بث تجريبي

محمد صابر يكتب: إعادة هندسة الهوية والسلطة في تركيا الجديدة

لم تكن القضية الكردية في تركيا مجرد تمرد أمني قابل للإخماد بالقوة العسكرية، بل أنها تمثل منذ تأسيس الجمهورية التركية أزمة بنيوية داخل تعريف الدولة لنفسها وحدود هويتها السياسية، فالجمهورية التي نشأت عام 1923 على قاعدة القومية التركية الصلبة لم تتعامل مع التعدد الإثني بوصفه مكوناً قابلاً للإدماج، بل باعتباره خللاً ينبغي احتواؤه أو تذويبه داخل هوية مركزية أحادية. في هذا السياق لم يظهر الكرد كمكون يبحث عن امتيازات ثقافية فحسب، بل ككتلة بشرية ضخمة اصطدمت مبكراً بمنطق الدولة المركزية التي رأت في أي تعبير قومي مستقل تهديداً مباشراً لوحدة الجمهورية، ولذلك فإن التمرد الكردي المسلح الذي انفجر لاحقاً لم يكن حدثاً معزولاً عن هذا المسار، فهو النتيجة التراكمية لعقود من الإنكار اللغوي والثقافي والسياسي، ولإدارة المجال الكردي باعتباره ملفاً أمنياً دائماً لا قضية شراكة سياسية داخل الدولة.

أربعة عقود من الصراع بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني أعادت تشكيل بنية الأمن والسياسة والاقتصاد داخل تركيا نفسها، إذ تحول الجنوب الشرقي إلى فضاء استنزاف مزمن؛ الدولة أنفقت موارد هائلة على الحرب، فيما بقيت المناطق الكردية رهينة التخلف التنموي والتهميش البنيوي، وتكرس لدى قطاعات واسعة من الكرد شعور بأن الجمهورية لا تنظر إليهم كمواطنين متساوين بل ككتلة يجب إخضاعها أمنياً. وفي المقابل، اكتشفت المؤسسة الأمنية التركية تدريجياً أن سحق التمرد عسكرياً لا يعني إنهاء المسألة الكردية سياسياً؛ فكل جولة قمع كانت تنتج جيلاً كردياً أكثر وعياً بهويته وأكثر اقتناعاً بأن المشكلة تتعلق بطبيعة الدولة نفسها لا فقط بسياسات الحكومات المتعاقبة، وهذه الحقيقة هي التي دفعت أنقرة لاحقاً إلى الانتقال من استراتيجية "الإخماد" إلى استراتيجية "الاحتواء"، أي محاولة نقل الصراع من المجال العسكري المفتوح إلى المجال السياسي المُدار مركزياً.

ما يجري اليوم تحت عنوان "عملية السلام" لا يمكن قراءته باعتباره مصالحة تاريخية مكتملة بقدر ما هو محاولة لإعادة هندسة العلاقة بين الدولة والحركة الكردية ضمن شروط جديدة تضمن بقاء مركز السيطرة في يد أنقرة. فالمسألة لم تعد تتعلق بإنهاء العمل المسلح، بقدر إعادة تعريف من يملك الشرعية ومن يتحكم بإيقاع التحول المقبل. هنا تبرز قضية "عبدالله أوجلان" بوصفها العقدة المركزية في العملية كلها؛ فهو لم يعد مجرد زعيم تاريخي لحزب العمال الكردستاني، بل تحول إلى مرجعية رمزية تُقاس عبرها مصداقية الدولة في أي تسوية مستقبلية. ولذلك فإن إبقاءه في عزلة قانونية وسياسية، رغم استجابة الحركة الكردية لمطلب حل الحزب وإلقاء السلاح، يجعل السلام نفسه يبدو معلقاً بين خطاب رسمي يتحدث عن إنهاء الحرب، وبنية سلطوية لم تحسم بعد ما إذا كانت مستعدة فعلاً للاعتراف السياسي بالكرد أم فقط لإعادة ضبطهم بأدوات أقل كلفة.

