بث تجريبي

ثروت الخرباوي يكتب: فلسفة الحكم في القرآن

إن الأزمات الكبرى التي تعصف بالعقل العربي المعاصر لا يمكن ردّها إلى السياسة أو الاقتصاد وحدهما، بل هي - في جوهرها العميق - أزمة لسان، وانحراف دلالي أصاب المفاهيم المؤسسة للتصور الديني والمدني معاً.

ذلك أن الكلمة حين تنزاح عن معناها الأول، لا تغيّر مجرد دلالتها، بل تعيد تشكيل الوعي الذي يحملها، وتعيد ترتيب الواقع الذي تتحرك فيه. ولعل مفردة «الحُكم» كما وردت في القرآن الكريم تمثل النموذج الأبرز لهذا الارتباك المعرفي الذي تمدد عبر القرون حتى استقر في بنية التفكير العربي المعاصر.. فخرج علينا من يقولون: نحن لا نُحكم بالإسلام، ونريد تطبيق الشريعة في حكم البلاد.

تبدأ الإشكالية من اقتطاع الآيات من سياقها، وأشهرها قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}. هذه الآية، لم تكن خطاباً حول شكل الدولة أو نظام الإدارة، ولكن المقصود بـ«الحكم بما أنزل الله» هنا هو الالتزام بالعدل في القضاء، لا إقامة نموذج سياسي بعينه أو نظام حكم محدد.

غير أن القراءة المنحرفة نزعت الآية من سياقها القضائي، وعمّمتها بشكل مطلق، فجعلت منها معياراً للحكم على المجتمعات والدول والأفراد. وهكذا تحوّل النص من ميزان لإقامة العدل إلى أداة لإصدار أحكام التكفير. ولم يتوقف الأمر عند حدود التأويل، بل تجاوزه إلى بناء تصور كامل يرى أن كل نظام لا يطابق تصوراً معيناً «لتطبيق الشريعة» هو بالضرورة خارج عن الدين.

وبذلك يُختزل الدين في صورة نظام، ويُختزل النص في قراءة واحدة، وتُغلق أبواب الاجتهاد، ويتحوّل التنوع إلى انحراف، والاختلاف إلى خروج.

والأخطر من ذلك أن هذا الفهم لا يكتفي بإعادة تفسير النص، بل يعيد تشكيل الواقع على أساسه، فينتج حالة من القطيعة بين الإنسان ومدنية الدولة، حيث يتحول الخطاب الديني من مجال للهداية إلى أداة للإدانة، ومن دعوة إلى العدل إلى منصة لإصدار الأحكام.

فإذا تركنا الجدل النظري، ونظرنا ببساطة إلى اللسان القرآني، سنجد أن كلمة «الحُكم» لها معنى واضح لا لبس فيه، هو الفصل بين الناس عند النزاع، فالحُكم في القرآن يأتي على صورتين فقط؛ إما حُكم لله، وهو الفصل النهائي بين الخلق يوم القيامة، وهو أمر لا يشاركه فيه أحد، وإما حُكم للبشر، وهو حق الإنسان في أن يضع نظاماً للفصل بين المتخاصمين بالعدل.

وبعبارة أبسط: الحُكم في القرآن ليس إدارة دولة، ولا قيادة سلطة، بل هو «العدل عند الفصل بين الناس» في منازعاتهم.

ولم يكن «الحُكم» في النص القرآني مرادفاً يوماً للسلطة الزمنية، ولا للإدارة البشرية، ولا للكرسي السياسي. بل إن القرآن، في دقته التعبيرية، أفرد لهذه المعاني مصطلحات مغايرة تماماً، كالملك، والإمامة، والولاية، وأولي الأمر. وهي جميعاً مفاهيم تشير إلى وظائف بشرية تنظيمية، تخضع لمعايير الكفاءة والعدل، ولا تستند إلى تفويض غيبي يمنحها قداسة مطلقة.

غير أن التاريخ السياسي لم يترك الكلمة في طهرها اللساني الأول، بل سحبها إلى أتون الصراع. وكانت البداية مع الخوارج حين رفعوا شعار «لا حُكم إلا لله» في سياق المواجهة مع علي بن أبي طالب، محوّلين المصطلح من دلالته القضائية إلى أداة لانتزاع الشرعية السياسية، ومن هنا بدأت أولى عمليات «تسييس» المفهوم، حيث جرى تأميمه لصالح الصراع، لا لصالح المعنى.

