بث تجريبي

جاكلين جرجس تكتب: 111 عاما على الإبادة الأرمنية

تُعتبر أحداث إبادة الأرمن على يد الحكومة العثمانية من أوائل جرائم الإبادة الجماعية في القرن العشرين، وقد كان لها تأثير كبير على تطور القانون الدولي ومفهوم الجرائم ضد الإنسانية.
بحسب المعطيات المتوفرة في محاضر اجتماعات الاتحاديين ومذكرات رجال الدولة وكبار الموظفين، فإن التحضيرات عملياً بدأت في عام 1914 بعد قرار الإدارة العثمانية بشأن تجنيد الذكور الأرمن من الفئات العمرية 20 إلى 45 سنة إجبارياً.
كما صدر في عام 1915 قرار أنور باشا بشأن القضاء على الجنود الأرمن ومصادرة أسلحتهم وتشغيلهم في أعمال شاقة وقتلهم بدم بارد. فكانت هذه الخطة بداية عمليات السلطات العثمانية الهادفة إلى تشتيت الأرمن، والتي سهلت تنفيذ الإبادة فيما بعد. بعد ذلك تم زج النساء والأطفال والعجزة في فخ الموت من دون حماية واستعداد للمقاومة، وقُتل معظمهم على الطرق أثناء التهجير والمشي لأسابيع، وتعرضوا لأبشع الفظائع.

في عام 1914 أجرى وزير الداخلية طلعت باشا اجتماعاً تم خلاله تشكيل “لجنة التنفيذ الثلاثية” بعضوية قادة حزب “الاتحاد والترقي” ناظم باشا وبهاء الدين شاكر وشكري، وأُعطيت لهذه اللجنة صلاحيات واسعة وأسلحة وأموال، وفُوضت للقيام بالتدابير اللازمة لتنفيذ ذلك المخطط الهمجي. وتم تشكيل فرق سُميت “الفرق الخاصة”، إحدى ثمرات المشروع المرعب وغير الإنساني، والتي كان قوامها مجرمين محترفين أُطلقوا من السجون. وأُرسلت هذه الفرق الإجرامية غالباً بقيادة أعضاء من الحزب الاتحادي إلى مناطق الأرمن، بهدف القيام بأعمال الشغب وإشعال فتيل النزاع بين الأرمن والقوميات المجاورة. كما أصدر طلعت باشا أوامر حاسمة وتعليمات خاصة بتهجير الأرمن، وأُبلغت جمعية “الاتحاد والترقي” كل فروعها في الولايات، وكل الحزبيين والمفتشين والمسؤولين عن تنفيذ تلك الأوامر، متهمين الأرمن بالفساد وتقديم المساعدات للروس وقيامهم بإثارة الفوضى في شتى مناطق الإمبراطورية وإرباك حركات الجيش العثماني….

أُضيف إلى ذلك بشاعة الممارسات التي نفذتها السلطات العثمانية ضد الأرمن، والتي جعلت المؤرخين يصنفونها كجريمة إبادة جماعية ممنهجة.
مثل مسيرات الموت، القتل الجماعي، التجويع المتعمد، استهداف النساء والأطفال، التدمير الثقافي والديني، المصادرة الاقتصادية.

في السنوات الأخيرة لم يزد عدد الدول التي اعترفت بالإبادة الأرمنية بشكل كبير، ولكن ظهرت مواقف سياسية ورمزية جديدة، مثل إحياء ذكرى الإبادة الأرمنية رسمياً، وزيارات المسؤولين للنصب التذكارية، واستخدام مصطلح الإبادة الجماعية في التصريحات السياسية.

ورغم مرور 111 عاماً على هذه الأحداث، إلا أن تلك القضية تكشف أن السياسة الدولية لا تعتمد فقط على العدالة التاريخية، بل تعتمد أيضاً على المصالح السياسية والاستراتيجية. ومن المؤكد أن إحياء الذاكرة ليس مجرد طقس رمزي، بل جزء من العدالة الانتقالية.
في واقع الأمر، كل ما تم ذكره سالفاً يحتاج إلى الإعلام الحر الذي يلعب دوراً مسؤولاً لكشف الانتهاكات مبكراً ومنع التعتيم على الجرائم. حتى الآن لا تزال الحقوق المهدرة تصرخ لأجل تحقيق العدالة وإحقاق حقوق هذا الشعب العريق، والعدالة تتحقق من خلال الاعتراف بما حدث دون إنكار أو تزييف.

---------

 جاكلين جرجس، مساعد تحرير جريدة "صوت بلادي" بالولايات المتّحدة الأمريكيّة

قد يهمك