يُمثل الحوار قيمة إنسانية وضرورة حياتية للإنسان، وهو عملية اجتماعية لا تستطيع المجتمعات الحديثة التخلي عنها، فالحوار فرصة جيدة لتبادل الآراء ومناقشة الأفكار ونقل التجارب والخبرات، بين المواطنين بعضهم بعضًا، وبين الأجيال المختلفة، حول مختلف القضايا والموضوعات، السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي يتطلب طرح جميع الرؤى والاعتقادات، واحترام الرأي والرأي الآخر، خاصة وأن الحوار يُساعد على فهم الذات وفهم الآخرين، ما يزيد المساحة المشتركة بين مكونات الجماعة الوطنية داخل الوطن الواحد، ويرفع مستوى الثقة بين الشعوب والأوطان في العلاقات الدولية.
على هذا النحو يرتبط الحوار بالمجتمعات المتمدنة والمتحضرة، خاصة وأنه يسهم في تحقيق السلام والاستقرار بين المواطنين داخل الوطن، ومن جانب آخر بين الدول والشعوب على المستوى الإقليمي والدولي، حتى أنه يمكننا الزعم بأن الحوار الجيد، الفعّال والناجح، يمكنه حل الكثير من المشكلات والتحديات والأزمات على كافة الأصعدة والمستويات التي تواجهها المجتمعات المعاصرة.
مفهوم الحوار
هو عملية مشاركة وتعلم، وتبادل للرؤى والأفكار ووجهات النظر، حول مختلف القضايا والموضوعات، حيث يهدف إلى تحقيق الفهم المتبادل لمعتقدات ومشاعر واهتمامات واحتياجات المجموعة أو المجموعات المشتركة في الحوار، بأسلوب متفتح وغير عدائي، إذ أن غايته الأساسية تحسين التفاهم وبناء الثقة بين المشاركين في عملية الحوار، مع احترام وقبول الاختلاف فيما بينهم.
ومن ثم فإن الحوار فرصة جيدة للتواصل وكسر الحواجز والتعاون البنّاء بين مختلف القوى والتيارات الموجودة داخل المجتمع، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ما يحقق الخير العام والمصلحة العامة، للوطن ومواطنيه.
على المستوى الوطني فإن المواطنين يعيشون في وطن واحد ويواجهون تحديات واحدة ويجمعهم مصير مشترك، وعلى المستوى الإقليمي والدولي فإن البشرو يحتاجون إلى الحوار لما يمثله من ضرورة، حيث يرفع مستوى الثقة ويحقق الفهم المشترك ويرسخ السلام والاستقرار.
أنواع الحوار
يتنوع الحوار على أكثر من مستوى..
هناك حوار الحياة اليومية المشترك، بين المواطنين بعضهم بعضًا، وهو حوار غير رسمي، حول شؤون الحياة اليومية، مثل الحوارات التي تحدث في إطار المنزل والشارع، والجيرة.
وهناك الحوار الرسمي/ المنظم الذي تنظمه هيئات الدولة ومؤسساتها، حول مختلف القضايا التي تمثل اهتمامًا مشتركًا.
وهناك الحوار بين أتباع الثقافات المختلفة "Intercultural Dialogue"، وهو قيمة إنسانية لا غنى عنها في المجتمعات الحديثة والناهضة، حيث يرتبط بقيمتي التنوع والتعددية، فالتنوع يعني الحالة الطبيعية التي خُلقنا عليها، فهناك الرجل والمرأة، الطويل والقصير، من ذوي البشرة البيضاء والبشرة السمرا.. إلخ. أما التعددية فهي تعني الاعتراف السياسي بهذا التنوع وهذا الاختلاف، في الدساتير والقوانين، ومختلف الممارسات.
وهناك أيضًا الحوار بين أتباع الأديان المختلفةInterreligious Dialogue" "، وهو عملية اتصال منظمة بين أفراد ينتمون إلى ديانات مختلفة، بهدف تعزيز الفهم المتبادل والقدرة على التعايش السلمي والعمل المشترك والتفاعل البنّاء بين مكونات الجماعة الوطنية.
