لطالما كانت المرأة حاضرة في السلم والتنمية، فتهب الرعاية وتغزل العوالم الساكنة بيديها، وتهب الحياة حياة أخرى من رحمها، لكنها أيضا لم تغب عن الحروب، فكما تقوم المرأة بأثر الفراشة الذي لا يستهان به فتطبب جراح الجنود في ميادين القتال، وتحاول تخفيف أثار حصاد الموت على الثكالى ممن حولها، أيضا كانت تحمل السلاح وتشارك بجسارة في حال قادتها معطيات الحرب للدفاع عن نفسها و وطنها، فمن ملكات مصر القديمة التي قادت حملات عسكرية، والمقاتلات الكرديات في جبال زاجروس وطوروس و مقاتلات سهوب أوراسيا، إلى البطلات العربيات في صدر الإسلام، اتفقن النساء على اختلاف جغرافية أوطانهن ـ من دون أن يتفقن مسبقا ـ على أن من يستبيح الكرامة والأرض لن يتأخرن عن حمل السلاح في مواجهته، وأن الأنوثة الرقراقة تكتحل بالقوة الكامنة لتخرج في الأوقات الملائمة.
ظل ارتباط الحرب والقتال بالرجال أحد أكثر الافتراضات رسوخًا في الكتابة التاريخية الكلاسيكية، غير أن التراكم المعرفي في التاريخ وعلم الأثار أعاد تفكيك هذه السردية، فكشفت الأدلة الأثرية عن عصور ما قبل الميلاد في مناطق مختلفة، أن مشاركة النساء في ساحات القتال وحمل السلاح كان أمر بديهي في مجتمعات عديدة، واستثنائي في مجتمعات أخرى، مشروطا بالبنية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لكل مجتمع .
نالت المرأة المصرية القديمة مكانة اجتماعية وسياسية سبقت نظيراتها من النساء في الحضارات الموازية، كذلك كان لها إسهامات واضحة في ساحات الحرب والدفاع عن الأرض، سواء كقادات استراتيجيات، أو محفزات للجيوش، أو مقاتلات دافعن عن عرش مصر في أوقات التهديد، إذ تعد الملكة (إياح حتب الأولى) المثال الأبرز للمرأة العسكرية، فبعد مقتل زوجها (سقنن رع) وابنها الأكبر في الحرب ضد الهكسوس، تولت هي قيادة الجبهة الداخلية وتجميع الجيش، فتشير اللوحة الجنائزية في معبد الكرنك إلى أنها “أعادت جمع شمل الجيش وحمت مصر وطردت المتمردين“ كما وجد في تابوتها وسام الذبابات الذهبية الثلاث وهو أرفع وسام عسكري في الجيش المصري القديم، يمنح للشجاعة الاستثنائية في الميدان، مما يؤكد أنها شاركت فعليا في العمليات العسكرية أو قادتها.
هذا بالإضافة إلى الملكة (أحمس نفرتاري)، التي جهزت حملات عسكرية نالت بها النصر على الهكسوس وطردهم نهائيا من مصر، والعديد من الأمثلة وحتى الرمزية القتالية في مصر القديمة كانت الإلهة “سخمت” ربة الحرب والدمار، والتي دائما ما كانت تمثل في صورة امرأة برأس لبؤة، ما عكس إيمان المصريين بأن القوة التدميرية والشجاعة القتالية هي صفات أنثوية بقدر ما هي رجولية أيضا.
في المنطقة الجغرافية الواقعة بين جنوب روسيا وأوكرانيا و كازخستان، وهي تعرف تاريخيا بسهوب أوراسيا، عثر على مقابر تعود إلى القرن التاسع إلى الثالث قبل الميلاد وهي للسكيثيون والسارماتيون، التي كانت بيئتهم رعوية محاربة تعتمد على الفروسية، هذه المقابر كانت لنساء مقاتلات دفن مع أسلحتهن كالأقواس، ورؤوس السهام، والسيوف والخناجر، وقد استخدم تحليل الحمض النووي أثناء الكشف عن المقابر لتحديد الجنس، فكان ما يقرب من 25% من تلك المقابر يعود للمقاتلات من النساء، كما وجد بعظامهن أثار كسور ملتئمة في الأضلاع والأطراف، وإصابات ناتجة عن سهام، وتغيرات في مفصل الفخذ تتناسب ووضع الفروسية، وأثار إجهاد متكرر بالكتف دلت على الرماية بالقوس.
