أيام معدودة ويحتفل الشعب الكردي بعيد النيروز، والذي يعد مناسبة وطنية من كل عام في 21 مارس للتأكيد على الهوية الثقافية والتاريخية للكرد، فضلًا عن رمزيته كشعلة متوهجة للحرية والانتصار على الظلم، وبما يعكسه من الإصرار على الحياة والانتصار للأمل وصناعة الفرح حتى في أصعب الظروف.
يأتي الاحتفال هذا العام وسط صراع تموج به المنطقة، وحرب بين طرفين غير مرتبطة بالقيم الأخلاقية أو القضايا العادلة، بل إنه صراع نفوذ على الموارد والممرات الاستراتيجية، فضلًا عن استغلال معاناة الإنسانية والقضايا التي نبحث لها عن حلول منذ حقبة من الزمن، وفي مقدمتهم القضية الكردية والفلسطينية، واللتين يتم استغلالهما كأوراق ضغط وتهديد وتفاوض لتعزيز المكاسب السياسية.
أتصور أن الاحتفال بالنيروز لهذا العام يمكن أن يعكس رغبة الشعوب في تجاوز منطق الصراع من خلال البحث عن مسارات جديدة تحقق الاستقرار للشعوب، من خلال التوجه نحو الديمقراطية الجديدة أو الكونفدرالية الديمقراطية أو النظم اللامركزية التعددية، كما يراها أغلب المحللين السياسيين اعتمادًا على صياغة عقد اجتماعي يتجاوز الدولة المركزية، وتتمثل أضلاعه في احتواء واحتضان كافة المكونات القومية والدينية بإنصاف لتتجاوز حدود وجمود الدولة القومية المركزية، وبحيث تحافظ على كرامة الإنسان وحقوق المجتمع كبوصلة أساسية لتحقيق البناء والتنمية والحرية والديمقراطية، في ظل اهتمام غير عادي بالمرأة لضمان أداء دورها المجتمعي وتصدر المشهد الاقتصادي والسياسي بكافة الأعمال.
والاحتفال بالنيروز خلال الأيام القليلة القادمة يمكن أن يكون فرصة للدعوة إلى السلام والحوار لتفادي الصراعات القائمة حاليًا بين القوى الإقليمية المختلفة، حيث تسعى القوى الدولية الكبرى لفرض صيغة جيوسياسية جديدة تضمن بها التحكم في منابع الطاقة وممرات الملاحة الدولية والمضايق الاستراتيجية.
ولا يمكن إغفال أن الاستراتيجية الأمريكية قائمة دومًا على إدارة التناقضات وتغذية النزاعات البينية بهدف إبقاء المنطقة تحت الوصاية الدائمة، وتوظيف مقدراتها وإمكانياتها لخدمة الأجندات الرأسمالية، في حين أصبح النموذج الإيراني كما يراه البعض يشكل عبئًا على الشعب الإيراني وعلى توازن المصالح الدولية المركزية نفسها.
وفي ظل تصادم المصالح للمنظومة الرأسمالية العالمية مع إصرار الدول القومية والدينية على الحكم التقليدي، أصبحت الحاجة ملحة للبحث عن بلورة مشروع ديمقراطي مجتمعي مستقل يتيح لشعوب المنطقة امتلاك إرادتها الحرة بإنجاز تحول ديمقراطي حقيقي يقودها للوصول إلى جمهورية ديمقراطية.
ربما يرى البعض أنه من المتصور لمنطقة الشرق الأوسط المستقبلية، والتي يحلم بها سكانها من المقيمين فيها، تحديد رغبتهم إزاء مصير الدولة القومية المركزية في مواجهة طموحات العولمة الرأسمالية التي تسعى لتحويل المنطقة إلى سوق مفتوحة وممرات لوجستية منزوعة السيادة، في حين نجد الطرف الثاني يبحث عن تدوير أزمات المنطقة عبر تصدير العنف.
والنماذج السياسية التقليدية الحالية وصلت لطريق مسدود، ولم تعد قادرة على تقديم حلول مستدامة للأزمات التي غالبًا ما تعصف بالمجتمعات.
حيث إن كلا القطبين المتصارعين يشتركان في تهميش الإرادة الشعبية الحية، في حين أن حرية الشعوب، والتي يذهب إليها الكثيرون في تقديراتهم، يرون أنها الضمانة الوحيدة لإنهاء حقبة التبعية والحروب الدائمة.
نأمل من الاحتفال بعيد النيروز للعام الحالي أن يساهم في دعم الشعوب للخروج من أزمتها الراهنة، لتجاوز منطق الصراع والبحث عن مسارات جديدة للاستقرار تتراجع فيه لغة السلاح والانتصار لقيم التسامح والتعايش، وبحيث يتحول النيروز لبداية ربيع جديد مشرق بالأمل، ويكون ركيزة للاستقرار بدلًا من الفوضى الخلاقة، وبديلًا للربيع العبري لضمان استعادة الإنسان لحقه في الأمن والاستمرار في الحياة.