متطلبات الحوار الناجح
يمكن الإشارة هنا إلى مجموعة من المبادئ والمنطلقات الأساسية الخاصة بتحقيق الحوار الناجح والفعّال، منها:
- مشاركة مختلف قوى المجتمع في عملية الحوار، ضرورة لا غنى عنها، المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، السياسية وغير السياسية، ومن ذلك مثلًا لا حصرًا الوزارات والجامعات، ومنظمات المجتمع المدني، مثل الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والمراكز البحثية والجمعيات الأهلية، بالإضافة إلى مشاركة مختلف الفئات ومكونات الجماعة الوطنية المصرية، من السياسيين والمفكرين ورجال الأعمال، والمرأة والشباب، وذوي الاحتياجات الخاصة، من مختلف الانتماءات الدينية والفكرية، ما يعكس احترام مبدأ المواطنة الذي يقوم على المشاركة والمساواة بين مختلف المواطنين، دون تفرقة ودون تمييز.
- الالتزام بالأدبيات المتعارف عليها للحوار، ومن ذلك احترام جميع وجهات النظر، وحسن الاستماع والإنصات، وصدق النوايا بالنظر إلى المصلحة العامة أولًا وأخيرًا، وتجنب الاستبعاد والإقصاء والتهميش، ما يسمح بالاستفادة الحقيقية من مختلف الخبرات والطاقات واستثمارها على النحو الأمثل في صالح الوطن/ الأوطان.
- أن يتطرق الحوار بكل شفافية وموضوعية إلى مختلف القضايا والموضوعات، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في إطار من المصارحة والشفافية، من خلال رؤية شاملة تأخذ في الاعتبار جذور كل قضية وحاضرها، والتفكير في مستقبلها، ما يُسهم في مواجهة الأزمات المتوقعة والطارئة، المحلية والإقليمية والدولية، من أجل حاضر أفضل ومستقبل واعد، لنا ولأولادنا من بعدنا.
- مشاركة وسائل الإعلام، الصحف والمحطات الإذاعية والقنوات التليفزيونية والمواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، في نقل فعاليات الحوار، لضمان أكبر مشاركة وحضور من جانب المواطنين الذين يُمثلون بدورهم القاعدة الجماهيرية في الدولة، التي تقوم على أسس الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة واحترام مبدأي المواطنة وحقوق الإنسان.
- هناك مسئولية مشتركة بين الجميع في نشر ثقافة الحوار، حيث يبرز هنا دور الأسرة إلى جانب المؤسسات الدينية والتعليمية والثقافية والشبابية والتشريعية والإعلامية، والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني من جمعيات ومؤسسات أهلية.
- تُمثل المسئولية الاجتماعية مبدأً مُهمًا والتزامًا أصيلًا لكافة ممارسات الحوار، فالمسئولية هي الوجه الآخر للحرية، ولا توجد حرية دون مسئولية، فأنت حر لكنك مسئول في الوقت ذاته، ما يمكن التعبير عنه بمصطلح "الحرية المسئولة" التي تُعلي المصلحة الوطنية وتحقق الخير العام، ومن ثم فإنها تفند الآراء المتطرفة والأفكار المتعصبة التي من شأنها إثارة القلق وتغذية التوتر بين المواطنين، وبالتوازي، فإنها تهتم بترقية الذوق العام والحس الوطني عبر تسليط الضوء على المبادرات المجتمعية التي تدعم قيم المواطنة والحوار والسلام المجتمعي، وتناهض العنف والتمييز والتطرف.
مؤسسات المجتمع ودعم ثقافة الحوار
نحن جميعًا مسئولون عن نشر ثقافة الاختلاف، وتحريره من دعاوى التحريم التي يمارسها البعض إن كان بالفعل أو بالقول أو بكليهما معًا، ما يفرض مسؤولية خاصة بالعمل على نشر وترسيخ ثقافة الحوار والحق في الاختلاف ليس بين الكبار وحدهم فحسب، ولكن من المهم أيضًا تربية النشء الصغير، وحث الشباب والكبار، على قبول الآخر واحترام الاختلاف معه، والإيمان بحقه في الوجود، بل وأهمية وجوده، ففي التعددية تنوع وثراء يفيد المجتمع ولا يضره، متى تمت إدارة الاختلاف بحكمة وعناية وتدبير.
