لم يعد ملف العلاقة بين دمشق وواشنطن أو بين دمشق وأنقرة يُدار بوصفه مسارًا دبلوماسيًا تقليديًا، بل بات يتحرك داخل شبكة ضغوط متقاطعة تعيد تعريف موقع السلطة السورية نفسها. فبعد 2025، دخلت سوريا مرحلة جديدة لا تقوم على استعادة السيادة بقدر ما تقوم على إعادة توزيعها ضمن توازنات إقليمية ودولية معقدة، حيث تحولت قضية قوات سوريا الديمقراطية "قسد" من ملف أمني إلى عقدة استراتيجية تحدد شكل العلاقة بين دمشق وكل من تركيا والولايات المتحدة.
وتتعقد هذه المعادلة مع التحول الذي طرأ على السياسة الأمريكية بعد عودة "دونالد ترامب"، حيث أصبح ملف العقوبات جزءًا من آلية إعادة هندسة السلوك السياسي السوري، وليس مجرد أداة عقابية تقليدية، فعلى الرغم من أن إدارة "ترامب" دفعت باتجاه تخفيف جزء من القيود الاقتصادية ورفعت أجزاء من منظومة العقوبات المرتبطة بقانون قيصر، إلا أن هذا المسار لم يكن مجانيًا، بل ارتبط بشكل مباشر بإعادة تعريف العلاقة بين دمشق و"قسد" ضمن تصور أمريكي أوسع للاستقرار.
بينما تتحرك تركيا وفق منطق مختلف، يقوم على فرض حل أمني كامل للمسألة الكردية، يضمن تفكيك البنية العسكرية والإدارية لـ"قسد" بصورة نهائية. وهكذا تجد دمشق نفسها داخل معادلة مستحيلة، بأن أي تنازل لواشنطن يُفسر تركيًا كتهديد أمني، وأي انحياز للرؤية التركية يهدد بإعادة إنتاج الضغوط الغربية والعقوبات.
وتأسيسًا على ما سبق، لا يعكس المشهد الحالي استقلالية قرار بقدر ما يعكس محاولة مستمرة لإدارة ضغوط متعارضة دون القدرة على حسمها، ما يجعل ملف "قسد" أكثر من مجرد ملف أمني؛ بل اختبار لبنية الدولة السورية الجديدة، ولطبيعة السيادة الممكنة في مرحلة ما بعد الحرب، حيث لم تعد الدولة مركزًا مكتمل السلطة، بل عقدة داخل شبكة ترتيبات إقليمية ودولية متداخلة. وبذلك، فإن فهم الأزمة الحالية لا يمكن أن يتم عبر قراءة التفاهمات المعلنة فقط، بل عبر تفكيك البنية التي تتحرك داخلها هذه التفاهمات، وحدود القرار الفعلي لكل طرف.
واشنطن والعقوبات:
ولا تتعامل إدارة "ترامب" مع رفع العقوبات باعتباره نهاية لمسار العزل، بل كبداية لمرحلة جديدة من إعادة هندسة القرار السوري وفق شروط محددة تتعلق بشكل النظام الأمني والسياسي في الشمال الشرقي، إذ أن هذا الرفع جاء في سياق متدرج وموثق، ففي 13 أيار 2025 أعلن الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" خلال منتدى الاستثمار في الرياض نيته رفع العقوبات، ثم أصدر مكتب OFAC في 28 أيار رخصة عامة (GL 25) تجيز المعاملات مع الحكومة السورية المؤقتة والبنك المركزي والمؤسسات العامة، وفي 30 حزيران أصدر "ترامب" المرسوم التنفيذي (EO 14312) الذي رفع العقوبات الشاملة فعلياً بدءاً من 1 تموز 2025، قبل أن يلغي الكونغرس قانون قيصر بصفة دائمة في ديسمبر 2025. غير أن عقوبات فردية بقيت سارية بحق الأسد وأعوانه ومرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان والمرتبطين بالإرهاب وإيران وأذرعها.
لكن ثمة حقيقة جوهرية لا يمكن تجاهلها في قراءة هذا المسار، بأن رفع العقوبات لم يكن قراراً أمريكياً خالصاً تجاه دمشق، بل جاء في جزء كبير منه ثمرةً للضغط التركي المتراكم، فمنذ عودة الرئيس "ترامب"١ إلى البيت الأبيض، ضغط الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" مراراً لرفع العقوبات، وأشار "ترامب" صراحةً في الرياض إلى أن القرار جاء بعد مشاورات مع "أردوغان" إلى جانب ولي العهد السعودي.
