أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية يوم الأحد، الموافق 26 ابريل 2026 موافقة مجلس الوزراء برئاسة "بنيامين نتنياهو" على تعيين أول سفير لإسرائيل لدى إقليم "صوماليلاند" (أرض الصومال) المنفصلة عن الصومال، والتي تقع على الساحل الشمالي للصومال، وتحدها جيبوتي من الغرب وإثيوبيا من الجنوب، والتي تعد مدخلاً رئيسيًا للقرن الأفريقي.
وفي هذا السياق جرى تعيين "مايكل لوتم" مبعوثًا رسميًا لتل أبيب غير مقيم لدى أرض الصومال، ويشغل منصب سفير اقتصادي متجول في أفريقيا، كما سبق له أن تولى مهام دبلوماسية في كينيا وأذربيجان وكازاخستان، ويأتي هذا التعيين بعد إعلان إسرائيل اعترافها بإقليم "أرض الصومال" كدولة مستقلة، في ديسمبر 2025 ، في خطوة هي الأولى من نوعها منذ إعلان الإقليم استقلاله بشكل أحادي عن دولة الصومال 1991، عقب الحرب الأهلية، وبقي الإقليم لا يتمتع باعتراف دولي منذ ذلك التاريخ، حيث قوبل برفض من الحكومة الفيدرالية في مقديشو وأثار انتقادات إقليمية ودولية كبيرة، وجدير بالذكر أن علاقاته مع إسرائيل تعود إلى عدة سنوات مضت، حيث كانت هناك محاولات لتعزيز التعاون في مجالات متعددة، مثل الأمن والتجارة، وقد عينت أرض الصومال "محمد حاجي " سفيرًا لها لدى إسرائيل في فبرارير 2026.
أهمية التوقيت
كعادتها تقتنص إسرائيل الفرص السانحة لتنفذ مخططاتها، والاستفادة من الصراعات في مناطق التوتر لدعم طموحاتها التوسعية، وكذا استغلال انشغال العالم بأزمة ما؛ حيث تنفذ مثل هذه الخطوة في وقت ينشغل فيه العالم أجمع بالحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية، وتداعياتها على الأمن والطاقة والاقتصاد العالميين، وتتسارع فيه التطورات الإقليمية فيما يخص المحاولات الإسرائيلية لابتلاع غزة من خلال وضع الخط الأصفر وتوسيعه من حين لآخر، وكذا ضم الضفة الغربية والاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى، ووضع خط أصفر مماثل في جنوب لبنان، والتوغل الإسرائيلي في سوريا، وكشف النقاب عن وجود قواعد عسكرية في إثيوبيا لتأمين خطوط إمداد جديدة لقوات الدعم السريع في السودان، واغتنام فرصة تواجد إدارة ترامب في السلطة قبل الانتخابات الأمريكية الجديدة، لاسيما مع ما توفره من دعم قوي لإسرائيل، وإمكانية الدفع باتجاه إدخال "صوماليا لاند" ضمن الاتفاقيات الإبراهيمية كمدخل عمليّ لإعادة فتح ملف الاعتراف الأمريكي.
مواقف دولية وإقليمية
أدى القرار الإسرائيلي إلى مزيد من التوتر مع الحكومة الفيدرالية في مقديشو، التي اعتبرت الخطوة إصرارًا صريحًا على الاعتداء على سيادة الصومال ووحدة أراضيه، بينما رفضت مسبقًا مصر وتركيا والسعودية والاتحاد الإفريقي وباكستان وإيران والجزائر وجيبوتي وقطر ونيجيريا، بالإضافة إلى الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي ومنظمة المؤتمر الإسلامي الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، ومازالوا يرفضون بشدة محاولات إسرائيل الاعتراف بالإقليم، ورأت مصر أن القرار الإسرائيلي بتعيين سفير لأرض الصومال يمثل تأكيدًا على الانتهاك الصارخ لسيادة جمهورية الصومال، ومخالفة صريحة لمبادئ الاتحاد الأفريقي التي تمنع المساس بالحدود الموروثة عن الاستعمار، أما بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية فهي لم تعارض الخطوة الإسرائيلية، حيث يتسم الموقف الأمريكي بالتردد فيما يخص الاعتراف بالإقليم، فالولايات المتحدة تتخوف من تداعيات الاعتراف به، وما سيترتب على ذلك من توترات في العلاقة مع الدول المعارضة، ومزيد من الفوضى في منطقة القرن الأفريقي، ومزيد من نشاط للجماعات الإرهابية، مما يؤثر بدوره سلبًا على المصالح الأمريكية في المنطقة، ولكن على الجانب الآخر فإن الاعتراف بالإقليم يخدم القيادة الأمريكية العسكرية في أفريقيا (أفريكوم) التي اتسع دورها مؤخرًا من محاربة الإرهاب ليشمل إدارة التنافس الدولي في القارة، ولكن مقديشيو يمكن أن توفر الفرصة للأولى للتواجد في باب المندب لمواجهة التنافس الصيني، لكونها لا تمانع في استضافة تواجد عسكري أمريكي دائم.