هنا ينبغي الحديث عن دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية في نشر ثقافة الاختلاف والالتزام بأدبياته، حيث الأسرة والجامع والكنيسة والنادي ومركز الشباب والنادي وقصر الثقافة والمدرسة والجامعة، فضلًا عن منظمات المجتمع المدني.. وغيرها من مؤسسات، بما يمكن أن يُنقل المجتمع، أي مجتمع، من حالة الإقصاء والاستبعاد التي يُمارسها البعض ضد البعض الآخر إلى حالة الدمج والمشاركة، ومن ثم تأكيد معاني التعاون والعمل الجماعي والعيش المشترك والسعي نحو تحقيق الخير العام "The public good" الذي يشترك في صناعته كل أعضاء الجماعة الوطنية بتنوعهم الخلاق، هؤلاء الذين يعيشون في وطن واحد ويجمعهم مصير مشترك.
المؤسسات التعليمية (المدارس والجامعات)
تستطيع المدارس ترسيخ قيمة الحوار عند الأطفال والنشء، من خلال المقررات والمناهج الدراسية، بالإضافة إلى الأنشطة الطلابية، وبالإجمال توفير بيئة تعليمية داعمة لقيمة الحوار.
وتُمثل الجامعات أحد الكيانات التثقيفية والمراكز التنويرية الأساسية في المجتمع، فهي بيت خبرة للدولة والمجتمعات المحلية، وليس غريبًا أن يُمثل وجود الجامعة في نطاق جغرافي معين أو في محافظة ما علامة بارزة على تحضر تلك المحافظة. وللجامعات دور أكاديمي، بحثي وتعليمي، من خلال القاعات الدراسية والمراكز البحثية والدوريات والمؤتمرات العلمية، على مستوى العلوم التطبيقية والإنسانية والاجتماعية، إلى جانب دورها في عملية التثقيف والتنوير، وتشكيل منظومة القيم، كل هذا وغيره يلفت النظر إلى الدور الكبير، الرائد والمهم، الذي يمكن أن تقوم به الجامعات في خدمة المجتمع.
والجامعات يمكنها دعم وترسيخ ثقافة الحوار، باعتبارها عملية ديناميكية، تستمر ولا تتوقف، حيث يمكن للجامعات، وبالتعاون مع غيرها من مؤسسات المجتمع، الحكومية وغير الحكومية، أن تنظم أنشطة وفعاليات متنوعة تشهد الكثير من ممارسات الحوار وأدبياته، ومن ثم المساهمة مع مختلف مؤسسات الدولة ومختلف مؤسسات التنشئة الاجتماعية، في عملية بناء الوعي ورفعه لدى الطلاب/ الشباب، من حيث وعي المواطن"ة" بنفسه وبالمجتمع الذي يعيش فيه والوطن الذي ينتمي إليه ويحمل هويته وتاريخه، وكذلك وعيه بالعالم، من خلال إقامة الندوات وتنظيم ورش العمل وجلسات النقاش وعقد المؤتمرات، التي تختص بالحوار، حول مختلف القضايا والموضوعات، ما يضمن مشاركة أوسع من جانب المواطنين/ الشباب في عملية الحوار الوطني، حيث يُمثل الشباب قاعدة كبيرة وعريضة في كثير من المجتمعات.
وهذه الفعاليات الجامعية يمكنها أن تأخذ مسارين أساسيين، المسار الأول خاص بالحوار مع الطلاب/ الشباب، ومناقشتهم في كل ما يخص الوطن ومواطنيه، بينما يختص المسار الثاني بالحوار مع قيادات الرأي في المجتمع، ومختلف مؤسسات الدولة وهيئاتها.
ويمكن للجامعات تنظيم فعاليات المشاركة في الحوار الوطني حول قضايا وموضوعات، لصيقة بالمواطنين والمجتمع، منها: التنمية المستدامة، التغيرات المُناخية والوعي البيئي، إصلاح التعليم وتطويره، مواجهة ثلاثي الفقر والجهل والمرض، مواجهة الأزمات الاقتصادية وتعظيم الإنتاج مقابل الاستهلاك، رفع الوعي الصحي، الزيادة السكانية وأثرها على عملية التنمية، تماسك الأسرة ومواجهة ظواهر التفكك الأسري والطلاق والانفصال، مناقشة حوادث العنف المجتمعي وكيفية مواجهتها، محاربة الإرهاب والتطرف والتشدد ومناهضة التمييز، تمكين الشباب والمرأة وذوي الاحتياجات الخاصة، حفظ الهوية الوطنية مع الانفتاح على الآخر، المسئولية الاجتماعية لمختلف أطراف المجتمع، بناء منظومة القيم الإيجابية في المجتمع المصري والمُتمثلة بشكل أساسي ورئيس في دعم وترسيخ مبدأ المواطنة وقيم التسامح وقبول الاختلاف والعيش المشترك والتعاون البناء والتضامن الاجتماعي والوحدة الوطنية، وغيرها من قيم إيجابية وممارسات حياتية مقبولة ومطلوبة، تضمن للوطن وحدته وتماسكه، نهضته وتطوره.