وفي أيلول 2025، صرح ترامب في البيت الأبيض بأن "الرئيس التركي حل مشكلة سوريا"، ووصفه بأنه أحد الأشخاص الذين دفعوه لرفع العقوبات، بمعنى أن هذا الرفع يحمل في طياته بُعداً آخر، في سياق تقديم مكافأة لأنقرة على دورها الإقليمي وتعزيز الشراكة الأمريكية-التركية، وهو ما سينعكس مباشرة على المعادلة المتعلقة بقسد.
لذلك ارتبط أي حديث عن تخفيف العقوبات أو إعادة دمج دمشق اقتصادياً بضرورة إنتاج صيغة تفاهم مع قسد، بما يضمن عدم انهيار البنية التي بنتها واشنطن خلال سنوات الحرب ضد تنظيم "داعش". وقد تُرجم ذلك في اتفاق 10 آذار 2025 الذي وقعه الرئيس السوري "أحمد الشرع" وقائد قسد "مظلوم عبدي" برعاية أمريكية، والذي يقضي بوقف شامل لإطلاق النار ويرسي مبادئ لدمج قسد في الدولة السورية الجديدة، مع ضمان تمثيل متساوي للمكونات في العملية السياسية، والسماح لقسد بالاحتفاظ بسيطرة فعلية على المعابر الحدودية وحقول النفط في المناطق الكردية. وبهذا المعنى، تتحول العقوبات إلى أداة لإدارة التوازنات لا لمعاقبة النظام فقط، إذ يصبح الاقتصاد نفسه وسيلةً لإعادة صياغة شكل القرار السوري وحدود حركته.
وقد ظهرت ضغوط أمريكية متزايدة لمنع أي تصعيد واسع ضد المناطق الكردية، مع تلويح مستمر بإمكانية إعادة العقوبات إذا جرى تجاوز الخطوط الأمريكية في ملف الكرد، ولم يبقى هذا التلويح مجرد تهديدات؛ فعقب اشتعال القتال في كانون الثاني 2026، هدد السيناتور "ليندسي غراهام" بإعادة قانون قيصر، فيما أعلن عدد من أعضاء مجلس النواب صراحةً أن الكونغرس قادر على إعادة العقوبات إذا فشلت دمشق في حماية حقوق كافة المكونات. ويبقى المرسوم التنفيذي 13894 سارياً حتى اليوم، ويُخوّل فرض عقوبات على أي جهة تهدد الاستقرار والوحدة الترابية لسوريا، بما يشمل تركيا ذاتها. وتكشف هذه المقاربة أن واشنطن لا تدافع عن قسد بوصفها شريكاً محلياً فقط، بل باعتبارها أداة توازن داخل بنية النفوذ الإقليمي، يتيح للولايات المتحدة الحفاظ على دورها داخل الجغرافيا السورية دون انخراط مباشر واسع النطاق.
تبدو السياسة الأمريكية أقرب إلى "إدارة الأزمة" منها إلى حلها، وقد أثبتت الأشهر الماضية صحة هذا التوصيف بشدة، حين وُقّع اتفاق آذار 2025 ثم انهار عملياً، وأُبرمت هدنة في تشرين الأول 2025 ثم اشتعلت المعارك من جديد في ديسمبر ويناير 2026، وعاد المبعوث الأمريكي "توم باراك" ليتفاوض على اتفاق جديد في 18 كانون الثاني 2026. هذا النمط الدائري من الاتفاقات والانهيارات هو أكبر دليل على أن ما يجري ليس تسوية دائمة، بل سلسلة هدنات مؤقتة يبقى مصيرها رهيناً بتوازن ثلاثي متقلب بين واشنطن وأنقرة ودمشق، وهو ما يجعل دمشق تتحرك داخل مساحة رمادية، لا تعرف فيها ما إذا كانت تتفاوض على تسوية دائمة أم على هدنة مؤقتة قابلة للانهيار.
صراع الشروط:
قبل الدخول في تفكيك البنية التفصيلية للموقف التركي، من الضروري إدراك أن أزمة "قسد" لم تعد تُقرأ في أنقرة باعتبارها تهديد حدودي تقليدي، بل كملف يرتبط بإعادة تعريف التوازنات الإقليمية داخل سوريا نفسها. فتلا تنظر تكيا إلى "قسد" فقط بوصفها قوة عسكرية كردية، وإنما باعتبارها مشروع إدارة محلية يمتلك قابلية التحول إلى نموذج سياسي مستقر على حدودها الجنوبية، وهو ما تعتبره تهديدًا استراتيجيًا طويل الأمد، حتى لو جرى دمجه شكليًا داخل الدولة السورية. وفي المقابل، تتعامل واشنطن مع "قسد" باعتبارها شريكًا أمنيًا وعسكريًا لا يمكن تفكيكه بصورة كاملة دون خلق فراغ أمني يهدد بنية النفوذ الأمريكية شرق الفرات.
