بث تجريبي

محمد عامر يكتب: اقتلوا الجمال أو اطرحوه أرضاً

إن الاستعارة القرآنية في قوله تعالى: "اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً" قدّمت تعبيراً بليغاً عن نزعة الشر الإقصائية، التي تسعى دائماً إلى إزاحة "الآخر" المختلف والجميل، طمعاً في احتكار المشهد وتوجيهه في اتجاه واحد.

لم يكن الصراع هنا على شخص يوسف بقدر ما كان على رمزيته، وعلى تفوقه وتميزه واختلافه الذي هدد منطق القطيع.

واليوم، أرى أن المشهد يتكرر ذاته بأدوات أكثر عنفاً وخطاب أشد قسوة، إذ يطل التطرف كنسخة معاصرة من إخوة يوسف، لا يريد القضاء على فرد بعينه، بل يسعى إلى تصفية كل ما هو متنوع، نابض بالحياة، وقادر على كسر نمطية الفكر الواحد.

إن التطرف، في جوهره، ليس سوى مشروع منظم لقتل التنوع أو طرحه أرضاً خارج المعادلة السياسية والاجتماعية.

ولن أذهب بعيداً، فالحالة السورية المثال الأوضح على هذا المسار التدميري. فما بدأ ذات يوم بمطالب مشروعة بالحرية والكرامة، سرعان ما انحرف نحو صراع أيديولوجي دموي، استُخدم فيه السلاح لهدم الإنسان قبل الحجر.

لم يكن المستهدف فقط المدن والبنى التحتية، بل نسيجاً اجتماعياً غنياً بالتعدد الطائفي والإثني والثقافي، صمد قروناً طويلة قبل أن يُدفع قسراً إلى حافة التفكك. في سوريا، جرت محاولة فرض مجتمع أحادي اللون، لا يعترف إلا بذاته، فكانت النتيجة نزيفاً أخلاقياً وقيمياً لا تزال آثاره حاضرة حتى اليوم.

هذا النزيف تسبب فيه بشكل أساسي التشدد الديني (علوي أو سني)، فكل منهما استخدم الدين ليقتل الجمال، جمال التنوع، جمال التعايش. وكل منهما استخدم مصطلح "حماية الدولة" ليشرعن ديكتاتورية اللون الواحد، ومعه يُقتل الإبداع، ودفع الناس بعضهم.

إن أخطر ما في التطرف أنه لا يكتفي بإقصاء المخالف، بل يعمل على اغتيال فكرة التعددية ذاتها، باعتبارها تهديداً يجب استئصاله. ومع غياب التنوع، تضيق مساحات الحوار، ويتحول الاختلاف من مصدر ثراء إلى مبرر للإلغاء، ويغدو "الآخر" هدفاً مشروعاً للتصفية أو النفي.

وتزداد المفارقة فداحة حين يتدثر هذا المشروع الإقصائي بعباءة الدين، في حين أن جوهر الرسالات السماوية قائم على الرحمة، والعدل، و"لتعارفوا" لا "لتناكروا". فالتطرف ليس تديناً زائداً، بل انحراف فكري ونفسي يسيء إلى الدين بقدر ما يسيء إلى المجتمعات.

إن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين أديان أو طوائف، بل بين من يؤمن بأن الأرض تتسع للجميع، ومن لا يرى فيها مكاناً إلا لصورته المنعكسة في المرآة. فإما أن نقتل ثقافة الإقصاء في عقولنا، أو نتركها تقتل التنوع، وتطرح مستقبلنا أرضاً.

ولكن..

 لم يحقق أخوة يوسف غرضهم إلا وقتياً.. في نهاية المطاف انتصر يوسف.. انتصر الخير والجمال.. وسينتصر جمال التعدد والتنوع والتسامح والعيش المشترك لا محالة.

قد يهمك