في وقت تعاني فيه العلوم الاجتماعية من حالة "اغتراب" عن الواقع وتتحول فيه إلى أدوات تقنية في يد منظومات السلطة، يأتي كتاب الباحث الدكتور حسني أحمد مصطفى ليعيد طرح السؤال الجوهري: أين هي الأخلاق في علم الاجتماع؟
عبر فصول كتابه الصادر حديثاً، يقدم المؤلف معالجة فكرية عميقة تتخذ من رؤى المفكر "عبد الله أوجلان" منطلقاً لتأسيس علم اجتماع بديل، لا يكتفي بوصف الظواهر، بل يسعى لتحرير المجتمع وبناء وعي نقدي حي.
أزمة العلم وانحيازات الحداثة
يضع الدكتور حسني أحمد مصطفى مبضع النقد على الجذور التاريخية لعلم الاجتماع التقليدي، موضحاً كيف ارتهن هذا العلم منذ ولادته في أتون الثورة الصناعية لإملاءات "الحداثة الرأسمالية". فبدلاً من أن يكون أداةً لاستكشاف آفاق الحرية الإنسانية وفهم الديناميكيات المجتمعية العميقة، انزلق علم الاجتماع نحو "التقنوية"؛ حيث تقنّع برداء الحياد العلمي والموضوعية الإحصائية ليخفي انحيازه البنيوي لمنظومات الربح والسلطة. هذا المسار حوّل المعرفة الاجتماعية من وسيلة للارتقاء بالمجتمع إلى "تقنية وظيفية" تهدف إلى ضبط السلوك البشري وهندسته بما يتوافق مع متطلبات السوق والدولة المركزية، مما أدى إلى تجريد العلم من روحه الأخلاقية ومسؤوليته تجاه قضايا الإنسان الجوهرية.
وفي سياق متصل، يقدم الكتاب نقداً راديكالياً لـ "السوسيولوجيا المركزية الأوروبية"، مبيناً أنها ليست مجرد منهج علمي، بل هي انعكاس لتجربة تاريخية غربية تم تعميمها قسراً على بقية العالم. يرى المؤلف أن هذه المناهج الوافدة وقفت عاجزة عن فك شفرات المجتمعات الشرق أوسطية وتاريخها الممتد، نظراً لاعتمادها على قوالب جاهزة تقدس "الدولة القومية" وتعتبرها الذروة النهائية للتطور الاجتماعي. وبدلاً من أن تسهم هذه العلوم في تحرير الوعي المحلي، لعبت دوراً "تبريرياً" كرّس التبعية الثقافية والهيمنة الفكرية، مما تسبب في خلق فجوة معرفية بين النظريات السوسيولوجية المستوردة وبين الواقع المعاش للشعوب التائقة للديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
"نسق الحقيقة".. المعرفة بوصفها مسؤولية
يُفرد الكتاب مساحة واسعة لتحليل مفهوم "نسق الحقيقة"، بوصفه المرتكز الإبستمولوجي الذي تنطلق منه الفلسفة الأوجلانية لتصحيح مسار العلوم الاجتماعية. يوضح المؤلف أن هذا المفهوم لا ينظر إلى الحقيقة ككتلة جامدة أو مجرد معادلات ونظريات منفصلة عن الواقع، بل يراها كينونة حية مرتبطة ارتباطاً عضوياً بالزمان والمكان. فالمعرفة في هذا النسق ليست "ترفاً فكرياً" أو "تجريداً أكاديمياً"، بل هي أداة وصل تعيد ربط الإنسان بجذوره التاريخية وسياقه الاجتماعي، مما ينهي حالة الانفصال التي أحدثتها العلوم الحديثة بين الذات العارفة والواقع المعاش، ويحول العلم من مجرد رصد للظواهر إلى قوة واعية تدرك كنه الوجود.
وانطلاقاً من هذا التصور، ينتقل الدكتور حسني إلى طرح البديل العملي المتمثل في نموذج "المجتمع الأخلاقي والسياسي"، حيث تصبح المسؤولية هي الجسر الذي يربط بين العلم والواقع. في هذا النموذج، لا يكتفي الباحث بدور المراقب "المحايد"، بل يصبح شريكاً في إنتاج الفعل الاجتماعي الهادف؛ فالحرية هنا ليست حقاً فردياً مجرداً، بل هي ممارسة واعية تقترن بالمسؤولية تجاه الجماعة والبيئة. وبذلك، ينجح الكتاب في تأصيل غاية جديدة لعلم الاجتماع، تجعل منه قوة دافعة لبناء مجتمع يمتلك إرادته السياسية ويستند إلى مرجعية أخلاقية صلبة، بما يضمن تحويل المعرفة من أداة للسيطرة إلى وسيلة للتحرر الإنساني الشامل.
