منفصلة عن السلطة، بل هي نتاج شبكة من العلاقات التي تشمل: الدولة، والمؤسسات، والدين، والعلم، واللغة، والذاكرة الجماعية. وقد أكد أيضاً أن القضية الكردية تشكل واحدة من أبرز الإشكاليات التي نتجت عن احتكار الدولة القومية لنسق الحقيقة، وما قامت به من عمليات طمس وتزييف تخص الهوية والثقافة الكردية.
واعتبر أن القضية الكردية تمثل نموذجاً لتجليات تزييف الحقائق واجتزاء التاريخ وصهر أحد المكونات ذات التأثير الإقليمي. وأوضح أن المكون الكردي كان من أكثر المكونات تضرراً من هيمنة الرواية الواحدة، ما انعكس على حقوقه التاريخية وإرثه الثقافي وحقه في الممارسة السياسية والإدارة الذاتية. وشدد على أن فكر أوجلان يمثل مدخلاً لإعادة صياغة نسق الحقيقة في اتجاه قد يسهم في إنهاء الصراعات الإقليمية.
نداء السلام والمجتمع الديمقراطي
فيما تناولت ورقة الكاتب والباحث السوري أحمد شيخو نداء السلام والمجتمع الديمقراطي الذي أطلقه عبدالله أوجلان في 27 فبراير الماضي، وأثره على المجتمع، موضحاً أن هذا النداء يشكّل محطة مفصلية في مسار آبو الفلسفي والفكري والنضالي، ويعكس التحول لديه من مفاهيم التكامل إلى الأمة الديمقراطية والاندماج الديمقراطي.
ويلفت شيخو إلى أن هذا النداء وهذه التحولات جاءت استجابة للتحولات الجيوسياسية والأزمات الهوياتية والاقتصادية في المنطقة، مؤكداً أن عملية السلام التي أطلقها أوجلان ليست تكتيكية أو مرحلية أو هدنة مؤقتة مثلاً، بل هي إعادة تنظيم شاملة للمجال السياسي. كما أن هذه العملية والمراجعات التي قام بها عبدالله أوجلان كان لها إرهاصاتها منذ بداية التسعينيات، ومن ذلك مبادرة أوسلو عام 2009، ووقف إطلاق النار عام 2013، وإعلان 2015، وصولاً إلى نداء السلام والمجتمع الديمقراطي العام الماضي.
وجدد شيخو التأكيد على أن نداء السلام هو تتويج لمسار نظري ممتد، لمعالجة القضية الكردية، في إطار رؤية أوسع لبناء جمهورية ديمقراطية على أساس الدمج الديمقراطي والتنوع ضمن إطار الوحدة، كما أنه ليس استجابة تكتيكية وإنما قراءة تفاعلية مع التحولات الجيوسياسية. ولفت إلى أن آبو أسس تصوره الفلسفي على مقاومة الدولة القومية، خاصة نقده الصارم للاحتكارات القائمة، كما شجع الكومونات والعمل المجتمعي، ورأينا موقفه من المرأة، وتمسكه بأن المجتمعات تقوم على الهويات المتعددة.
ويوضح الكاتب والباحث السوري أن عبدالله أوجلان يرى أن أزمة القضية الكردية ليست في إقامة دولة كردية وإنما في إعادة هيكلة العلاقة بين الدول القائمة والمجتمع نحو إطار سياسي مشترك قائم على التعدد. ونوه إلى أن آبو يرى أن السلام لا يقوم إلا في إطار دستوري يضمن الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية، وبالتالي يقول إن السلام تحول ديمقراطي شامل داخل الدولة والمجتمع يعيد الاعتبار للمجتمعات.
وأشار إلى أن النداء الأخير ربط عملية السلام بأرضية قانونية وسياسية، تتعلق بالطرف الآخر. وتناول في هذا السياق تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا بوصفها محاولة لتطبيق هذا النموذج عملياً، وصولاً إلى اتفاق 29 يناير مع الحكومة السورية الاننقالية بعد الاشتباكات الأخيرة، كاتفاق يسعى إلى الحفاظ على جوهر الإدارة الذاتية ضمن إطار الدولة.
وتطرق شيخو كذلك إلى التحديات التي تواجه مسار السلام وقد وصفها بـ”الكبيرة”، تتمثل بالأساس في مقاومة بعض الأنظمة لهذه العملية، خاصة مخاوف بعض القوى الإقليمية والدولية من تشكّل توازنات أو تحالفات خارج سيطرتها، إضافة إلى رفض قوى دولية لأي انطلاقة مجتمعية مستقلة، فضلاً عن دور بعض القوى التي توظف الدين سياسياً.
