في مايو 1972، وصل الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إلى موسكو ليوقّع مع الزعيم السوفيتي ليونيد بريجنيف اتفاقيتين شكّلتا، رغم ما شابهما من نواقص، محاولة عقلانية لكبح أخطر اندفاعات القوى العظمى.
الفكرة التي بدت منطقية في ذلك الوقت تبدو اليوم أقرب إلى الغرابة: تقليص القدرات النووية حتى لا يُغري ذلك أي طرف بتوجيه الضربة الأولى. ولم يقتصر النقاش آنذاك على عدد الصواريخ، بل شمل العلاقة المعقدة بين الأسلحة الهجومية والدفاعية، وإدراك أن بناء أنظمة دفاع صاروخي قد يجعل الصواريخ الهجومية نفسها تبدو أكثر “ضرورة”.
بعد أكثر من خمسين عامًا، وفي 5 فبراير 2026، ينتهي العمل بآخر دعامة كبرى لنظام الحد من التسلح النووي، وهي معاهدة “ستارت الجديدة”، ومع أفولها، تدخل العلاقات بين واشنطن وموسكو مرحلة أكثر ضبابية، في وقت يبدو فيه العالم أقل استعدادًا من أي وقت مضى لتحمّل تبعات هذا التحول.
وُقّعت معاهدة “ستارت الجديدة” عام 2010، وحددت سقفًا صارمًا للرؤوس النووية الاستراتيجية المنتشرة لكل من الولايات المتحدة وروسيا عند 1550 رأسًا، إلى جانب قيود على منصات الإطلاق، وآليات تفتيش وإخطار متبادلة وفّرت للطرفين قدرًا من الشفافية يقلل من مخاطر سوء التقدير، إلا أن روسيا علّقت مشاركتها في المعاهدة عام 2023، واليوم تنتهي رسميًا من دون بديل.
موسكو تلوّح باتخاذ “إجراءات حاسمة”، وتشتكي من تجاهل واشنطن اقتراحها تمديدًا طوعيًا للمعاهدة لمدة عام. في المقابل، يتعامل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع نهاية الاتفاق ببرود لافت، معتبرًا أن انتهاء المعاهدة يعني ببساطة أنها “انتهت”.
ولا تقتصر المخاطر هنا على الجانب النظري؛ فبحسب اتحاد العلماء الأمريكيين، يوجد في العالم أكثر من 12 ألف رأس نووي مع مطلع عام 2026، تمتلك الولايات المتحدة وروسيا الغالبية الساحقة منها. ومع غياب القيود القانونية، لن يبقى سوى الحسابات السياسية والميزانيات والشك المتبادل، وهي جميعها ضمانات هشة في عالم يتسم بتسارع الاضطراب.
في الوقت الذي تتآكل فيه ضوابط السلاح النووي، تنصرف واشنطن إلى ما يبدو أكثر حداثة وجاذبية: سباق التسلح في مجال الذكاء الاصطناعي. ففي الكونغرس، يتحدث مشرعون عن “الفوز في سباق الذكاء الاصطناعي” بنفس اللغة التي استُخدمت سابقًا عند الحديث عن “فجوة الصواريخ”. وفي أوروبا، يشتري حلف شمال الأطلسي أنظمة قتالية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لإدارة ما يُعرف بالمعارك الخوارزمية، خشية التخلف عن ملامح الحرب المقبلة.
غير أن هذا التحول لا يقل خطورة. فقد استخدمت روسيا بالفعل أنظمة مزدوجة القدرة، تقليدية ونووية، في حربها بأوكرانيا. ويُعد صاروخ “أوريشنيك”، المزوّد برؤوس متعددة قابلة للتوجيه، مثالًا واضحًا على تآكل الحاجز النفسي بين الحرب التقليدية والحرب النووية. استخدام مثل هذه الأنظمة في ساحات قتال نشطة كان يُعد متهورًا قبل عقود، لكنه اليوم يُتعامل معه كأمر واقع.
في الوقت نفسه، تتحول ساحات القتال إلى مختبرات حية للذكاء الاصطناعي، حيث تقوم الطائرات المسيّرة بالتنقل، والتعرّف على الأهداف، واتخاذ القرار بسرعة تفوق قدرة البشر على الإشراف المباشر. هذا التسارع يجعل احتمالات التصعيد أعلى، ويجعل الخطأ – إن وقع – أكثر فتكًا.
المفارقة أن العالم لا يقترب من الهاوية عبر أزمة واحدة مدوية، بل من خلال سلسلة قرارات “قابلة للإدارة”. وكما وصفت نشرة “علماء الذرة” عند تقديم ساعة يوم القيامة إلى 85 ثانية قبل منتصف الليل، فإن الخطر النووي لا ينهار بانفجار مفاجئ، بل “يتلاشى بهدوء وبصورة غير منتظمة”.
وتحذر أصوات في اليسار الأمريكي من أن السماح بانتهاء معاهدة “ستارت” يعيد إنتاج سباقات التسلح القديمة، بينما يرى معسكر ترامب أن مفهوم الحد من التسلح أصبح متقادمًا من دون إشراك الصين، وأن البديل يكمن في التفوق التكنولوجي، والدفاعات الصاروخية، بل وحتى العودة إلى التجارب النووية.
هكذا، وبين تآكل الاتفاقات القديمة وصعود أدوات الحرب الجديدة، يبدو العالم اليوم أمام مشهد أكثر هشاشة وخطورة، حيث تختفي الضوابط تدريجيًا، ويُترك مستقبل الأمن الدولي رهينة للتكنولوجيا والشك وسوء الحساب.