بنية الاحتواء:

لا تُدار عملية السلام التركية–الكردية بوصفها انتقالاً أخلاقياً نحو التعددية، بل باعتبارها إعادة ترتيب دقيقة لموازين القوة داخل الدولة التركية، حيث لا يدخل الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" هذا المسار من موقع المتحول أيديولوجياً، وإنما من موقع السياسي الذي يحاول إعادة إنتاج الاستقرار السلطوي في لحظة إقليمية وداخلية معقدة، فالاقتصاد التركي يواجه ضغوطاً حادة، والمعارضة بدأت تستعيد جزءاً من قدرتها التعبوية، فيما يشكل الملف الكردي أحد أكبر مصادر الاستنزاف السياسي والأمني المستمر. لذلك يبدو السلام بالنسبة للرئاسة التركية أداة لإعادة تنظيم المجال السياسي أكثر من كونه تسوية نهائية للصراع، والمفارقة الأهم أن المبادرة جاءت من زعيم الحركة القومية "دولت بهتشلي"، وهو ما يعكس إدراكاً داخل التحالف الحاكم بأن إدارة الصراع بالصيغة القديمة أصبحت أعلى كلفة من محاولة احتوائه سياسياً ضمن شروط تظل الدولة قادرة على التحكم بها.

ومن جهة أخرى تبدو المؤسسة الأمنية التركية – وخصوصاً جهاز الاستخبارات – الفاعل الأكثر تأثيراً في هندسة العملية خلف الواجهة السياسية، فالاتصالات مع "أوجلان" لم تبدأ مع الإعلان العلني عن المبادرة، بل سبقتها قنوات تفاوض غير معلنة أُديرت عبر مسارات أمنية وإقليمية شملت بغداد وأربيل، وهذا يعني أن الدولة التركية لم تتعامل مع المسألة باعتبارها حواراً مجتمعياً مفتوحاً، بل كملف إعادة ضبط استراتيجي لمجال التهديد الكردي. وهنا يؤدي البرلمان وظيفة التغليف الديمقراطي لمسار تحدد خطوطه الأساسية خارج المؤسسات التمثيلية, فحتى اللجنة البرلمانية التي طُرحت باعتبارها إطاراً للحل بدت أقرب إلى آلية لصياغة تفاهمات جرى الاتفاق عليها مسبقاً داخل دوائر القرار الأمنية والسياسية، لا مساحة تفاوض حقيقية حول شكل الجمهورية المقبلة أو حدود الاعتراف بالكرد.

تقف قضية "عبدالله أوجلان" في قلب هذه المعادلة بوصفها المعيار الأوضح لقياس حدود التحول التركي الحقيقي، فلا ينظر الكرد لا إلى وضعه القانوني باعتباره مطلباً إنسانياً أو رمزياً فقط، بل باعتباره اختباراً لمدى استعداد الدولة للاعتراف بالحركة الكردية كشريك سياسي لا كتنظيم مهزوم يُعاد دمجه بشروط المنتصر. لذلك فإن الحديث عن "الحق في الأمل" لا يُقرأ كردياً بوصفه امتيازاً قانونياً، بل بوصفه الحد الأدنى من تحويل التسوية إلى إطار مؤسسي مستقر. حيث يخلق إبقاء أوجلان داخل سجنه بعد أن حل الحزب نفسه وأعلن إنهاء العمل المسلح انطباعاً واسعاً بأن الدولة تريد تفكيك البنية العسكرية الكردية دون دفع الثمن السياسي المقابل.

لحظة التحول:

التوقيت الذي ظهرت فيه عملية السلام الحالية ليس حدثاً منفصلاً عن التحولات الإقليمية والداخلية التي تواجهها تركيا، بل هو نتاج مباشر لتقاطع أزمات متعددة جعلت استمرار الحرب أقل جدوى من محاولة إعادة هندستها سياسياً، فالأزمة الاقتصادية التركية تضغط بقوة على بنية النظام، والجنوب الشرقي الكردي يمثل منطقة حيوية لأي مشروع استقرار اقتصادي طويل المدى. في الوقت نفسه، فإن التحولات في سوريا والعراق أعادت رسم الجغرافيا الكردية بصورة جعلت من المستحيل على أنقرة التعامل مع المسألة الكردية بالمنطق العسكري التقليدي وحده، إذ أن "وحدات حماية الشعب" في شمال سوريا، وصعود الفاعلين الأكراد إقليمياً، والضغوط الأوروبية المرتبطة بحقوق الإنسان، كلها دفعت أنقرة نحو صيغة أكثر مرونة في إدارة الملف.