نوه كذلك إلى أن حزب العمال الكردستاني استجاب وتفاعل سريعاً مع نداء السلام، ووصولاً الآن إلى أن اللجنة البرلمانية المشكلة بشأن عملية السلاك قدّمت تقريراً نهائياً سيُحال إلى البرلمان، مشيراً إلى وجود قلق بلا شك بشأن المستقبل، لا سيما في ظل استمرار الخطاب التحريضي داخل تركيا، ما يعني مرة أخرى أن عملية السلام لا تزال تواجه عقبات كبيرة، مشدداً على أن من أهم شروط نجاح هذا المسار تمكين أوجلان من حقه في الأمل.
وختم بالقول إن عملية السلام تمثل خلاصة مسار طويل لا يهدف فقط إلى إنهاء العنف المسلح، بل إلى بناء عملية ديمقراطية تعيد تعريف السياسة والمجتمع، وتؤسس لدولة ديمقراطية.
الاندماج الديمقراطي
وتحت عنوان "مفهوم الاندماج الديمقراطي كإطار لحل أزمات الشرق الأوسط عند عبدالله أوجلان"، جاءت ورقة الدكتور طه علي أحمد، والتي استهلها بتعريف مفهوم الاندماج الديمقراطي، حيث يوضح أنه الحالة التي يغيب عندها أي تمايز على أساس العرق أو التوجه السياسي أو المذهبي، مشدداً هنا على ضرورة التمييز بين الاندماج والصهر حيث استخدم الأخير في الشرق الأوسط.
ويقول الدكتور طه علي إن عبدالله أوجلان هنا يقدم طرح الاندماج الديمقراطي باعتباره مفتاح لحل أزمة الشرق الأوسط، حيث يشخص أوجلان أزمة الشرق الأوسط قبل كل شيء كأزمة مركبة وليست مجرد أزمة سياسات أو بنية سلطة. بل تشكل الدولة التي تأسست في الشرق الأوسط في حد ذاتها مشكلة ولم تكن حلاً وبالتالي – في ضوء النقد الأوجلاني – يصعب حل أزمة من خلال أطراف هي ذاتها أبرز مظاهر تلك الأزمة.
ويلفت الدكتور طه علي إلى أن الشرق الأوسط يختلف عن أوروبا والدولة التي تأسست بها وانتقالها من مرحلة عصر الظلام إلى الثورة الصناعية، فقد تحقق لهذا الانتقال بهذا الشكل شروط أولها الشرط الاقتصادي عبر المصنع الذي خلق للمجتمعات الرفاهة. وعلى هامش هذا الواقع الجديد، أي واقع المصنع، ظهرت المشكلات العمالية، ومعه يتشكل المجتمع المدني كجماعة للدفاع عن العمال، عن الفلاحين، عمال الحديد والصلب. أي أن الشرط الاقتصادي انتقل إلى اجتماعي أو مجتمع مدني، وبالتالي حدث إشباع اجتماعي وحلت المشاكل الاجتماعية، فانتقل المجتمع لطموح أعلى وإلى العمل السياسي، فتشكل حزب العمال وصولاً إلى الحقبة الديمقراطية.
ويقول الباحث السياسي إن بنية الدولة في الشرق الأوسط مختلفة، ووفق عبدالله أوجلان تشكلت دولة الشرق الأوسط على أنقاض الإمبراطوريات وخاصة الإمبراطورية العثمانية، وفي إطار توافقات ظرفية تعبر عن القرارات والمصالح الغربية. فالدولة ولدت في الشرق الأوسط كأداة لخدمة شبكة مصالح واسعة على المستوى الدولي، وبدلاً من أن تكون الدولة أداة لتنسيق العلاقة بين السلطة والمجتمع تحولت إلى أداة لاحتكار العنف والرؤية والوظائف، بل تقرر كذلك هوية الدولة والمجتمع. وهنا قام نموذج مركزي على الإقصاء، وقامت دول على مشروعات قومية سواء بالتعريب أو بالتفريس أو بالتتريك، وبالتالي هي أزمة بنيوية في الدولة المركزية بشكل عام، وبالتالي نحن أمام أزمة شرعية، نتيجة الصهر والإقصاء.
ويقول الدكتور طه علي إن عبدالله أوجلان هنا يشخص الواقع ويقدم ماذا نفعل، حيث يدعو لتبني مفهوم الاندماج الديمقراطي. وهنا دعوة السلام كانت إحدى تجليات الاندماج الديمقراطي ليس كتسوية ظرفية، وإنما على أساس مختلف له ركائز، أولها: الاعتراف بالتعدد بكافة أشكاله، والثانية: التنظيم الذاتي، والثالثة: عقد اجتماعي مرن لا يبنى على هوية مغلقة. ويشير إلى أن الهوية لها مكونات مثل الإرث والتاريخ واللغة والثقافة وغيرها إنما عبدالله أوجلان يقدم رؤية أخرى تقوم على أن الهوية قائمة على الذهنية التي تقبل التعدد والتنوع وكل من يقبل العيش في إطارها فهو جزء من هذه الهوية.