ثم جاءت مرحلة التدوين الفقهي لتُكرّس هذا التحول. ففي كتاب «الأحكام السلطانية» للماوردي لم يكن الهدف للماوردي مجرد وصف الواقع، بل تقنينه وإضفاء الشرعية الدينية عليه، فقام بتوسيع مفهوم «الأحكام» ليشمل كل شئون الدولة: من الجباية إلى الحرب، ومن الإدارة إلى التعيينات، وهكذا تغيّر المعنى فلم يعد «الحُكم» مجرد فصل بين متخاصمين، بل أصبح يعني إدارة الدولة كلها.

وبهذا الانتقال، اكتسبت السلطة السياسية طابعاً دينياً، رغم أنها في الأصل عمل بشري إداري، لا يحمل هذه القداسة في اللسان القرآني.

لكن هذا التوسّع لم يكن مجرد تطور لغوي، بل كان تحوّلاً معرفياً، إذ أدى إلى خلط بين مستويين مختلفين: مستوى القيم المطلقة، ومستوى الممارسات النسبية، فصار ما هو اجتهادي يُقدَّم بوصفه قطعياً، وما هو تاريخي يُصوَّر على أنه أبدي. ومع الزمن، ترسّخ هذا الخلط في الوعي العام، حتى أصبح من الصعب تفكيكه.

وفي العصر الحديث، ومع صدمة الحداثة وظهور الدولة الوطنية، عاد هذا المفهوم إلى الواجهة في صورة أكثر تحديداً، من خلال فكرة «الحاكمية». وهنا بلغ الالتباس ذروته، إذ جرى دمج مفهوم السيادة السياسية الحديثة بفكرة الحكم الإلهي، دون تمييز بين المجالين. فصار الحديث عن «حكم الله» لا يشير إلى القيم العليا أو المقاصد العامة، بل إلى تفاصيل الإدارة اليومية.

هذا الدمج أنتج إشكاليات عميقة، لأنه حمّل الفعل السياسي - بطبيعته المتغيرة - عبئاً مطلقاً لا يحتمله. فبدل أن يكون مجالاً للتجربة والخطأ، أصبح مجالاً للادعاء واليقين. وبدل أن يُحاسَب الحاكم على أساس ما يحققه من عدل ونفع، صار يُقيَّم على أساس ما يدّعيه من تمثيل إلهي.

ولعل النموذج القرآني في قصة يوسف، عليه السلام، يكشف هذا الخلط بجلاء. فحين قال: «إن الحكم إلا لله»، كان يتحدث عن التوحيد ونفي الشرك في مستواه العقائدي، لا عن إدارة الدولة. وحين تولى مسئولية «عزيز مصر»، مارس إدارة بشرية خالصة، قائمة على التخطيط والتدبير ومواجهة الأزمات، دون أن يزعم أن فعله الإداري هو «حكم إلهي». وهنا يتجلى الفارق بين المرجعية والقابلية للتطبيق، بين القيمة المطلقة والفعل النسبي.

إن تحرير مفهوم «الحُكم» من هذا التغيير الدلالي لا يعني نزع الدين من الحياة، بل يعني إعادته إلى مجاله الطبيعي، وهو مجال القيم والهداية. كما أن إعادة السياسة إلى كونها فعلاً بشرياً لا تعني إقصاء الأخلاق، بل تعني إخضاعها للمساءلة، ورفعها من دائرة الادعاء إلى دائرة المسئولية.

فالدولة، في جوهرها، ليست كياناً دينياً، ولكنها كيان سياسي وقانوني ذو سيادة، ينظم مجتمعاً من الأفراد (الشعب) يعيشون على إقليم جغرافي محدد، وتدير شئونهم سلطة إدارية تفرض النظام والقانون لتحقيق العدل؛ وهذا العدل، وإن كان قيمة دينية، إلا أنه أيضاً قيمة إنسانية يدركها العقل، وتؤكدها التجربة، ويضبطها القانون.

وحين ننجح في إعادة «الحُكم» إلى موضعه الطبيعي، بوصفه ميزاناً للعدل لا أداة للسيطرة، يمكن عندها أن نستعيد قدراً من التوازن المفقود، وأن نفتح أفقاً جديداً لفهم الدين والسياسة معاً، فهماً يقوم على التمييز لا الخلط، وعلى المسئولية لا الادعاء، وعلى العدل لا الشعار.

===

المقال نقلاً عن جريدة الوطن المصرية

قد يهمك