بث تجريبي

فتحي محمود يكتب: كُرد إيران بين الفرصة والمخاطرة

عاد الحديث عن أوضاع الكرد فى الشرق الأوسط خلال الأيام الأخيرة، بعد توارد أنباء عن إمكانية استغلال بعض القوى الكردية المعارضة فى إيران للحرب الحالية، والتحرك بدعم أمريكى لمحاولة إثارة الفوضى داخل إيران، مع إمكانية انضمام قوى كردية أخرى إليهم من العراق وسوريا وتركيا، وسط تصريحات متضاربة من أطراف متعددة، وحالة من الغموض تحيط بالحالة الكردية لدى قطاعات كبيرة من الرأى العام العربى.

والحقيقة أن الكرد شعب واحد عرقى ولغوى متميز (رابع أكبر مجموعة عرقية فى الشرق الأوسط، يُقدر عددهم بين 35 و45 مليون نسمة) من حيث الهوية القومية والشعور بالانتماء المشترك (خاصة فى مواجهة الاضطهاد التاريخى)، لكنهم ليسوا كتلة واحدة متجانسة سياسيًا أو أيديولوجيًا أو حتى تنظيميًا، والتعامل معهم كـ«مجموعة واحدة» يفتقر إلى الدقة، ويغفل التنافسات العميقة (أحيانًا العسكرية) بين التيارات، والاختلافات فى الأولويات حسب الدولة التى يعيشون داخل حدودها، والتنوع الدينى والمذهبى، والتباينات الأيديولوجية بين الأحزاب الكردية المتعددة؛ فبعضها يمثل تيارات متشددة منغلقة، وبعضها أكثر انفتاحًا، والبعض الآخر طرح رؤى مهمة للعيش المشترك مع الأنظمة الحاكمة فى إطار مفهوم «الأمة الديمقراطية».

لا يوجد إحصاء رسمى إيرانى يفصل الأعراق بدقة، لكن يُقدر عدد السكان الكرد فى إيران بنحو 10 إلى 12 مليون نسمة، يتركزون بشكل أساسى فى غرب إيران (المعروف تاريخيًا بـ«كردستان الشرقية»)، ويشكلون أغلبية سكانية فى عدة محافظات حدودية مع العراق وتركيا، كما توجد جالية كردية معزولة فى شمال شرق إيران (كرد خراسان)، وتعانى المناطق الكردية فى إيران مشكلات متراكمة سياسية واقتصادية وحقوقية وبيئية، أشد حدة المناطق الفارسية المركزية، أبرزها التمييز السياسى والقمع الأمنى (مثل عدم الاعتراف الدستورى بالحقوق الثقافية الكردية)، وعمليات القمع المستمرة واستخدام القوة المفرطة التى أسفرت عن آلاف القتلى والمعتقلين، إلى جانب المشكلات الاقتصادية؛ إذ تسجل المناطق الكردية أعلى معدلات البطالة فى إيران، وتعانى فقرا واسعا وتأخرا تنمويا مقارنة بإقليم كردستان العراق المجاور (رغم الروابط العائلية والثقافية)، والنقص الحاد فى المياه والجفاف، والتمييز ضد الأقليات فى الوظائف الحكومية والتعليم، وقد تفاقمت هذه المشكلات خلال الأزمة الاقتصادية والاحتجاجات منذ العام الماضى، حتى أصبحت المناطق الكردية مركزًا للتوتر الأمنى والعسكرى. بعد تصاعد الاحتجاجات الشعبية داخل إيران العام الماضى واستمرار تعقد الأوضاع، وقبيل اندلاع الحرب الحالية، أعلنت خمسة أحزاب كردية إيرانية رئيسية (مع انضمام سادس لاحقًا) فى 22 فبراير 2026 تشكيل «ائتلاف القوى السياسية لكردستان إيران»، وهى الحزب الديمقراطى الكردستانى الإيرانى، حزب الحياة الحرة الكردستانى، حزب حرية كردستان، منظمة نضال كردستان إيران، كومله (كادحو كردستان وفرع آخر)،وينسق هذا الائتلاف النشاط السياسى والميدانى (بما فى ذلك الاستعدادات العسكرية من قواعد فى إقليم كردستان العراق)، وأعلن أهدافه المشتركة فى بيانه التأسيسى، وهى العمل من أجل إسقاط النظام الذى يعتبرونه قد فقد شرعيته، وتحقيق حق الشعب الكردى فى تقرير المصير، ودعم نضالات المكونات الأخرى فى إيران، والمطالبة بفترة انتقالية ديمقراطية تشمل الاعتراف الرسمى بحقوق جميع المكونات القومية والدينية، مع رفض الديكتاتورية بكل أشكالها.