ويؤكد الدكتور طه علي أن تكامل هذه الركائز يمنح الاندماج طابعاً بنيوياً وليس أحادياً مركزياً، مشيراً إلى أن هذه الركائز رأيناها في حديث عبدالله أوجلان عن المرأة والتعددية. وهنا وصلنا إلى فكرة الأمة الديمقراطية، والأمة هنا ليست وحدة مغلقة وإنما تعبر عن الإطار السياسي والاجتماعي للهوية، إذا كانت الأمة قائمة على الإحساس بالذهنية المشتركة. وبالتالي نحن أمام قطيعة جذرية مع الدولة القومية التي قامت وفق معاهدة ويستفاليا.
ويلفت إلى أن الاندماج ليس الصهر أو الذوبان وإنما مسؤولية مشتركة، وهو شرط أصيل لحل مشكلات الشرق الأوسط. كما أنه في هذا الطرح المجتمعات فاعل أساسي وليس فاعل مهيمن عليه، ومعه تتحول الدولة من ميدان للصراع إلى ميدان للتعاون والتنظيم الذاتي المشترك. وهنا الهوية لا تتحول إلى ميدان للتهديد الأمني، وكل ذلك تحت مظلة حداثة ديمقراطية، يكون المجتمع هنا هو السيد وليس السلطة، فهي علاقة تكامل وانخراط للأفراد في إدارة شؤونهم على نحو يعزز الإحساس بالمسؤولية المجتمعية، ويمنح المكونات المحلية استقلالية فعلية، أي انتقال من الطابع السلطوي إلى الطابع التشاركي.
وأكد الدكتور طه علي في ختام حديثه أن الاندماج الديمقراطي تحرري أي له بعد تحرري كشرط بنيوي. وهذا الاندماج هو مساهمة جذرية في إعادة التفكير بمستقبل العلاقة بين الدولة والمجتمع في المنطقة. فكل مشاكل الشرق الأوسط مرتبطة بمشاكل الجماعات، كحالة الدروز والكرد، الكردية والعراق والحالة الفلسطينية. ويشير إلى أنه هنا فإن الاندماج الديمقراطي هو الوعاء الذي ينظم العلاقة بين الإدارة والمكونات المجتمعية، مشدداً على ضرورة أن يكون هناك توجه على مستوى الحقل الأكاديمي لدراسة هذا المفهوم كاقتراب جديد للتعامل مع أزمات الشرق الأوسط.
إضفاء الطابع المحلي على فكر أوجلان
وفي ختام الورشة، تبادل الباحثون النقاش والملاحظات فيما بينهم حول ما جرى استعراضه في الورقات السابقة، وجرى خلالها التوقف عند بعض المصطلحات والمفاهيم، مثل الاندماج الديمقراطي باعتاره حالة يغيب فيها أي تمايز على أساس العرق أو التوجه السياسي أو المذهبي، وأنه مختلف عن الصهر الذي استخدم تاريخياً في المنطقة. فالاندماج الديمقراطي وفق عبدالله أوجلان يقوم على الاعتراف بالتعدد، والتنظيم الذاتي، وعقد اجتماعي مرن، وأن تكامله يمنحه طابعاً بنيوياً، كما أنه يتيح للمجتمعات المحلية الاستقلالية الفعلية.
كما أن مفهوم الاندماج الديمقراطي يحوّل الدولة من ميدان للصراع إلى ميدان للتعاون والتنظيم الذاتي، مع ضمان أن تكون الهوية إطاراً سياسياً واجتماعياً قائماً على الذهنية المشتركة، مما يمثل قطيعة مع الدولة القومية التقليدية، ويعد مساهمة جذرية لإعادة التفكير بمستقبل العلاقة بين الدولة والمجتمع في الشرق الأوسط وحل أزماته المركبة.
وأكد الباحثون أن كل من يقرأ كتب أوجلان يلاحظ وجود مصطلحات خاصة به غير معتاد عليها مثل “الثورة الذهنية” والتي تناظر مثلاً مصطلح “معركة الوعي” في مصر، وبالتالي هناك حاجة إلى إضفاء الطابع المحلي لدول المنطقة على المصطلحات التي أنتجها آبو. ولفتوا كذلك إلى أن أوجلان يعرف قضية الديمقراطية على أنها أخلاق، ويؤكد أنه للوصول إلى نظام تشاركي حقيقي لا بد من وجود بعد أخلاقي يمكن البناء عليه.
فضاءات الفكر