قال الكاتب والناشط السياسي الكردي نورالدين عمر، في تصريحات خاصة لموقع "المبادرة"، إن ملف العلاقة بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني يعد من أكثر الملفات تعقيداً وحساسية، مشيراً إلى أن جدلية "السلاح أولاً أم الإجراءات القانونية أولاً" تمس العصب الرئيسي لتعثر معظم مسارات السلام حول العالم، وليس فقط في كردستان وتركيا.
وأوضح عمر أن النظام التركي يزعم أن مطلب "نزع السلاح أولاً" منطقي تماماً ويمثل سيادة الدولة، إذ ترى أن نزع السلاح يعد إثباتاً للجدية وحسن النوايا، وأن بقاء السلاح يمكن أن يُستخدم كأداة ضغط أو تهديد لفرض شروط سياسية أثناء المفاوضات.
افتقار للواقعية
وأضاف أن هذا المطلب، من الناحية العملية، يفتقر إلى الواقعية إذا طُبّق كشرط مسبق، موضحاً أن حزب العمال الكردستاني يرى في سلاحه ورقة ضغط، وأن التخلي عنه قبل الحصول على ضمانات دستورية أو قانونية ملموسة يُعد بمثابة "استسلام غير مشروط" وليس عملية سلام.
وأشار إلى أن الإصرار على التخلي عن السلاح كشرط مسبق، وليس كأحد مخرجات العملية السياسية، سيؤدي إلى نتائج سلبية تؤثر بعمق على مسار السلام، لافتاً إلى أن العمليات السياسية تُبنى على الثقة التدريجية، وأن مطالبة الدولة التركية للحزب بالتخلي عن قوته الضامنة قبل تقديم أي تنازل قانوني أو سياسي ستولد حتماً حالة من القلق لدى الحزب من احتمال الغدر أو التراجع بعد تجريده من سلاحه.
حالة من الجمود
وأكد أن هذا الأمر يقود مباشرة إلى حالة الجمود الحالية، مذكراً بأن شلل المفاوضات وجمود الخطوات خلال تجربة "مسيرة الحل" التي انطلقت بين عامي 2013 و2015 كان هذا الخلاف أحد أبرز أسباب انهيارها.
ورأى عمر أن المطالب الصارمة تضعف أيضاً موقف الداعين إلى السلام، وتقوي يد الصقور أو الجناح العسكري لدى الكرد، الذين سيقولون إن الدولة لا تريد سلاماً بل تسعى إلى سحقهم، فيما يستغل القوميون الأتراك أي رفض لإلقاء السلاح للقول إن الحزب لا يريد السلام وإنما يسعى إلى كسب الوقت.
الخطوات المتدرجة
وفيما يتعلق بإمكانية حل هذه المعضلة، أوضح أن التجارب الناجحة حول العالم، مثل اتفاق أيرلندا الشمالية مع الجيش الجمهوري الأيرلندي واتفاق السلام في كولومبيا مع حركة "فارك"، لم تعتمد صيغة "السلاح أولاً" ولا "القانون أولاً"، وإنما قامت على مبدأ التزامن والخطوات المتبادلة والمتدرجة.
وبيّن أن ذلك يتم عبر وضع جدول زمني دقيق، بحيث تقوم الدولة بخطوة قانونية، مثل العفو أو الاعتراف السياسي أو تحسين ظروف الاعتقال، وفي اليوم نفسه يقوم حزب العمال الكردستاني بتسليم نسبة معينة من سلاحه إلى جهة ثالثة محايدة أو إيداعه في مخازن تخضع للرقابة.
ولفت إلى وجود إشكالية أخرى تتمثل في غياب طرف ثالث موثوق أو جهة دولية تشرف على عملية تسليم السلاح، معتبراً أن تطبيق مطلب "السلاح أولاً" يبدو شبه مستحيل في ظل عدم ثقة حزب العمال الكردستاني في تسليم سلاحه مباشرة إلى الجيش التركي من دون ضمانات.
طلب غير منطقي
وشدد عمر على أن مطلب النظام التركي، رغم استناده إلى مزاعم سيادية وقانونية، غير منطقي عملياً وسياسياً إذا أُريد لعملية السلام أن تنجح، مؤكداً أن الإصرار عليه كشرط مسبق، وليس كهدف نهائي للمفاوضات، يعني استمرار حالة الجمود والانسداد السياسي التي تشهدها المرحلة الأخيرة.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على ضرورة إصرار الكرد على عملية السلام وترك الخيار العسكري نهائياً، مع تصعيد النضال السياسي والجماهيري والدبلوماسي في مواجهة الشوفينية والعنصرية المتجذرة في أغلب دوائر الدولة والأحزاب السياسية.