لا يُمكن النظر إلى الطقوس الدينية في المجتمعات التقليدية على أنها مجرد ممارسات شعائرية محلية، بل يجب اعتبارها شبكة معقدة من الرموز الاجتماعية والثقافية والسياسية التي تعكس تاريخ الجماعة وتحدد هويتها.
ويُعد حفل بيرشاليار في منطقة هورامان نموذجًا فريدًا لهذه الظاهرة، حيث يجمع بين إرث الزرادشتية القديمة والتحولات الإسلامية الصوفية، ويصون اللغة والموسيقى والرقص كأدوات لمقاومة الطمس الثقافي.
يقام الحفل سنويًا في قرية هورامان تخت، ولا يقتصر دوره على الاحتفال الديني، بل يمتد ليشكل فضاءً للهوية الجماعية وللتواصل بين الأجيال، ولربط الشتات بالمجتمع الأصلي. فهو يحتفظ بالذاكرة الجماعية ويعزز شعور الانتماء، ويحول التراث إلى أداة حية للحفاظ على الثقافة الكردية الهورامية رغم التحديات السياسية والاجتماعية.
في هذا المقال، سنناقش الحفل عبر أربعة محاور رئيسية: شخصية بيرشاليار ودورها المزدوج، الجذور الزرادشتية والتحول الإسلامي، القداسة النصية في دانشنامة بيرشاليار، وأخيرًا الطقوس بوصفها ممارسة للتماسك الاجتماعي والمقاومة الثقافية.
* بيرشاليار كشخصية جامعة بين الديني والسياسي.
تستمد أهمية حفل بيرشاليار من شخصية قائدها المركزي، الذي يجمع بين البُعدين الديني والسياسي. فالاسم نفسه يحمل دلالة مزدوجة: بير أي الشيخ الروحي، وشاليار أي الحاكم المحلي. هذه الازدواجية تعكس نموذج القيادة في المجتمعات الكردية الجبلية، حيث لم يكن الفصل بين السلطة الدينية والسياسية قائمًا، بل كان يُنظر إلى الشخصية التي تجمع بين الاثنين على أنها المرجع الأعلى للمجتمع.
بيرشاليار ليس مجرد مدير للطقوس، بل رمز للسلطة الروحية والاجتماعية، حيث يوجه المجتمع نحو القيم المشتركة ويعزز الانتماء الجماعي. فهو مسؤول عن توزيع الموارد الرمزية مثل الجوز والحلويات، وعن قيادة الطقوس الجماعية، وضمان مشاركة الجميع في الاحتفال. هذا الدور يجعل من بيرشاليار شخصية محورية، تجمع بين التعليم الأخلاقي، السلطة الرمزية، والتوجيه الاجتماعي.
الشخصية الدينية والسياسية لبيرشاليار تسهم في تشكيل هوية الجماعة وحمايتها. فبوجوده، ترتبط الطقوس بالسلطة، ويصبح للحفل دور أكبر من كونه مجرد احتفال، إذ يتحول إلى إطار مستمر لإعادة إنتاج المجتمع وقيمه المشتركة. كما يربط بيرشاليار بين الماضي والحاضر، إذ ينقل إرث الزرادشتية القديمة ويعيد تفسيره ضمن السياق الإسلامي المعاصر، مما يعكس قدرة المجتمع على دمج التقليد مع التحولات الدينية والسياسية دون فقدان هويته.
الدور الاجتماعي لبيرشاليار يشمل أيضًا التوجيه الأخلاقي، إذ يُعطي أهمية للتعاون، التضامن، والالتزام الجماعي. هذا الدور يجعل من شخصية بيرشاليار نموذجًا للقيادة الكردية التقليدية، حيث يتداخل الدين والسياسة والتربية الثقافية في وحدة واحدة، ويصبح الحفل منصة لإعادة إنتاج هذه القيم عبر الأجيال.
* الجذور الزرادشتية والتحول الإسلامي
ترتبط جذور حفل بيرشاليار بالإرث الزرادشتي القديم، حيث يُعتقد أن بيرشاليار الأول كان ينتمي إلى سلالة المغان، وهي الطبقة الكهنوتية الزرادشتية. هذا الأصل يجعل الطقوس مليئة بالرموز القديمة مثل تقديس الطبيعة، التركيز على التوازن الروحي، والاحتفال الجماعي، وكلها عناصر تعكس التقاليد الزرادشتية في المنطقة.
مع دخول الإسلام، وخاصة الصوفية، شهد الحفل تحولات عميقة. لم يكن التحول مجرد تبني ديني، بل كان إعادة تأويل للطقوس ضمن إطار إسلامي صوفي، حيث تم الحفاظ على الرموز القديمة وأضيفت إليها معانٍ قرآنية وروحية جديدة. هذا التحول يعكس قدرة المجتمع على الاستمرارية الثقافية، إذ يمكن دمج الإرث القديم مع الديانة الجديدة دون فقدان البنية الرمزية الأساسية.
التغيرات الإسلامية يمكن ملاحظتها في الطقوس مثل التلاوة والإنشاد الصوفي، وإدخال النصوص القرآنية ضمن الاحتفال. هذا الدمج لم يغير الطابع الجماعي للطقوس، بل أضفى عليها بعدًا روحيًا أعمق، يعزز الانتماء ويؤكد على الهوية الثقافية الخاصة بالمجتمع الهورامي. كما يظهر التحول في الرموز المكانية، حيث تستمر المواقع المقدسة مثل البيوت الحجرية والأماكن الرمزية في لعب دور محوري في الحفل، مؤكدة على استمرارية الذاكرة الجماعية.