غير أن هذه المرونة تعكس انتقال الدولة من استراتيجية الإنكار المباشر إلى استراتيجية الاحتواء السياسي المُدار، وهي عملية تقوم على إعادة توزيع السيطرة لا التخلي عنها. ومن داخل هذا التحول تبرز خمس ديناميكيات رئيسية تفسر طبيعة اللحظة الراهنة:

(1) معادلة أوجلان: لم يعد "عبدالله أوجلان" مجرد قائد تاريخي لحزب العمال الكردستاني، بل تحول إلى مركز شرعية سياسية ورمزية تتجاوز حدود الحزب نفسه، فنداءه بحل الحزب وإلقاء السلاح لم يكن قراراً تنظيمياً عادياً، بل لحظة إعادة صياغة للعلاقة بين الحركة الكردية والدولة التركية. لهذا السبب استجابت البنية التنظيمية للحزب بسرعة؛ فالكلمة لم تعد تُقرأ كتعليمات قيادة بقدر ما تُفهم كتحول استراتيجي في الوعي الكردي نفسه. وبالنسبة لأنقرة، يمثل "أوجلان" مفارقة معقدة، فهو الشخص الوحيد القادر على دفع الحركة الكردية نحو إنهاء العمل المسلح، لكنه في الوقت ذاته يمتلك شرعية قد تتحول إلى مصدر قوة سياسية مستقلة إذا خرج من السجن، ولذلك يبدو أن الدولة تحاول الاحتفاظ به كورقة تحكم داخل العملية، لا كشريك كامل في إعادة صياغة الحل. غير أن هذه المقاربة تحمل مخاطرة بنيوية؛ فكلما تأخر الحسم القانوني لوضعيته، تعزز الانطباع الكردي بأن الدولة تسعى إلى الحصول على نتائج التسوية دون الاعتراف الكامل بمستلزماتها السياسية.

(2) السلام المشروط: لا تعكس خارطة الطريق البرلمانية التي طُرحت عام 2026 انتقالاً حاسماً نحو تسوية قانونية مستقرة، فهي تكشف نموذجاً يقوم على "السلام المشروط"، فالإصلاحات المقترحة مرتبطة بتسليم السلاح الكامل وبالتقدير السياسي المستمر للدولة، ما يعني أن الحقوق لا تُطرح باعتبارها التزامات دستورية ثابتة، بل كتنازلات قابلة للتعديل أو التعليق. وتمنح هذه الصيغة أنقرة قدرة دائمة على التحكم بإيقاع العملية وإبقاء الحركة الكردية داخل مساحة انتظار مفتوحة، لذلك قد تتحول العملية إلى هدنة قابلة للانهيار أكثر من كونها إعادة تأسيس لعلاقة مستقرة بين تركيا والكرد.

(3) هندسة المعارضة: أحد أكثر التناقضات كشفاً لطبيعة التحرك التركي الحالي هو أن مسار السلام مع الكرد يتزامن مع تصعيد غير مسبوق ضد المعارضة العلمانية، حيث يكشف كل من اعتقال "أكرم إمام أوغلو" وإعادة تشكيل قيادة حزب الشعب الجمهوري عبر تدخلات قضائية، أن السلطة لا تتجه نحو انفتاح ديمقراطي شامل، بل نحو إعادة هندسة المجال السياسي بطريقة تضمن استمرار الهيمنة الرئاسية. وهنا يصبح السلام جزءاً من إعادة ترتيب التحالفات الانتخابية قبل 2028؛ فاحتواء المجال الكردي قد يسمح بتحييد جزء من الأصوات الكردية أو إعادة توزيعها، بينما يجري في المقابل تقليص قدرة المعارضة المدنية على تشكيل تهديد انتخابي فعلي.

(4) الهوية المؤجلة: لا تتعلق المطالب الكردية الأساسية بالعفو أو إعادة الدمج الأمني، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والهوية الكردية. اللغة، التعليم، الإدارة المحلية، والاعتراف الدستوري بالتعدد الثقافي، كلها عناصر تشير إلى أن المسألة الحقيقية تتجاوز إنهاء التمرد المسلح إلى الاعتراف بتعددية داخل تعريف تركيا الرسمي للأمة، إذ تكشف التصريحات الكردية بوضوح أن الكرد لا يرون السلام بوصفه نهاية للصراع فقط، بل بوصفه مدخلاً لعقد سياسي جديد. ولهذا فإن أي عملية لا تتضمن ضمانات قانونية واضحة ستُقرأ كردياً كإعادة إنتاج لمنطق الاحتواء القديم بأدوات أكثر نعومة.

(5) الجغرافيا الإقليمية: لا يمكن فصل المسار التركي–الكردي عن البيئة الإقليمية المحيطة به، فقد تحول شمال سوريا إلى فضاء نفوذ كردي فعلي يصعب على أنقرة تجاهله أو القضاء عليه عسكرياً دون أثمان دولية مرتفعة. وفي العراق، بات إقليم كردستان شريكاً اقتصادياً وأمنياً مهماً لتركيا، إلى جانب ذلك، تمارس أوروبا ضغوطاً متزايدة عبر ملف المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، ما يضع أنقرة أمام معادلة معقدة تجمع بين الأمن الداخلي والصورة الدولية. لذلك فإن عملية السلام الحالية ليست شأناً تركياً داخلياً خالصاً، بل جزء من إعادة تموضع إقليمي أوسع تحاول تركيا عبره إعادة تعريف موقعها في بيئة شرق أوسطية متغيرة.