ويكمن وراء شذوذ تل أبيب عن المجتمع الدولي وإسراعها للاعتراف بأرض الصومال وإقامة علاقات دبلوماسية معه عدد من الأسباب الخاصة بالإقليم والدوافع التي تحقق مصلحة إسرائيل بالدرجة الأولى في المنطقة بلا ريب، وأبرزها:
أولا: عوامل ذاتية ترتبط بإقليم أرض الصومال "صوماليالاند"
- الموقع الجغرافي المتميز لدى أرض الصومال أو "صوماليا لاند، حيث تتمتع بموقع بالغ الأهمية على خليج عدن، كما تعتبر صوماليا لاند البوابة الجنوبية لمضيق باب المندب، الذي يمر عبره ما يقرب من ثُلث التجارة البحرية العالمية سنوياً، بما في ذلك شحنات الطاقة الحيوية من الشرق الأوسط إلى أوروبا وآسيا، ولا يُعد هذا الممر المائي مجرد طريق تجاري، بل نقطة عبور لها تداعيات اقتصادية عالمية كبيرة و يوفر فرصة عظيمة للاستفادة اقتصاديًا.
- تتمتع صوماليلاند بنظام سياسي مستقر نسبيًا مقارنة ببقية الصومال، وبالتالي تعمل الحكومة المحلية على تعزيز العلاقات الدولية، مما ساهم في تحسين الوضع الاقتصادي في الإقليم.
- الارتباط اللصيق بين الأهمية الجيوسياسية للإقليم وأمن البحر الأحمر، وتعاظم هذا الأمر بعد الهجمات التي وجهها الحوثيون لإسرائيل إثر اشتعال حرب غزة، وتهديدهم للملاحة في البحر الأحمر، ناهيك عن تهديداتهم الصريحة للسفن الإسرائيل والولايات المتحدة في باب المندب والبحر الأحمر بعد إعلانهما الحرب على إيران.
- غنى الإقليم بالموارد الطبيعية والثروات، وقدرته على توفير احتياطيات من المعادن الحيوية الضرورية لصناعات الدفاع والتكنولوجيا الخضراء، مع افتقاره في الوقت ذاته إلى التكنولوجيا لإدارة هذه الثروات وتوظيفها.
- وجود أرض الصومال في القرن الإفريقي الذي يضم عدد من الدول الهشة، وغير المستقرة مع عجز النظام الإقليمي على ضبط الأوضاع في هذه الدول ووقف التدهور فيها، كما هو حادث في كل من: جيبوتي وإريتريا وشمال الصومال، وحتى السواحل السودانية، ناهيك عن تصاعد التنافس الدولي في منطقة القرن الأفريقي على الموانئ، والممرات البحرية، والبنية التحتية الاستراتيجية، مما حول المنطقة إلى مساحات مفتوحة لتقاطعات النفوذ العسكري والاقتصادي والأمني؛ حيث يسعى كل فاعل دولي أو إقليمي لإثبات ثقله ونفوذه هناك.
- فشل إقليم أرض الصومال منذ 1991 في الحصول على اعتراف واحد من أي دولة، مما يعني تعطّشه للحصول على الشرعية الدولية، وبناء تحالفات مع قوى قادرة على دعمه في مواجهة الحكومة الفيدرالية في مقديشيو.
دوافع لدى الجانب الإسرائيلي:
- الإدراك الإسرائيلي الذي بات متزايداً بأن مركز الثقل الاستراتيجي في إقليم الشرق الأوسط لم يعد محصوراً في فلسطين أو لبنان أو سوريا، بل امتد جنوباً ليشمل البحر الأحمر، وباب المندب، والقرن الإفريقي باعتباره عاملاً من عوامل الأمن الاقتصادي الإسرائيلي، وحلقة وصل حاسمة بين الشرق الأوسط وأفريقيا، وبين الأمن البحري والتوازنات الدولية الكبرى.
- رغبة إسرائيل بالتحكم والسيطرة على الملاحة في المسطحات التي يطل عليها إقليم أرض الصومال، والضغط على اقتصاد الدول الأخرى المعادية لتل أبيب المطلة على البحر الأحمر وباب المندب.
- سعي تل أبيب للاستفادة من ثروات وموارد الإقليم واستثمارها لصالح الاقتصاد الإسرائيلي، مقابل توفير التكنولوجيا التي يفتقر لها الإقليم في مجالات الزراعة وإدارة المياه وأمن الموانئ.
- إصرارها المستمر على تصدر طرق التجارة الدولية والملاحة العالمية من خلال محاولات تهميش قناة السويس، والسعي لتنفيذ مشروع قناة "بن غوريون" المنافسة لها، وتنفيذ ممر عالمي للملاحة تشترك فيه الولايات المتحدة ودول أوروبا ودول الخليج وإسرائيل والهند بحيث يكون منافسًا لطريق الحرير الخاص بالصين، والمبادرة الصينية العالمية "الحزام والطريق".