الجذور الزرادشتية والتحول الإسلامي يظهران في كيفية ربط الحاضر بالماضي، إذ تعكس الطقوس مزيجًا متناغمًا بين التراث القديم والتعاليم الجديدة، ما يجعلها أداة فعالة لصيانة الثقافة، وتعليم الأجيال قيم الانتماء، والاستمرار في مواجهة التحديات الخارجية.
* دانشنامة بيرشاليار والقداسة النصية.
تشكل دانشنامة بيرشاليار العنصر المركزي في الحفل، فهي ليست مجرد نص شعائري، بل مرجع مقدس يجمع المعرفة الرمزية، التاريخية، والدينية. النص محفوظ بشكل سري داخل المجتمع، ويُتلى فقط في مناسبات محددة، مما يضمن استمرارية الهوية الثقافية وحماية المجتمع من التأثيرات الخارجية. اللغة المستخدمة، الهورامية، تضيف بعدًا آخر للقداسة، إذ ترتبط القدرة على فهم النص بالانتماء إلى الجماعة.
قداسة النص تظهر في أبعاد متعددة: فهو ليس تعليمات طقسية فقط، بل نص يوجه السلوك الاجتماعي والأخلاقي، ويعزز التضامن والتعاون بين أفراد المجتمع. كما أنه يربط بين الماضي والحاضر، بين الإرث الزرادشتي والتحولات الإسلامية، ويجعل الحفل مساحة لتعلم القيم الجماعية والصبر والمثابرة على الاستمرار.
الجانب الشعري للنص يعزز أيضًا البُعد الرمزي، فهو يُستخدم كأداة تعليمية تربوية، تساعد على تثبيت القيم والمفاهيم داخل الجماعة، وتربط الأفراد بالطقوس بشكل مباشر عبر الموسيقى والإنشاد. هذه الخاصية تجعل من دانشنامة بيرشاليار أداة حية للهوية الجماعية، تجمع بين التعليم الديني، التوجيه الأخلاقي، والتماسك الاجتماعي، وتضمن استمرار تأثير الحفل عبر الأجيال.
* الطقوس بوصفها ممارسة للتماسك والمقاومة:
تمثل الطقوس في حفل بيرشاليار أداة للتماسك الاجتماعي والمقاومة الثقافية في الوقت ذاته. فهي تجمع المجتمع في نشاط جماعي مشترك يعزز الروابط بين الأفراد، ويعيد إنتاج الهوية الثقافية الكردية الهورامية. كل طقس له رمزية محددة، مثل جمع الجوز في خبر، وجمع الحلويات في كوتي كوتي، والإيقاظ الجماعي في كالاو روشيني، ما يعكس التعاون والتضامن الاجتماعي ويؤكد استقلالية المجتمع في إدارة تقاليده.
الرقص والإنشاد، مثل رقصة السما والإنشاد الصوفي "يا حيّ"، يعززان الوحدة الروحية ويخلقان شعورًا بالانتماء، ويعلمان الأجيال قيم الانتماء والتعاون. مشاركة النساء في إعداد الطعام التقليدي، مثل الهالوشين، تظهر الدور الحيوي للمرأة في حماية التراث، وتأكيد استمرار الهوية الثقافية على الرغم من محاولات الطمس الثقافي أو الاستبعاد.
الطقوس تعمل أيضًا كآلية مقاومة سلمية ضد السياسات الخارجية التي تهدف إلى محو الهوية الكردية أو دمج المجتمع في ثقافات أكبر. من خلال الاحتفاظ بالطقوس واللغة والموسيقى، يحافظ المجتمع على تاريخه وثقافته، ويخلق منصة تعليمية للأجيال الجديدة، تؤكد على الانتماء والجذور.
في النهاية، الطقوس ليست مجرد احتفال، بل شبكة معقدة من الرموز الاجتماعية والدينية والسياسية، تؤكد على الهوية الجماعية وتربط بين الماضي والحاضر، وتعلم الأجيال قيمة الاستمرارية، والروحانية، والوحدة الجماعية، وتجعل من التراث أداة فاعلة للحفاظ على الثقافة والمجتمع.
وفي الأخير:
يعد حفل بيرشاليار نموذجًا فريدًا لاستمرارية الهوية الكردية الهورامية، حيث تتداخل فيه الزرادشتية القديمة مع الإسلام الصوفي، وتتكامل الرمزية الدينية مع السلطة السياسية، وتُدمج الطقوس الجماعية مع النصوص المقدسة. الحفل يحافظ على اللغة والموسيقى والرقص كعناصر أساسية للهوية، ويُعيد إنتاج الذاكرة الجماعية للأجيال المتعاقبة.
إن أهمية الحفل تتجاوز الفعل الاحتفالي اليومي، فهو درس حي في صمود التراث الثقافي، وتحويله إلى أداة سياسية وروحية واجتماعية قادرة على مواجهة محاولات الطمس الثقافي، وإعادة إنتاج القيم الجماعية التي تعزز الانتماء والهوية الكردية. ومن هذا المنطلق، يظل بيرشاليار نموذجًا حيًا لكيفية استثمار التراث في بناء المجتمع والحفاظ على استمرارية الثقافة في مواجهة التحديات المعاصرة.
=======
أ.د إبراهيم محمد مرجونة
أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بكلية الآداب جامعة دمنهور