تؤكد معظم هذه الأحزاب أنها لا تسعى لتقسيم إيران، بل لإعادة هيكلة الدولة على أساس فيدرالى أو لا مركزى يضمن حقوق الأقليات (الكرد، البلوش، العرب، الأذريين، وغيرهم)، وتصف مطالبها بأنها حقوق داخل إيران ديمقراطية وليست انفصالية، وتعمل هذه الأحزاب المعارضة غالبًا من المنفى فى إقليم كردستان العراق (بسبب الحظر والقمع فى إيران)، لكن حزب الحياة الحرة الكردستانى (المرتبط أيديولوجيًا بحزب العمال الكردستاني) يمتلك قوات مسلحة داخل بعض مناطق كردستان إيران، بينما توجد معظم القوات العسكرية للأحزاب الأخرى فى كردستان العراق، وقد خاضت اشتباكات متقطعة مع الحرس الثورى الإيرانى خلال السنوات الماضية. وبعد اندلاع الحرب مؤخرًا، دعا مجلس حزب الحياة الحرة الكردستانى الشعب الكردى فى غرب إيران إلى تشكيل لجان إدارة ذاتية محلية فى جميع المجالات، ودعا الشباب إلى الانخراط فى صفوف قواته المسلحة، كما دعا جميع من بذلوا جهدًا وتضحيات فى نضال الحزب، وانفصلوا عنه لأى سبب أو انقطعت صلتهم التنظيمية، إلى إعادة التواصل مع الحزب فى هذا الظرف الحساس والعودة إلى العمل.

هل يعنى ذلك أن الكرد سيشاركون فى الحرب ضد النظام الإيراني؟ من واقع متابعة هذا الملف، يتبين أن كرد إيران لا يعتبرون أنفسهم جزءًا من الصراع بين إيران وأمريكا وإسرائيل، ولا يمتلكون القوة الكافية للتوغل فى عمق إيران، لكن إذا تطورت الأمور وحدث فراغ أمنى وإدارى فى المناطق الكردية، فمن المتوقع أن تحاول هذه القوى الاستفادة من الوضع، وبلورة إدارات وحماية للمناطق الكردية فقط.

وقد أعلنت حكومة إقليم كردستان العراق أنها تقف على الحياد، ولن تسمح بدخول قوات كردية إلى إيران، وأنها تحافظ على علاقاتها مع إيران وتركيا، خاصة فى ظل التصريحات التركية التى تعبر عن القلق والخوف من أى تحركات كردية، لكن الحقيقة أن الجميع ينتظر تطورات الحرب لتحديد موقفه النهائي.

وربما تشهد إيران انتفاضات شعبية إذا استمرت الحرب، لكنها ستكون فى مناطق الأحواز والأذريين والكرد والبلوش والفرس أيضًا، وليس فى المناطق الكردية وحدها، وقد تحاول أمريكا استغلال بعض القوى الكردية الإيرانية، لكن ذلك لن يكون سهلاً بسبب فقدان الكرد الثقة فى أمريكا، وشعورهم بأنها تستخدمهم عند الحاجة ثم تتخلى عنهم، على غرار ما حدث مع الإدارة الذاتية فى شمال وشرق سوريا وقوات سوريا الديمقراطية أخيرا.

--------

نقلاً عن جريدة الأهرام

قد يهمك