وبين هاتين المقاربتين، تجد دمشق نفسها داخل معادلة شديدة التعقيد، حيث تتحول أي خطوة تجاه "قسد" إلى اختبار مزدوج للعلاقة مع أنقرة وواشنطن معًا. لذلك، فإن جوهر الأزمة لا يتعلق بوجود "قسد" من عدمه، بل بمن يملك حق تحديد الترتيبات المتعلقة بمستقبل الكرد في سوريا، وما إذا كانت سوريا تتحرك نحو استعادة سيادتها، أم نحو إعادة إنتاجها ضمن ترتيبات أمنية مفروضة من الخارج. وفي هذا الإطار يمكن تفكيك المقاربة التركية والأمريكية لملف قسد عبر النقاط التالية:
(1) الأمن العقائدي: تتعامل تركيا مع "قسد" من داخل عقيدة أمن قومي متجذرة تعتبر أي بنية عسكرية أو إدارية كردية مستقلة نسبيًا امتدادًا غير مباشر لحزب العمال الكردستاني. لذلك فإن المشكلة بالنسبة لأنقرة لا تتعلق فقط بالسلاح أو الانتشار العسكري، بل بفكرة "النموذج" ذاته. أي نموذج حكم كردي مستقر على حدودها الجنوبية يُنظر إليه كتهديد طويل الأمد، لأنه يخلق سابقة سياسية وأمنية قد تنعكس على الداخل التركي نفسه. لهذا السبب، لا تبدو تركيا مستعدة للقبول بأي صيغة تمنح "قسد" قدرة على الحفاظ على استقلاليتها المؤسساتية، حتى لو كانت مندمجة اسميًا داخل الدولة السورية. ومن هنا، فإن المقاربة التركية لا تستهدف فقط إنهاء التهديد العسكري المباشر، بل تفكيك البيئة السياسية والإدارية بما لا يسمح بالتفاهم بين قيد ودمشق ويؤدي للفرقة بين المكونات السورية.
(2) الاحتواء الأمريكي: تتحرك واشنطن وفق منطق مختلف يقوم على احتواء "قسد" لا إنهائها. فالولايات المتحدة تدرك أن "قسد" ليست مجرد قوة ميدانية، بل تمثل البنية المحلية الأساسية التي حافظت عبرها على نفوذها شرق الفرات وهزمت تنظيم "داعش" الإرهابي خلال السنوات الماضية. لذلك فإن أي تفكيك كامل لهذه البنية سيعني عمليًا فقدان واشنطن لقدرتها على التأثير داخل الجغرافيا السورية الشرقية. من هنا، تضغط الإدارة الأمريكية باتجاه صيغة دمج مرنة تسمح بإعادة تموضع "قسد" داخل الدولة السورية دون سحقها أمنيًا أو سياسيًا. غير أن هذا التصور يصطدم مباشرة بالرؤية التركية، ويجعل واشنطن نفسها عاجزة عن تقديم صيغة نهائية قابلة للتطبيق الكامل، لأن الحفاظ على "قسد" بصورة أو بأخرى يبقى بالنسبة لأنقرة تهديدًا مؤجلًا لا تسوية مستقرة.
(3) الدمج المعطل: يتحول ملف الدمج بين دمشق و"قسد" إلى عملية بطيئة ومليئة بالعوائق البنيوية. فالمشكلة لا تكمن فقط في الترتيبات العسكرية أو الإدارية، بل في غياب اتفاق حقيقي حول طبيعة الدمج نفسه. هل المطلوب إعادة دمج "قسد" كمكون داخل الجيش السوري؟ أم تفكيكها بالكامل ثم إعادة استيعاب الأفراد بصورة فردية؟ وهل تحتفظ الإدارة الذاتية بأي صلاحيات محلية أم يتم إنهاؤها بالكامل؟ هذه الأسئلة لا تزال دون إجابات واضحة، لأن كل طرف يطرح تصورًا مختلفًا جذريًا. ولذلك يبدو التعثر الحالي انعكاسًا لصراع على شكل الدولة السورية القادمة أكثر من كونه مجرد خلاف أمني محدود.
