بث تجريبي

محمد صابر يكتب: دبلوماسية تحت الظل.. سوريا بين انفتاح أوروبي وضغط النفوذ التركي

تأتي الجولة الأوروبية التي قام بها الرئيس السوري "أحمد الشرع" إلى ألمانيا في ٣٠ مارس المنقضي، ثم إلى المملكة المتحدة في ٣١ مارس بوصفها لحظة مكثفة لاختبار قدرة الدولة السورية الجديدة على إعادة تعريف موقعها داخل النظام الدولي، ليس فقط عبر كسر العزلة الدبلوماسية، بل من خلال إعادة صياغة شبكة علاقاتها الخارجية وفق منطق مختلف عن المرحلة السابقة. فقد شملت الزيارة في برلين لقاءً مع الرئيس "فرانك-فالتر شتاينماير" والمستشار "فريدريش ميرتس"، إلى جانب المشاركة في منتدى اقتصادي سوري-ألماني طُرحت فيه مبادرات مثل "الهجرة الدائرية"، فيما انتقل إلى لندن حيث التقى الملك "تشارلز الثالث" في قصر باكنغهام، ورئيس الوزراء "كير ستارمر" في داونينغ ستريت، وألقى خطابًا في تشاتام هاوس، في تحرك يعكس محاولة واضحة لإعادة بناء قنوات الاتصال مع أوروبا الغربية.

غير أن مجمل هذه التحركات، وبالرغم من كثافتها الرمزية والسياسية، لا يمكن فصلها عن السياق الإقليمي الأوسع الذي يتسم بتصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما يعيد تشكيل المجال الجيوسياسي لسوريا كمنطقة تماس بين قوى متصارعة. في هذا السياق، يبدو الانفتاح الأوروبي أقرب إلى محاولة لإعادة التموضع داخل شبكة توازنات معقدة، وليس خروجًا كاملًا من دائرة الصراع، خاصة في ظل استمرار تداخل النفوذ الخارجي داخل البنية الداخلية للدولة.

واللافت هنا أن هذا التحرك يتم في ظل واقع ميداني وسياسي يتسم بحضور تركي كثيف، حيث تمثل تركيا الفاعل الأكثر تأثيرًا في إعادة تشكيل المجال السوري بعد 2024، سواء عبر الدعم السياسي الذي ساهم في صعود النخبة الحاكمة، أو عبر النفوذ الأمني في الشمال. ومن ثم، فإن أي قراءة للانفتاح الأوروبي يجب أن تنطلق من إدراك أن القرار السوري لا يتحرك في فراغ، بل ضمن حدود يفرضها توازن دقيق بين الحاجة إلى الشرعية الدولية، ومتطلبات الحفاظ على شبكة التحالفات القائمة.

تفكيك المركز:

يعكس المسار الذي اتخذته دمشق في تحركها الأوروبي تحولًا في بنية المركز الذي كان تاريخيًا محددًا بعلاقات صلبة مع إيران وروسيا، حيث كانت وظيفة الدولة السورية ضمن هذا الإطار مرتبطة بدور إقليمي يتجاوز حدودها الوطنية. غير أن التغيرات التي أعقبت 2024، خاصة مع تراجع الانخراط الروسي وتزايد الضغوط على إيران، أدت إلى تفكك هذا المركز، ما أوجد فراغًا نسبيًا في بنية القرار.

في هذا الفراغ، برزت تركيا كفاعل قادر على إعادة تشكيل موازين القوة داخل سوريا، ليس عبر الهيمنة المباشرة، بل من خلال بناء شبكة تأثير متعددة المستويات تشمل الدعم العسكري غير المباشر، والتأثير في الترتيبات السياسية خاصًة بعد سيطرة هيئة تحرير الشام على الحكم، وإدارة مناطق نفوذ في الشمال. هذا الحضور أعاد تعريف المركز من كونه نقطة سيادية مستقلة إلى كونه بنية موزعة تتقاطع فيها مستويات القرار بين الداخل والخارج.

وبالتالي، فإن التحرك نحو أوروبا لا يمكن فهمه كخيار مستقل بالكامل، بل كجزء من محاولة لإعادة توزيع الاعتماد الخارجي، بحيث تسعى دمشق إلى خلق توازن بين الفاعلين الدوليين والإقليميين. غير أن هذا التوازن يظل هشًا، لأنه يعتمد على قدرة الدولة على إدارة علاقاتها دون فقدان السيطرة على قرارها الداخلي، في ظل استمرار تأثير الفاعل التركي كعنصر محدد في هذه المعادلة، إلى جانب استمرار التوغل الإسرائيلي في الجنوب، وضعف إدارة المصالحة السياسية في سوريا والتي تتطلب عدالة كاملة بين كافة المكونات السورية.

