يشهد لبنان مرحلة سياسية وأمنية حساسة، مع تزامن التحركات الدبلوماسية في واشنطن مع التطورات الميدانية في الجنوب، وسط تساؤلات حول قدرة الدولة اللبنانية على تثبيت مسار سيادي جديد، أو الدخول في مرحلة طويلة من الترتيبات الأمنية المؤقتة.
ثلاثة مسارات ترسم مستقبل المشهد اللبناني
تتداخل في المشهد اللبناني الحالي ثلاثة مسارات رئيسية؛ أولها التحرك السياسي الذي يقوده رئيس الجمهورية جوزاف عون في واشنطن، حيث يسعى إلى الحصول على دعم أمريكي لتعزيز قدرات الجيش اللبناني ودفع عجلة التعافي الاقتصادي.
أما المسار الثاني، فيرتبط بالخطوات الميدانية التي اتخذتها الدولة اللبنانية، بعد زيارة رئيس الحكومة نواف سلام وقائد الجيش اللواء جوزيف هيكل إلى بلدة زوطر الغربية ورفع العلم اللبناني فيها، في خطوة اعتُبرت تطبيقًا عمليًا لفكرة المناطق التجريبية.
في المقابل، يبرز المسار الثالث عبر التحركات الإسرائيلية جنوب لبنان، مع استمرار الحديث عن تثبيت ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" وفرض ترتيبات أمنية جديدة، بالتزامن مع التحضير لمفاوضات ثلاثية مرتقبة في روما خلال أغسطس المقبل.
خلاف حول مفهوم المناطق التجريبية
وتختلف رؤية بيروت وتل أبيب لطبيعة المناطق التجريبية؛ إذ تعتبرها السلطات اللبنانية خطوة أولى نحو انسحاب تدريجي كامل وفق جدول زمني واضح، بينما تنظر إليها إسرائيل باعتبارها آلية لاختبار قدرة الدولة اللبنانية على ضبط الوضع الأمني.
وتشير التطورات الميدانية إلى استمرار التوتر، في ظل تسجيل حوادث إطلاق نار قرب مواقع الجيش اللبناني، إلى جانب عمليات هدم وتحصين وشق طرق في عدد من المناطق الجنوبية، ما يثير مخاوف لبنانية من تحويل الترتيبات المؤقتة إلى واقع أمني دائم.
الجيش والإعمار.. معركة استعادة الدولة
ويرتبط نجاح أي انتشار للجيش اللبناني بعودة الحياة إلى المناطق الجنوبية، إذ ترى بيروت أن تعزيز حضور الدولة لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يحتاج إلى إعادة إعمار وتأمين الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء، لمنع ظهور فراغات قد تعيد التوتر إلى المنطقة.
رهان لبناني على الدور الأمريكي
ويتركز الرهان اللبناني على قدرة الإدارة الأمريكية على تحويل المواقف الداعمة للانسحاب إلى خطوات عملية تضمن تثبيت الاستقرار، خصوصًا مع تأكيدات أمريكية بشأن دعم لبنان، في وقت شدد فيه رئيس مجلس النواب نبيه بري على أن النتائج الميدانية هي المعيار الحقيقي لأي تفاهمات.
في المقابل، تسعى إسرائيل إلى ربط مراحل الانسحاب بمطالب تتعلق بسلاح حزب الله، ما يضع الدولة اللبنانية أمام تحديات سياسية وأمنية معقدة تتطلب توافقًا داخليًا ودعمًا دوليًا.
مفاوضات روما تحدد المسار المقبل
وتتجه الأنظار إلى مفاوضات روما المرتقبة باعتبارها محطة مفصلية قد تحدد مستقبل الترتيبات الأمنية والسياسية في الجنوب، ومدى قدرة الأطراف على تحويل التفاهمات إلى إجراءات عملية.
ويبقى مستقبل لبنان مرتبطًا بقدرة الدولة على تثبيت سيادتها ومنع تحول الإجراءات المؤقتة إلى واقع دائم، وصولًا إلى مرحلة تستند إلى نتائج ملموسة بدل الاكتفاء بالوعود السياسية.
من زوايا العالم