شُيّع في مدينة بني وليد غربي ليبيا، اليوم الجمعة، جثمان سيف الإسلام معمر القذافي إلى مثواه الأخير، بعد مقتله، الثلاثاء، على يد مسلحين اقتحموا منزله في مدينة الزنتان، بمشاركة آلاف المصلين الذين أدّوا صلاة الجنازة في ساحة المطار بمدينة بني وليد، بينما اقتصر حضور مراسم الدفن داخل المقبرة على أفراد من العائلة وعدد محدود من أعيان قبيلتي ورفلة والقذاذفة، التزاماً بالتعليمات الأمنية الصادرة في المدينة.
ومع مقتل سيف الإسلام تثار العديد من التساؤلات حول تأثير غيابه على المعادلة السياسية في ليبيا، لا سيما وأن اسمه تردد بقوة وعاد إلى الواجهة السياسية الليبية، مع الجدل الواسع حول ترشحه المحتمل للانتخابات الرئاسية المؤجلة، والتي ينظر إليها كثير من الليبيين والمراقبين على أنها مفتاح رئيسي نحو إنهاء حالة الانقسام داخل الدولة الليبية.

عبدالستار حتيتة
سيف والرئاسة
في هذا السياق، اعتبر الكاتب الصحفي المتخصص في الشأن الليبي عبدالستار حتيتة أن اغتيال سيف الإسلام القذافي نجل العقيد الليبي الرحل معمر القذافي قبل أيام سيكون له تأثير بالغ على المشهد السياسي في ليبيا، مشيراً إلى أن سيف الإسلام يمثل جبهة واسعة تمتد في مختلف أنحاء البلاد، وتضم عدة تيارات سياسية يمكن أن يطلق عليها "التيار الأخضر" أو "التيار القذافي"، مثل الجبهة الشعبية وجبهة النضال الوطني، وغيرها.
وأوضح حتيتة، في اتصال هاتفي لموقع "المبادرة"، أن هذا التيار يتركز تأثيره في الانتخابات الرئاسية أكثر من المحلية، مؤكداً أن انتخابات 2021 كانت ستشهد فوز سيف الإسلام بنسبة قد تصل إلى 70% من الأصوات لولا إعلان القوة القاهرة من لجنة الانتخابات، وإلغاء المضي قدماً في إجرائها، موضحاً أن فوز سيف كان متوقعاً وفق تقديرات استخباراتية داخلية وخارجية، وهناك من لم يكن يريد ذلك.
وأضاف الكاتب الصحفي المصري حول ما إذا كانت شعبية سيف الإسلام القذافي مرتبطة بالأوضاع الصعبة التي تعيشها ليبيا مقارنة بما كان الوضع عليه قبل سقوط نظام والده، أن الوضع الحالي يختلف جذرياً عن فترة ما قبل 2011، بسبب الأزمات الاقتصادية والمالية، بما في ذلك تراجع قيمة الدينار وطوابير الوقود والغاز، ما يثير شعوراً بالحنين لتلك الفترة بين بعض المواطنين.
عنف محتمل
وحذر حتيتة من تصاعد العنف في ليبيا خلال الفترة المقبلة، مشيرا إلى وجود انقسامات داخل التيار القذافي بين دعاة العمل السلمي وآخرين يطالبون بالانتقام والثأر، متوقعاً موجة ردود فعل جماهيرية، وكذلك ربما اغتيالات محتملة لكل شخصية سياسية بارزة يمكن أن تكون قريبة من الرئاسة مثل سيف الإسلام القذافي.
وفي بيان صدر الثلاثاء، قال الفريق السياسي لسيف الإسلام القذافي إن عملية الاغتيال نُفذت عبر اقتحام منزله من قبل أربعة مسلحين ملثمين، مؤكداً أن الحادثة وقعت بشكل مفاجئ ودون سابق إنذار. ومنذ أسره خلال الثورة المسلحة التي أسقطت نظام والده عام 2011، عاش سيف الإسلام في مدينة الزنتان، بعيداً عن الظهور العلني، حتى بعد الإفراج عنه عام 2017، حيث ظل مكان إقامته غير معلن رسمياً.

محمد عامر
بين الشرق والغرب
بدوره، يقول محمد عامر الكاتب المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، في تصريح هاتفي لموقع "المبادرة"، إن سيف الإسلام سيترك فراغاً كبيراً داخل التيارات المعبرة عن النظام الليبي السابق، لا سيما وأنه كان الوجه الأبرز، والذي كان بإمكانه توحيد تلك التيارات المتفرقة، وربما إعادة تنظيم صفوفها، وتقديمها نفسها كخيار ثالث بين "قسمة الشرق والغرب" الليبي.
ولفت إلى أن هناك قوى دولية كانت ترى فيها خياراً وسطاً في ليبيا يخرجها من فكرة الحبل مشدود الأطراف بين الشرق والغرب. واعتبر أن إزاحته من المشهد بلا شك أفرغت الساحة كذلك لبعض الطامحين في الوصول إلى منصب الرئيس الليبي حال جرت انتخابات في أقرب وقت، محذراً من احتمالية اندلاع أعمال عنف كبيرة لا سيما وفي ظل الطبيعة القبلية للمجتمع الليبي والتمسك بفكرة الثأر.
وتمر ليبيا منذ سنوات بفترة من الانقسام السياسي العميق، حيث تتقاسم حكومتان السلطة: حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة ومقرها طرابلس، التي تدير كامل غرب البلاد، مقابل الحكومة المعينة من مجلس النواب في بداية 2022 برئاسة أسامة حماد ومقرها بنغازي، والتي تشرف على إدارة شرق البلاد ومعظم مناطق الجنوب.
وبالتالي يبقى الوضع في ليبيا مرهوناً بمدى قدرة الأطراف المتنافسة على تجاوز الانقسامات السياسية، والتوافق على إدارة الدولة بشكل موحد، لضمان الاستقرار والتنمية لجميع المناطق، وحماية مصالح الشعب الليبي بعيداً عن الصراعات والتنافس الإقليمي.