بث تجريبي

تداعيات حرب الشرق الأوسط.. فرض الإرادات وتحصين الممرات

من أشعل الحرب يجني رمادها.. يفرض علينا مجموعة من التساؤلات التي تطاردنا ليلاً ونهاراً بعد أحداث السابع من أكتوبر 2022، والتي أعادت تشكيل خريطة الصراع بالمنطقة، في أعقاب حرب شنتها إسرائيل بنار أمريكية؛ لتجني إيران ثمارها الدبلوماسية في ظل زلزال الشرق الأوسط، والذي يستهدف من حروبه تدمير المنظومات الأمنية والسياسية. 

                                                                 سيد أبوالزيد

ولعل من أبرز الأسئلة التي تفرض نفسها علينا، في ظل ما نشهده من خروقات بمضيق هرمز، والتي تهدد الهدنة الهشة بين أمريكا وإيران: إلى أين يسير مستقبل المنطقة؟ ومدى إمكانية إنهاء الصراع؟ ومدى قدرة الدول العربية على مواجهة تلك المشاريع التوسعية واستبدالها بنموذج قائم على حسن الجوار والتعاون المشترك؟ ومحاولات الدولة المحتلة لجر الخليج لحرب مباشرة مع إيران حتى تخلو لها المنطقة وتحقيق حلم التوسع؟!

وفي ظل هذه التساؤلات، لا ينبغي غض البصر عن خريطة التحولات الحالية والمستقبلية في المنطقة، وأن الصراع لا يقتصر على دول فحسب، بل يمتد إلى صراع بين شبكات سلاح، وشبكات معلومات، وشبكات للتمويل، وأخرى للتهجير.

ومن المهم إدراك أن السؤال هنا ليس من انتصر عسكرياً عند تفسير المشهد، بقدر معرفة ما الذي تغير وسيغير في بنية الشرق الأوسط، خاصة بعد أن كشفت تداعيات الحرب الأخيرة والتصعيد المتبادل بين أمريكا وإيران عن تراجع فاعلية الردع الأمريكي بالمنطقة، بعدما أخفقت في تحقيق الأهداف الرئيسية التي دخلت من أجلها الحرب، أو العملية العسكرية كما يحلو لها في التوصيف، للصراع مع إيران حول المضايق الإستراتيجية للتجارة العالمية.

بدون شك، تمر منطقة الشرق الأوسط بواحدة من أخطر لحظات التحول في تاريخها، ولا يمكن اختزالها في خرائط اشتباكات، بل إننا أمام تعريف جديد لمعنى الحرب بالإقليم، يمتد إلى معنى الأمن واستيراده من عدمه، ومعنى الاقتصاد والرأي العام، بل ومعنى المواطن ذاته داخل فضاء عربي إقليمي يعيش على حافة التحول الداهم.

لقد كانت حرب غزة الشرارة الأكثر مأساوية، رغم أن ما كان تحت السطح محملاً بمواد قابلة للانفجار، مما أدى إلى أن الشرق الأوسط لم يعد يتعامل مع حرب واحدة، بل مع مجموعة من الحروب تشمل حرباً على الأرض، وحرباً على الثقة، وعلى الممرات البحرية، وعلى صورة المستقبل، من جنوب لبنان إلى البحر الأحمر، ومن العراق وسوريا إلى الخليج.

واللحظة التاريخية الفاصلة لمنطقة الشرق الأوسط يمكن وصفها بالزلزال، ولن ندرك آثارها إلا بعد أن يتوقف البارود، نظراً لأن الصراع الحالي تجاوز فكرة تدمير المنشآت ليمتد إلى تدمير المنظومات الأمنية والسياسية، حيث انتقل المحتل الإسرائيلي بعد أحداث 7 أكتوبر من إستراتيجية التعايش مع التهديدات إلى إستراتيجية اجتثاث الجذور، وتبنت نظرية الضربات الاستباقية لإنهاء أي تهديد مستقبلي، وهو ما نلمسه حالياً في تعاملها مع ملفات سوريا ولبنان وإيران.