- استغلال الموقف الأمريكي المتذبذب تجاه الاعتراف بأرض الصومال، حيث شهد الكونجرس الأمريكي مراراً الدعوة إلى الاعتراف بالإقليم، وضرورة استثمار الوضع في القرن الأفريقي لتحقيق المصالح الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة في مواجهة كل من القوى الدولية المنافسة كبكين وموسكو، ومن زاوية أخرى نجد أن التيار الجمهوري دائمًا ما يؤثرون التعامل مع دول مفتتة في المنطقة بدلاً من الدول الموحدة بشكلها الحالي، بما يسهل تمرير وخدمة المصالح الأمريكية فيها، إضافة إلى تصريحات "ترامب" في أغسطس 2025 حول إمكانية الاعتراف بإقليم أرض الصومال كدولة مستقلة مقابل القبول بتهجير الفلسطينيين من غزة إلى الإقليم.
- ترى إسرائيل في التواجد والتمركز في منطقة محاذية لسواحل البحر الأحمر، وخليج عدن، وباب المندب، حتى وإن كان بشكل غير مباشر، أهمية أمنية كبيرة توفر لها قدرة إضافية على المناورة، وعلى المشاركة في إعادة صياغة معادلات الأمن البحري بعيداً عن الشواطئ الإسرائيلية بشكل مباشر، وهو ما يوفر نقاط ارتكاز قريبة من مسرح العمليات اليمني ويمنح عمقاً استخبارياً وبحرياً، ويشمل ذلك الوصول إلى الموانئ بالمنطقة لإعادة التزوّد بالوقود والذخائر، ونشر منظومات رادار وقدرات جمع المعلومات ومراقبة الأجواء والسواحل الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وعلى الجانب الآخر تأمين السفن الإسرائيلية، ومصالحها التجارية في هذه المنطقة، ويقطع الطريق على الحوثيين وإيران لشن هجمات أو إطلاق صواريخ تجاهها من هذه المنطقة.
- إعادة التموضع في البحر الأحمر لإسرائيل، تقوم على بناء شبكة شراكات إقليمية تعبد الطريق للمصالح الإسرائيلية الأمنية والسياسية والاقتصادية والاستخباراتية، وتحقق طموح شركاء لإسرائيل بالمنطقة كالإمارات التي ترغب في استثمارات واسعة على البحر الأحمر، وإثيوبيا التي لديها طموح بحري كبير، من خلال سعيها لنفاذ والتواجد على مدخل البحر الأحمر في ميناء بربرة مقابل الاعتراف بأرض الصومال، طبقًا لمذكرة التفاهم الموقعة بين أديس أبابا وهيرجيسيا، عاصمة أرض الصومال 2024، وعلى الجانب الآخر يساهم ذلك في تطويق دول المنطقة أمنيًا واقتصاديًا وسياسًا لصالح إسرائيل.
- تعكس هذه الخطوة النزعة التوسعية الواضحة لدى تل أبيب، والتي تقوم على نقل الصراع من ساحته الأصلية إلى فضاءات إقليمية مفتوحة، وتحويل البحر الأحمر والقرن الأفريقي إلى امتداد مباشر لأجندتها العسكرية والاستخباراتية، دون اكتراث بالكلفة السياسية والأمنية التي تتحملها دول الإقليم واستقراره الهش.
النتائج المحتملة والمترتبة على العلاقات بين إسرائيل وأرض الصومال :
هناك عدد من النتائج المتوقعة لهذه الخطوة ومنها:
- تشجيع دول أخرى تعاونت مع إقليم أرض الصومال على الاعتراف به كأثيوبيا والإمارات وغيرها من الدول، مما يفرض سياسة الأمر الواقع.
- تشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في إفريقيا، مما يزيد عدم الاستقرار في القارة، ويخرق اتفاقية 1963 التي تقضي بعدم المساس بالحدود الموروثة التي رسمها الاستعمار في أفريقيا.
- الإضرار بالمصالح الاقتصادية والسياسية لعدة دول بالمنطقة ومنها: مصر وتركيا والسعودية وجيبوتي والسودان.
- التقارب بين مصر وتركيا والسعودية في مقابل محور إسرائيلي–إماراتي–إثيوبي آخذ في التشكل في منطقة القرن الإفريقي، ويضع هرجيسا في مواجهة مباشرة مع مقديشو وحلفائها.
ومما سبق يتضح لنا الخطوات الحثيثة التي تتبعها إسرائيل لتنفيذ خططها التوسعية على حساب دول المنطقة، وسعيها الممنهج لإضعاف هذه الدول على جميع الصعد، والمساومة على أمنها القومي، والضغط عليها بشتى الطرق لتقديم التنازلات لصالح ما يخدم رؤية إسرائيل الكبرى.
من زوايا العالم