توازن مقيد:

يمثل الانفتاح السوري على أوروبا انتقالًا من نمط التحالفات الصلبة إلى نمط أكثر مرونة، لكنه انتقال يجري داخل بيئة مقيدة ببنية نفوذ قائمة، حيث يظل الدور التركي وفق ما يتضح سابقًا عاملًا حاسمًا في تحديد حدود الحركة. وقد عكست اللقاءات في برلين ولندن رسائل متعددة، من بينها التركيز على إعادة الإعمار، وملف اللاجئين، وإعادة دمج سوريا اقتصاديًا، لكن هذه الرسائل تخفي وراءها ديناميكيات أكثر تعقيدًا يمكن تفكيكها على النحو التالي:

(١) نفوذ ممتد: يمتد تأثير تركيا إلى مستويات تتجاوز الدعم السياسي، ليشمل إعادة تشكيل البيئة الأمنية والإدارية في مناطق واسعة من الشمال، ما يجعل أي قرار سوري مرتبطًا بشكل غير مباشر بمراعاة المصالح التركية، خاصة في القضايا الحساسة.

(٢) عقدة القضية الكردية: يشكل الملف الكردي نقطة التقاء بين الضغوط الأوروبية والاعتبارات التركية، حيث تطالب أوروبا بضمان حقوق كافة المكونات، في حين ترى تركيا في أي تمكين كردي تهديدًا لأمنها القومي. هذا التناقض يضع دمشق في موقع الوسيط المقيد، الذي يسعى لتحقيق توازن دون امتلاك حرية كاملة في اتخاذ القرار.

(٣) شرعية مشروطة: اللقاءات مع "فريدريش ميرتس" و"كير ستارمر" عكست استعدادًا أوروبيًا للانخراط، لكنه مشروط بإصلاحات داخلية، ما يحول الشرعية الدولية إلى أداة ضغط لإعادة تشكيل البنية الداخلية للدولة.

(4) حياد محسوب: تصريحات الرئيس السوري "أحمد الشرع" في تشاتام هاوس بشأن عدم الانخراط في صراع إيران تعكس محاولة لتبني حياد انتقائي، يهدف إلى تقليل المخاطر دون قطع العلاقات بشكل كامل.

(٥) مخاطرة التوازن: السعي لتحقيق توازن بين أوروبا وتركيا يحمل خطر الانزلاق إلى حالة من عدم الاستقرار، حيث قد يؤدي أي اختلال في هذا التوازن إلى فقدان دعم أحد الأطراف دون ضمان تعويضه من الطرف الآخر.

السيادة المقيدة:

تكشف الجولة الأوروبية عن مفارقة بنيوية في الحالة السورية، حيث يتزامن الانفتاح الخارجي مع استمرار القيود الداخلية على القرار السيادي. وبينما تسعى دمشق إلى تقديم نفسها كشريك دولي قابل للتعامل، تظل قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة محدودة بفعل تداخل النفوذ الخارجي، خاصة من جانب تركيا.

هذا التداخل يظهر بوضوح في القضايا التي طُرحت خلال الزيارة، مثل إعادة الإعمار وعودة اللاجئين، حيث تتطلب هذه الملفات درجة من الاستقرار والسيطرة لا تزال موضع اختبار. كما أن التفاعل مع المطالب الأوروبية، خاصة فيما يتعلق بحقوق المكونات، يفرض على الدولة إعادة النظر في سياساتها الداخلية، ما يربط بين الإصلاح الداخلي والانخراط الخارجي بشكل عضوي.

في الوقت ذاته، فإن محاولة الابتعاد عن إيران دون خلق فراغ أمني أو سياسي تضيف بعدًا آخر لهذه المعادلة، حيث تصبح السياسة الخارجية عملية موازنة مستمرة بين تقليل الاعتماد على محور معين، والحفاظ على قدر من الاستقرار. ومن ثم، فإن القرار السوري لا يُنتج داخل مركز واحد، بل يتشكل عبر تفاعل معقد بين الداخل والخارج.

وختامًا، يمكن القول إن الجولة الأوروبية لسوريا نهاية مارس 2026 تعكس محاولة لإعادة تعريف موقع الدولة داخل النظام الدولي، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن حدود هذا التحول في ظل استمرار بنية نفوذ إقليمي معقدة. فبينما نجحت دمشق في فتح قنوات اتصال مع أوروبا، وتقديم نفسها كشريك محتمل، يظل هذا الانفتاح محكومًا بقيود داخلية وخارجية تحدد سقف الممكن.

وفي هذا السياق، لا يمكن الحديث عن استقلال كامل في القرار، بل عن عملية مستمرة لإدارة التوازنات، حيث تتقاطع تأثيرات تركيا مع الضغوط الأوروبية، ومع محاولات الابتعاد عن إيران. ومن ثم، فإن مستقبل هذا التموضع سيعتمد على قدرة دمشق على تحويل هذا التوازن الهش إلى صيغة أكثر استقرارًا، أو على الأقل الحفاظ عليه دون الانزلاق إلى فقدان السيطرة، في بيئة إقليمية ودولية تظل مفتوحة على احتمالات متعددة.

قد يهمك