وربما تعود مشاركة المرأة في الحرب بنفسها لما تفرضه البيئة الرعوية من غزوات ودفاع متكرر عن النفس والأرض، ما جعل تسليح النساء منطقيا، بالإضافة إلى تعليمهن الفروسية منذ الصغر، والذي جعل قدرتهن على القتال في المعارك أكبر وأكثر مرونة، ولم يكن هناك فصل صارم بين أدوار الرجل والمرأة على عكس ما كان سائدا في المجتمعات الزراعية المستقرة، مما جعل مشاركة المرأة في ساحات القتال أمر بديهي غير استثنائي .
لم تكن المرأة تجند بصورة نظامية في التاريخ الإسلامي، لكنه كان من المقبول مشاركة النساء كمقاتلات على الأرض، ليس فقط من خلال الدعم اللوجستي بتطبيب الجرحى وإعداد الطعام أو من خلال الدعم النفسي بتشجيع المقاتلين، و هناك أسماء برزت كمقاتلات ماهرات، مثل نسيبة بنت كعب والتي بدأت يومها في معركة (أحد) تسقي الجرحى، ثم استلت سيفا واحتمت بدرعا وانضمت إلى الحلقة الضيقة المدافعة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكرت المصادر أنها كانت تقاتل بالسيف وترمي بالسهام ببراعة ومرونة، وقد تلقت اثني عشرة إصابة على إثر هذه المعركة، وقد أشاد بها النبي صلى الله عليه وسلم فقال عنها (ما التفت يمينا ولا شمالا يوم أحد إلا ورأيتها تقاتل دوني)، وفي حروب الشام ظهرت خولة بنت الأزور، والتي كانت تقاتل متنكرة في زي فارس ملثم، بهدف إطلاق سراح أخيها الأسير، وتتعدد الأمثلة عن المقاتلات في عصر النبوة وما بعدها في التاريخ الإسلامي، وإن وجود هذه الأمثلة من النساء المقاتلات ربما كان دلالة واضحة على موقف الإسلام من مشاركة المرأة في معارك القتال، ولكن قلت هذه الأمثلة بعد عهد النبوة ولم تعد شائعة.
وفي أوروبا في القرن الخامس عشر قادت جان دارك القوات الفرنسية في حربها الشهير مع انجلترا، وكان المجتمع الفرنسي يرفض مشاركة النساء في الحروب كمقاتلات، ما دفعها لادعاء تلقي الوحي الإلهي، لتكتسب هالة قدسية لدى الشعب تمنحها شرعية استثنائية للمشاركة في المعارك، وظلت مشاركة المرأة في ساحات القتال مرفوضة في أوروبا، حتى ظهرت في العصر الحديث بعض النساء اللاتي تنكرن في زي رجال للمشاركة في الحروب النابوليونية، ومن ثم اتسعت المشاركة النسائية في ساحات المعارك .
تفرض مناطق جبال زاجروس وطوروس الممتدة في جغرافية كردستان نمط حياة أكثر وعورة بطبيعة الحال، اعتمد فيه سكانها جزئيا على الرعي والترحال، وهو نمط حياة يتطلب من النساء مهارات في الرماية وركوب الخيل لحماية القطعان والخيام، وهي بيئة فرضت نمطا اجتماعيا يتشارك فيه الجميع مسؤولية الحماية، ما جعل وجود (المرأة المحاربة) نتيجة بديهية لبيئتها ، وكانت المرأة ذات الشأن لا تكتفي بالإدارة، بل تقود العشيرة عسكريا إذا اقتضت الحاجة .
وكانت الأميرة خانزاد مثالا بارزا في التاريخ الكردي على الوجود النسائي في ساحات المعارك خلال القرن السادس عشر، تحديدا في إمارة سوران، حيث تولت الحكم وأدارت شؤون الحرب والدفاع عن حدود الإمارة بصلابة أمام التهديدات الخارجية، بعد وفاة شقيقها الأمير سليمان بيك.