(4) السيادة المشروطة: تكشف طريقة تعامل دمشق مع هذا الملف أن القرار السوري لم يعد يتحرك ضمن سيادة مكتملة، بل داخل ما يمكن تسميته "السيادة المشروطة". فدمشق لا تستطيع الانحياز الكامل للرؤية التركية خشية إعادة إنتاج الضغوط الغربية والعقوبات، كما لا تستطيع تبني المقاربة الأمريكية بصورة كاملة دون المخاطرة بخسارة الغطاء التركي، مما يجعل الدولة السورية تتحرك داخل هامش ضيق للغاية، حيث يصبح التفاوض نفسه جزءًا من إدارة التوازنات الخارجية، لا تعبيرًا عن قرار داخلي مستقل. وبالتالي، فإن ملف "قسد" يكشف حدود قدرة دمشق على المناورة أكثر مما يكشف قدرتها على فرض تسوية نهائية.
(5) قابلية الانفجار: تكمن الخطورة الحقيقية في أن هذا التوازن الحالي يبدو هشًا بطبيعته، لأنه قائم على تأجيل التناقضات لا حلها. فاستمرار الغموض حول مستقبل "قسد"، وتضارب التصورات الأمريكية والتركية، وبطء التفاهمات مع دمشق، كلها عوامل تخلق بيئة قابلة للانفجار في أي لحظة. فأي تغير في الموقف الأمريكي، أو أي تصعيد تركي واسع، أو حتى أي تعثر ميداني محدود، قد يؤدي إلى انهيار التفاهمات الهشة القائمة حاليًا، ما يجعل ملف "قسد" ليس مجرد أزمة عابرة، بل نقطة اختبار حقيقية لقدرة سوريا على إنتاج استقرار مستدام داخل بيئة نفوذ إقليمي ودولي متشابكة.
التزام البراغماتية:
تكشف طريقة تحرك "أحمد الشرع" خلال المرحلة الأخيرة عن محاولة مستمرة لإدارة التناقض بين واشنطن وأنقرة دون القدرة على إنتاج استقلالية فعلية. فهو يتحرك داخل هامش ضيق للغاية، تحكمه معادلتان متناقضتان، بين الحاجة إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية الغربية، والحاجة إلى الحفاظ على المظلة التركية الأمنية والسياسية، ويجعل هذا من القرار السوري أقرب إلى "إدارة استجابة" منه إلى صناعة قرار مستقل، حيث تصبح السياسة محاولة لتجنب الانفجار بدلًا من بناء مسار سيادي متماسك. فكلما حاولت دمشق الاقتراب من أحد الطرفين، وجدت نفسها مضطرة لتقديم تنازلات تقلص قدرتها على المناورة أمام الطرف الآخر.
والأزمة الأعمق أن دمشق لم تعد تفاوض من موقع الندية، بل من داخل بنية نفوذ متشابكة تحدد مسبقًا سقف الحركة الممكنة، فعندما تضغط أنقرة لتفكيك "قسد"، فهي لا تبحث فقط عن الأمن الحدودي، بل عن إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية السورية بما يتوافق مع تصورها الإقليمي. وبين واشنطن وأنقرة، تتحول دمشق إلى مساحة تنازع على إدارة القرار، لا إلى مركز سيادي مكتمل القدرة على فرض شروطه الخاصة.
بالتالي، تكشف أزمة العلاقة بين دمشق و"قسد" أن سوريا ما بعد 2025 لا تتحرك داخل نموذج استعادة دولة تقليدي، بل داخل عملية إعادة تشكيل معقدة تتداخل فيها هندسة النفوذ مع إعادة تعريف السيادة. فملف "قسد" لم يعد مجرد قضية أمنية، بل تحول إلى أداة تستخدمها القوى الإقليمية والدولية لإعادة ضبط شكل الدولة السورية وحدود قرارها. في هذا السياق، لا يبدو "أحمد الشرع" لاعبًا يمتلك حرية الاختيار الكاملة، بقدر ما يبدو مديرًا لتوازنات متناقضة، يتحرك داخل مساحة ضيقة بين الضغط الأمريكي والاشتراطات التركية، ما يسمح بتآكل قدرة دمشق على إنتاج قرار مستقل، يحول التفاوض إلى إدارة مستمرة للضغوط الخارجية، لا إلى عملية سيادية حقيقية.
وختامًا، فإن السؤال حول "من يملك مفتاح دمشق؟" لا يرتبط بشخص أو دولة فقط، بل ببنية النفوذ ذاتها، فدمشق اليوم لا تتحرك داخل سيادة مكتملة، بل داخل شبكة توازنات تجعل أي قرار داخلي مرتبطًا بموافقة ضمنية من الخارج. وهذا ما يجعل الاستقرار الحالي هشًا بطبيعته، لأنه قائم على إدارة التناقضات لا حلها، وعلى تأجيل الانفجار لا إنهاء شروطه البنيوية.
من زوايا العالم
فضاءات الفكر