وإذا كانت حروب الخليج الأولى والثانية اعتمدت بشكل كامل على الحشد البري الضخم والأنساق العسكرية المتتالية، إلا أننا نجد أنفسنا في حرب الخليج الثالثة أمام مشهد يتم الاعتماد فيه على التكنولوجيا المتقدمة والحروب السيبرانية والمعلوماتية، حيث تعد السيطرة المعلوماتية هي المفتاح، حيث منحت واشنطن ميزة لإسرائيل بالوصول المباشر إلى الأقمار الصناعية العسكرية الأمريكية بشكل يسهم في تقليص هامش الخطأ في الاستهداف، وأصبح متاحاً لها تنفيذ عمليات اغتيال دقيقة باستخدام تقنيات التعرف على الوجه المدمجة في الصواريخ التي تستهدف أشخاصاً دون المساس بمن حولهم!!

ينبغي إدراك أن تدمير إيران سيؤدي إلى خلل خطير في التوازن الإستراتيجي بالمنطقة، خاصة في ظل مخاوف إعادة هندسة الإقليم بما يخدم مصالح قوى إقليمية ودولية تسعى لفرض نفوذها وهيمنتها على الإقليم بأكمله.

لم تقتصر المواجهة على الصدام المباشر، بل امتدت لتشمل جبهات متعددة في لبنان، وسوريا، واليمن، والعراق، مما أدى إلى زعزعة استقرار الدول المجاورة وتحولها إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية.

كما أدى اندلاع النزاع إلى صدمة في أسواق الطاقة، حيث قفزت أسعار خام برنت لتتجاوز حاجز 120 دولاراً للبرميل فور إغلاق مضيق هرمز في مارس 2026، مما أثر على سلاسل الإمداد العالمية، وتسبب في ارتفاع حاد في تكاليف الشحن والتأمين البحري، واضطرت دول المنطقة إلى رفع جاهزيتها العسكرية القصوى، مما أدى إلى زيادة الإنفاق الدفاعي على حساب خطط التنمية الاقتصادية في بعض الدول غير النفطية.

ويعد إغلاق المضيق، أو التهديد الجدي بإغلاقه، ضربة قوية للدول التي تعتمد عليه كلياً في تصدير النفط والغاز، مثل الكويت وقطر. ورغم وجود بدائل مثل خط أنابيب "حبشان - الفجيرة" في الإمارات، والخط "الشرقي - الغربي" في السعودية، إلا أن هذه البدائل تظل محدودة القدرة الاستيعابية، ولا تعوض التدفق الكامل عبر المضيق. كما أثبتت أحداث عام 2026 أن الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية تمثل تهديداً مباشراً للمنشآت الحيوية ومحطات تحلية المياه والطاقة في دول الخليج، مما يضع أنظمة الدفاع الجوي تحت ضغط دائم.

وتعتمد دول الخليج على الاستيراد لتغطية أكثر من 80% من احتياجاتها الغذائية عبر الممرات البحرية، ولذلك تسبب النزاع في إعلان "حالة طوارئ غذائية" أدت لارتفاع الأسعار بنسب تراوحت بين 40% إلى 120% في بعض السلع الأساسية.

كما أدى الصراع إلى اهتزاز صورة المنطقة كـ"وجهة آمنة" للاستثمارات الأجنبية والسياحة، مما أثر على الخطط الطموحة لتنويع الاقتصاد، مثل رؤى 2030 وما بعدها.

ربما تضطر دول المنطقة إلى تنويع شراكاتها الأمنية، والبحث عن "توازن دقيق" يقلل الاعتماد المطلق على المظلة الأمريكية، مع تعزيز التعاون مع قوى دولية أخرى مثل الصين، أو محاولة فتح قنوات دبلوماسية مباشرة مع إيران لتهدئة التوتر.

ومن المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة تسارعاً كبيراً في إنشاء خطوط أنابيب عملاقة عابرة للحدود، وتطوير موانئ على بحر العرب والبحر الأحمر لتجاوز نقاط الاختناق في الخليج.

كما أنه من المتوقع أن ينصب التركيز المستقبلي على امتلاك تقنيات اعتراض المسيرات والحرب السيبرانية كأولوية قصوى لحماية المراكز المالية والنفطية.

وإذا استمرت حالة "لا حرب ولا سلم" لفترة طويلة، فقد يتباطأ النمو الاقتصادي في المنطقة العربية بمعدلات تتراوح بين 120 إلى 194 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي، وفقاً لتقديرات دولية.

إننا أمام تحديات مستقبلية من التوجه نحو مجلس الأمن لفرض الإرادات وتحصين الممرات، بعد أن فشلت العملية العسكرية في تحقيق أهدافها.

قد يهمك