خريطة تحليلية شاملة
يتجاوز الدكتور حسني أحمد مصطفى حدود التنظير المجرد ليقدم في كتابه "خارطة طريق" إجرائية تحلل أزمات المنطقة بعمق سوسيولوجي وتاريخي. يبدأ هذا المسار بمناقشة "التماهي الإبستمولوجي"، حيث يسلط الضوء على الخلل المنهجي في العلوم الحديثة الذي جعلها قاصرة عن فهم الذات الشرقية، ثم ينتقل لتشخيص "الأزمة البنيوية للشرق الأوسط". في هذا السياق، يفكك المؤلف الصراع بين مشروعات الوحدة القومية القسرية وبين التفكك الذي تفرضه المدنية الرأسمالية، مقدماً رؤية نقدية توضح كيف أدت هذه الصراعات إلى استنزاف طاقات المجتمعات وتعطيل تطورها الطبيعي بعيداً عن نماذج الهيمنة العالمية.
وفي مقاربة لافتة للتحولات الميدانية، يرصد الكتاب مسار "التحول من الكفاح المسلح إلى النضال الديمقراطي"، بوصفه نضوجاً فكرياً يضع الحلول السياسية والسلمية فوق لغة العنف، معتبراً أن الديمقراطية المجتمعية هي الحصن الأخير أمام الانهيارات الكبرى. ولا يغفل المؤلف الجانب الوجداني والوجودي في هذا المشروع، حيث يربط بين "الذاكرة الجمعية الكردية" وبين "الوعي الإيكولوجي" (البيئي)، معتبراً أن الحفاظ على التراث الإنساني والارتباط بالأرض ليسا مجرد قضايا ثانوية، بل هما ركنان أساسيان في "الحل الحضاري" الذي يطرحه أوجلان؛ حلٌّ يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان وتاريخه وبيئته كضمانة لتحقيق توازن أخلاقي مستدام في وجه تحديات العصر.
دعوة لتجاوز "الاستعارة الفكرية"
يختتم الدكتور حسني أحمد مصطفى عمله بوقفة نقدية حازمة تجاه "التبعية الفكرية"، موجهاً نداءً ملحاً إلى الباحثين والمثقفين العرب بضرورة التحرر من حالة "الاستعارة الفكرية" التي جعلت من العقل العربي مجرد صدى للنظريات الغربية الجاهزة. ويرى المؤلف أن استيراد المفاهيم السوسيولوجية دون تبيئتها أو فحص صلاحيتها لواقعنا المعقد قد أدى إلى "عمى معرفي" حال دون فهم ذواتنا. لذا، يدعو الكتاب إلى الانخراط في إنتاج معرفة نقدية شجاعة، تنبع من صميم معاناة مجتمعاتنا وتستجيب لحاجاتها الإنسانية والاجتماعية العميقة، بعيداً عن القوالب المعلبة التي تخدم مراكز الهيمنة العالمية.
إن قيمة هذا الكتاب لا تكمن في كونه مجرد قراءة شارحة لفلسفة عبد الله أوجلان، بل في كونه "إضافة نوعية" ومنصة للانطلاق نحو إعادة الاعتبار للإنسان والمجتمع في قلب العملية العلمية. يؤكد الباحث أن المشروع الأوجلاني، كما استعرضه في فصول كتابه، يمثل "رؤية حضارية متكاملة" تتجاوز السياسة بمعناها الضيق لتلامس جوهر الوجود الاجتماعي؛ فهي رؤية تسعى لإعادة بناء المجتمع على ركائز صلبة من السلام، الحرية، والمسؤولية الأخلاقية. وبذلك، يضع الكتاب لبنة أساسية في مشروع "سوسيولوجيا الحرية"، مؤكداً أن العلم الحقيقي هو الذي يسهم في تحرير الشعوب وإعادة وصلها بالحياة والعدالة.
=====
نقلا عن موقع البوابة نيوز