وفي المجتمع العشائري الجبلي كانت إبنة الزعيم تدرب على الفروسية والرماية منذ صغرها كجزء أساسي من التدريبات في الشؤون العامة؛ لذلك كان من الطبيعي رؤية النساء يقدن المفاوضات والحروب، كما اعتمدت المرأة الكردية المقاتلة زيًا لا يختلف كثيرًا عن زي الرجال، وهو السروال الفضفاض الذي ينتهي ضيقا عند الكاحل والسترة ذات الأقمشة القوية، مايضمن سهولة حركتها وحشمتها أيضا لسهولة امتطائها الخيل .
لم يختلف دور المرأة في ساحات المعارك كثيرا من العصور القديمة والوسيطة عنه في التاريخ الحديث والمعاصر، ويمكن القول أنه تطور بتطور تقنيات الدفاع عن النفس والقتال، وأخذ أشكال أكثر تنظيما، فعلى سبيل المثال برزت المرأة المصرية في مقاومة الاحتلال البريطاني، فكانت هناك من تنقل الأسلحة للفدائيين بإخفائها في عبائتها، إذ كان يصعب على التفتيش البريطاني تفتيش النساء ذاتيا لاعتبارات اجتماعية شرقية، ومنهن من عملت في الاستخبارات ونقل معلومات عن جيش الاحتلال للفدائيين من المصريين، أمثال (فتحية الأخرس) (وثريا حلمي) التي كانت تنصب الكمائن للعدو في مدن القناة، وأثناء العدوان الثلاثي على مصر برزت أسماء نسائية من بدو سيناء كانت تقوم برصد المواقع الإسرائيلية في سيناء لنقلها للجيش المصري، على رأسها (فرحانة حسين) والتي حصلت على وسام الشجاعة من الدرجة الأولى، جاء هذا رغم عادات وتقاليد البدو الصارمة التي عرفت عنهم فيما يخص النساء، و ربما دل ذلك على أن ساعة الصفر التي تقترب من المساس بالأرض ربما تتفوق على العادات والتقاليد، لتظهر عن قدرات خلابة لبنات هذه الأرض وأنهن يمكن أن تقدمن أعمارهن على كفوفهن، فداء للوطن .
وبذكر العادات والتقاليد، فإن النساء في مصر العليا ـ والتي عرف عنها التمسك الشديد بالعادات والتقاليد ـ انعكست عليها أيضا بيئة وطبيعة الصعيد الوعرة، ما أكسبها صفات القوة العضلية وشدة المراس، الذي قد يؤهلها إلى حمل السلاح واستخدامه، خاصة في حال غياب رجال العائلة، سواء للحماية الشخصية أثناء التحركات في أماكن نائية، أو في حالات الخصومة الثأرية، رغم أن العادات والتقاليد لا تلزمها بحمل السلاح إلا أن طبيعة البيئة قد تضطرها أحيانا.
أما في العالم العربي لم تغب المرأة عن المشهد القتالي أيضا، ففي فلسطين قادت (دلال مغربي) عملية كمال عدوان عام 1978م، التي اختطفت فيها حافلة على الطريق بين حيفا وتل أبيب، واستطاعت القضاء على ما يقرب من 36 إسرائيلي، ثم استشهدت، وفي لبنان خلال الحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيلي شاركت النساء في صفوف الأحزاب والمليشيات اللبنانية، ومنهن (سناء محيدلي) التي نفذت عملية فدائية ضد القوات الإسرائيلية.
وأخيرا يمكن القول أن التأريخ لشجاعة النساء في حمل السلاح، ومهارتهن القتالية والقيادية والتخطيطية في المعارك والأزمات، وأن وجود النساء في ساحات المعارك لا ينفي رقتهن الفطرية، وعاطفتهن الجياشة، اللتان تأسسان بالفعل للسلام وتنمية المجتمعات، لكنه أيضا يرسخ لسردية واقعية تفيد بأن تلك الأيدي الناعمة إذا ما دعتها الضرورة يمكن أن تحرر وطنا، وتحمي عرضا، وكذلك تربي جيلا من الذكور والإناث من الأقوياء المخلصين لأوطانهم.
المصدر: بوابة الأهرام
من زوايا العالم