كما يمكن أن تشهد اللقاءات التي تنظمها الجامعات تساؤلات من نوع: ماذا تريد الدولة من الشباب؟ وماذا يريد الشباب من مؤسسات الدولة؟ وما رؤية الشباب لدورهم في الدولة؟ كيف يرون الحاضر الذي يعيشونه؟ وكيف يتطلعون للمستقبل؟ وماذا يفعلون من أجل مستقبل أكثر إشراقًا ونهضة وتقدمًا؟
المؤسسات الثقافية
تحتل الثقافة مكانة القلب في بقية المجالات الأخرى، فالثقافة أسلوب حياة، ينعكس على الأفكار والأفعال، التي يُمارسها الإنسان (المواطن)"ة" في حياته اليومية، وتؤثر على سلوكه وأفعاله، وفي علاقته مع الآخرين من الأقارب والأصدقاء وزملاء العمل. كما أن الثقافة تقوم بدور أساسي ورئيس في تشكيل منظومة القيم السائدة في المجتمع، الذي بات يُعاني من مشكلة تبدل القيم، ما يتجلى في بروز بعض أنماط سلوكية وممارسات حياتية غريبة هنا وهناك.
وهناك الكثير من مؤسسات المجتمع التي تُمارس دورًا ثقافيًا بشكل أو بآخر، منها المؤسسات الدينية والتعليمية والفنية والرياضية والشبابية والإعلامية ومؤسسات المجتمع المدني من جمعيات ومؤسسات أهلية ونقابات مهنية وأحزاب سياسية، إلى جانب الدور الذي تلعبه وزارة الثقافة، بمؤسساتها الكثيرة والمتشعبة، ما يلفت النظر إلى أهمية التشبيك وبناء الشراكات بين تلك المؤسسات، والتعاون فيما بينها من أجل إنجاز مشروعات ثقافية مشتركة، ومن ذلك تقديم مواسم ثقافية متكاملة على مدار العام لمختلف الفئات والأعمار.
وهناك احتياج لتشجيع الفرق الشابة في مختلف مجالات الثقافة، ومن ذلك الفرق المسرحية والكيانات التمثيلية والكورالات الموسيقية، ما يُسهم في تقديم عروض فنية ترتقي بالعقل وتسمو بالروح، وهنا يمكن استثمار مسارح وقاعات النقابات المهنية، ومراكز الشباب والمراكز الثقافية، التي تنتشر في المدن، وبعض القرى، بما تملكه من طاقات بشرية وإمكانيات مادية، يمكن الاستفادة منها في نشر الثقافة والمعرفة.
كذلك، دعم حركة نشر الكتب وبيعها بأسعار معقولة، عبر المؤسسات الحكومية والخاصة، ودعم وتشجيع المبادرات المعنية بقراءة الكتب والصحف، من خلال حملات التسويق الإعلامي، والحث على عودة الاهتمام بمكتبة المنزل والمدرسة ودور العبادة، وتنشيط حركة المكتبات المتنقلة في المناطق التي تفتقد للمكتبات العامة، حتى يشب الأطفال والنشء والشباب، في القرية والمدينة، على حب القراءة والمعرفة والتدريب على كيفية الوصول إلى المعلومات، إلى جانب استخدام التقنيات الحديثة ومواقع الإنترنت، حيث يُمثل الكتاب مصدرًا رئيسًا للثقافة ومنبعًا أساسيًا للمعرفة، كما تُمثل الصحيفة وجبة غذائية ثقافية يومية يجتمع على صفحاتها الكثير من الأخبار والتقارير والتحقيقات والحوارات ومقالات الرأي في مختلف القضايا والموضوعات.
أيضًا، دعم الفعاليات الثقافية داخل المؤسسات التعليمية، حيث المدارس والمعاهد والكليات، التي يتكون جمهورها بشكل رئيس من الأطفال والشباب، عبر إقامة الندوات وإعلان المسابقات، إلى جانب تنظيم الرحلات والزيارات الميدانية للمواقع الأثرية والمؤسسات الثقافية.
