تشهد مالي في عام 2026 واحدة من أخطر التحولات الأمنية في أفريقيا، حيث نجحت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة في استغلال الفوضى الدولية وتراجع الاهتمام الغربي بمنطقة الساحل، لتتحول من تنظيم مسلح إلى قوة شبه مهيمنة تهدد بإسقاط الدولة بالكامل.
ومع تصاعد الهجمات المنسقة، اليوم السبت 25 أبريل 2026، في عدة مدن، وسقوط العاصمة باماكو في قبضة الجماعة، دخلت البلاد مرحلة فارقة قد تعيد تشكيل خريطة الإرهاب في القارة.
ورغم الفيديو المنتشر الذي يوضح دخول عناصر الجماعة للقصر الرئاسي، إلا أن المصادر الدولية لا تؤكد حتى الآن سقوطًا كاملًا للعاصمة باماكو، بل تشير إلى تصعيد خطير وعمليات واسعة تهدد بانهيار الدولة إذا استمرت بنفس الوتيرة.
في خلفية هذا المشهد
لعبت التحولات الدولية دورًا حاسمًا في تمكين القاعدة من التمدد، فقد أدى انشغال الولايات المتحدة بصراعات أخرى، وتراجع الحضور العسكري الغربي في الساحل، خاصة بعد انسحاب فرنسا، إلى خلق فراغ أمني كبير استغلته الجماعات المسلحة بسرعة.
هذا الفراغ سمح لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين بتوسيع نطاق عملياتها، وبناء تحالفات محلية مع جماعات مسلحة أخرى، ما منحها قدرة أكبر على السيطرة الميدانية والتغلغل داخل المجتمع.
من هنا بدأ سقوط مالي
بدأت عملية سقوط مالي تدريجيًا منذ سنوات، حيث ركزت الجماعة في المرحلة الأولى على التمدد في المناطق الريفية والنائية، مستفيدة من ضعف الدولة وغياب الخدمات.
ثم انتقلت إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تمثلت في فرض حصار اقتصادي على العاصمة، فمنذ عام 2024 كثفت الجماعة هجماتها على قوافل الوقود وطرق الإمداد، ما أدى إلى خنق العاصمة باماكو اقتصاديًا وتعطيل الحياة اليومية فيها.
وهذا التكتيك لم يكن عسكريًا بقدر ما كان استراتيجيًا، إذ استهدف إضعاف الدولة من الداخل دون الدخول في مواجهة مباشرة مكلفة.
تصاعد الأزمة
مع تصاعد الحصار خلال عام 2025، تفاقمت الأزمة بشكل غير مسبوق، حيث أدى نقص الوقود إلى شلل اقتصادي، وإغلاق المدارس، وتعطل المؤسسات الحكومية، وارتفاع الأسعار بشكل حاد.
كما تسببت الهجمات على الشاحنات في قطع الإمدادات الحيوية القادمة من دول الجوار، وهو ما عمّق حالة الغضب الشعبي وأضعف ثقة المواطنين في السلطة الحاكمة.
حكومة موازية داخل مالي
في هذه المرحلة، لم تكتف الجماعة بالحصار، بل بدأت في ترسيخ وجودها داخل المجتمع من خلال فرض الجبايات، وإنشاء هياكل حكم محلية، وتقديم خدمات بديلة في المناطق التي تسيطر عليها.
وقد ساعدها ذلك على التحول من مجرد تنظيم مسلح إلى سلطة أمر واقع في أجزاء واسعة من البلاد، وهو نهج يعكس استراتيجية القاعدة طويلة المدى القائمة على التغلغل التدريجي بدل السيطرة المفاجئة.
ومع بداية عام 2026، دخلت الأزمة مرحلتها الأخطر، حيث تصاعدت الهجمات النوعية ضد الجيش المالي، بما في ذلك السيطرة على مواقع عسكرية وتنفيذ عمليات متزامنة في عدة مناطق.
وتجسد ذلك في هجوم واسع النطاق في أبريل 2026 استهدف العاصمة ومدنًا رئيسية، في محاولة لإظهار القدرة على إسقاط الدولة أو فرض واقع سياسي جديد.
كيف سقطت مالي؟
تُفسر خصوصية الحالة المالية بعدة عوامل، أبرزها الموقع الجغرافي الحساس في قلب الساحل، وحدودها المفتوحة مع دول تعاني هشاشة أمنية، إضافة إلى تاريخ طويل من الانقلابات وعدم الاستقرار السياسي.
كما أن انسحاب القوى الغربية وتراجع الدعم الدولي ساهما في تسريع انهيار مؤسسات الدولة، ما جعل مالي مرشحة لأن تصبح أول نموذج لدولة تخضع فعليًا لنفوذ القاعدة في أفريقيا.
تداعيات إقليمية خطيرة
تداعيات هذا السيناريو لا تقتصر على مالي فقط، بل تمتد إلى منطقة الساحل بأكملها، حيث قد تتحول إلى بؤرة جديدة للإرهاب العابر للحدود، مع تهديد مباشر لدول الجوار مثل النيجر وبوركينا فاسو.
كما أن انهيار الدولة سيؤدي إلى موجات هجرة غير شرعية نحو أوروبا، ويمنح التنظيمات المتطرفة منصة جديدة لإعادة التموضع عالميًا.
تحول القاعدة نحو الانتشار والتمدد
في المحصلة، ما يحدث في مالي يمثل تحولًا استراتيجيًا في طبيعة عمل تنظيم القاعدة، حيث انتقلت من نموذج “الضرب والاختفاء” إلى مشروع “بناء الدولة عبر الإنهاك”.
وبينما لا تزال معركة باماكو لم تُحسم بشكل كامل وفق المعطيات المؤكدة، فإن ميزان القوى في الساحل الأفريقي يتغير بسرعة، وأن مالي باتت على حافة تحول تاريخي قد يعيد رسم خريطة الإرهاب في القارة.
نقلاً عن البوابة نيوز...