جدل الشرعية والسيطرة:

تكمن خلف الخطاب الرسمي عن "تركيا خالية من الإرهاب" بنية سلطة معقدة لا يتحكم بها فاعل واحد بصورة مطلقة، حيث يدير "أردوغان" العملية من موقع الرئيس الأقوى في النظام، لكنه ليس حراً بالكامل في تحديد سقف التنازلات الممكنة؛ فشريكه القومي "بهتشلي" يمتلك قدرة حقيقية على تعطيل أي مسار يرى فيه تهديداً للهوية القومية التركية، والمؤسسة الأمنية ما تزال تحتفظ بتأثير عميق في تعريف حدود المقبول داخل الملف الكردي. هذا التوازن يجعل العملية أقرب إلى إدارة دقيقة للأزمة منها إلى قرار استراتيجي نهائي بحلها، حتى حزب "المساواة وديمقراطية الشعوب DEM"، رغم دخوله العملية باعتباره الممثل السياسي الأساسي للكرد، يتحرك داخل مساحة ضيقة لأنه مطالب بإقناع قاعدته بأن التنازلات التاريخية التي قدمتها الحركة الكردية لن تنتهي إلى مجرد احتواء سياسي دون مقابل بنيوي واضح.

القدرة الحقيقية على التعطيل لا تتركز فقط في مؤسسات الدولة، بل أيضاً في هشاشة الثقة المتبادلة بين الطرفين، فينظر الكرد إلى القضاء التركي باعتباره خاضعاً للقرار السياسي، خصوصاً بعد ملفات "إمام أوغلو" و"حزب الشعب الجمهوري"، ما يجعل أي ضمانات غير دستورية تبدو قابلة للتراجع في أي لحظة. وفي المقابل، تخشى المؤسسة القومية التركية من أن يؤدي أي اعتراف دستوري واسع بالهوية الكردية إلى فتح الباب أمام تحولات أعمق في بنية الدولة المركزية، لذلك تبدو العملية محكومة بمنطق الإبقاء على التوازن دون حسم نهائي، فالدولة تريد إنهاء ما تراه تهديداً أمنياً، لكنها لا تريد منح الحركة الكردية شرعية سياسية كاملة.

تنبع هشاشة اللحظة الحالية من حقيقة أساسية، أن الحركة الكردية قدمت تنازلات ملموسة وفورية، بينما بقيت استجابة الدولة مؤجلة ومشروطة، فقد تم حل الحزب، ووقف العمليات، وإحراق السلاح، وكلها خطوات يصعب التراجع عنها بسهولة، لكن المقابل السياسي والقانوني ما يزال في إطار الوعود. وهذا الاختلال في توازن الالتزامات يجعل العملية مستقرة شكلياً لكنها غير محصنة بنيوياً، فالدولة التركية لا تحاول فقط إنهاء الصراع؛ بل تسعى إلى تحويل الحركة الكردية من فاعل يمتلك قدرة مستقلة على فرض التوازن بالقوة إلى فاعل سياسي يعمل ضمن قواعد وضعتها الدولة نفسها. بهذا المعنى، لا يبدو السلام قطيعة كاملة مع منطق السيطرة القديم، بل إعادة إنتاج أكثر مرونة وذكاء له.

وختاماً:

 عبر تفكيك المسار التركي–الكردي بعيداً عن اللغة الاحتفالية المرتبطة بوقف إطلاق النار وحل الحزب، يمكن القول إن جوهر العملية لا يتعلق فقط بإنهاء الحرب، بل بالسؤال الأعمق حول طبيعة الجمهورية التركية نفسها وحدود قدرتها على استيعاب التعدد. فقد قدم الكرد ما يشبه التنازل التاريخي الأكبر منذ بداية الصراع، بتفكيك البنية المسلحة التي تشكلت خلال أربعة عقود، والانتقال من منطق الحرب إلى منطق السياسة. غير أن الدولة التركية لم تظهر حتى الآن تحولاً موازياً بالحجم نفسه؛ فما تزال وضعية "أوجلان" القانونية معلقة، وما تزال الضمانات الدستورية غائبة، وما يزال الاعتراف بالهوية الكردية محكوماً بمنطق الإدارة السياسية لا بمنطق الحق المستقر. بالتالي لايزال السلام التركي–الكردي أقرب إلى هدنة استراتيجية طويلة ومؤجلة الحسم، لا إلى تسوية نهائية أغلقت جذور الصراع.

قد يهمك