أما عن الموضوعات التي يمكن أن يناقشها محور الإصلاح الثقافي، فإن ثمة قائمة من القضايا الثقافية التي من الممكن أن يناقشها المشاركون في الحوار الوطني، والمعنيون بالشأن الثقافي، منها مثلًا لا حصرًا: الثقافة وقضية الحفاظ على الهوية، الانفتاح على الآخر في حوار صحي دون تشدد ودون انغلاق، دور الثقافة في بناء الوعي بالذات والمجتمع، دعم وتشجيع أدب الحوار وثقافته، تشجيع القراءة والبحث عن المعرفة، الثقافة وتشكيل منظومة القيم، مواجهة المشكلات التي تعوق العمل الثقافي.
المؤسسات الصحفية والإعلامية
يُسهم الإعلام، مع غيره من مؤسسات التنشئة الاجتماعية، في تشكيل منظومة القيم السائدة في المجتمع، ومن تلك القيم مثلًا لا حصرًا الحوار وقبول الاختلاف واحترام التعددية والتنوع، بالإضافة إلى مبدأ المواطنة الذي يقوم على أساس المشاركة والمساواة بين جميع المواطنين دون تفرقة، كما يُشارك الإعلام في مناهضة العنف والتعصب والتطرف ومكافحة كل أشكال التمييز، حيث يُعد التنوير والتثقيف والتوعية والتنمية وتبصير الرأي العام وظائف أساسية للإعلام، لا غنى عنها في عالمنا المعاصر.
يُمثل الإعلام أحد أركان الدولة، كما يُمثل عنصرًا رئيسًا وفاعلًا في بناء المجتمعات الحديثة والناهضة، إلى الحد الذي يمكن اعتباره شريكًا أساسيًا لمختلف مؤسسات المجتمع، الحكومية وغير الحكومية، فالإعلام يقوم بوظائف كثيرة ومتنوعة منها: الإخبار والإنباء، التعليم والتثقيف، التسلية والترفية، المُساهمة في صناعة الرأي العام، المشاركة في عملية التنمية، بناء الوعي وتشكيل الهوية، دعم وترسيخ منظومة القيم الإيجابية مثل المواطنة والحوار والتسامح وقبول الآخر والعلم والعمل والإنتاج..، بالإضافة إلى مهمة توثيق الأحداث والآراء والأفكار.
وفي إطار تفعيل دور الإعلام في دعم ثقافة الحوار ومناهضة العنف فمن الواجب التزام الجماعة الصحفية والإعلامية بمجموعة المعايير والضوابط المهنية المتعارف عليها مثل الحياد والمصداقية والموضوعية وتحري الدقة والتأكد من المعلومات قبل نشرها وتحقيق التوازن بين أطراف المجتمع ومكوناته، والفصل بين الرأي والخبر، واحترام الحق في الخصوصية، واختيار المصادر المناسبة، وعدم الانحياز إلى طرف ضد آخر، والحرص على نقل وعرض جميع وجهات النظر من كافة الأطراف والمسئولين، وعرض القضية بجميع جوانبها ووضع حلول لها، والالتزام الكامل بحقيقية الأحداث.
أيضًا: عدم الاعتماد على مواقع التواصل الاجتماعي في الحصول على الأخبار والمعلومات، وعدم التشهير، ومنع استخدام المصطلحات التي ترسخ للطائفية والعنصرية وتعمق الأزمات، واللجوء للمصطلحات والألفاظ التي تدعم مبدأ المواطنة والحوار، والابتعاد عن الإثارة والأهواء الشخصية، ومراعاة كل الجوانب الحساسة، والالتزام بعدم حذف أو انتقاص أي جزء من النص، وعدم الانجراف نحو الرغبة في تحقيق السبق الصحفي- الإعلامي على حساب الحقيقة ومصلحة الوطن.
كل ذلك وغيره تقوم به وسائل الإعلام، التقليدية منها مُمثلة في الجرائد والمجلات والمحطات الإذاعية والقنوات التليفزيونية، ووسائل الإعلام الحديثة مُمثلة في المواقع الإلكترونية ذات الطبيعة الإعلامية، بالإضافة إلى شبكات التواصل الاجتماعي التي باتت تتمدد وتتسع يومًا بعد آخر، وذلك عبر مجموعة متنوعة من المواد الصحفية والقوالب الإعلامية.
المجتمع المدني
يمكن للجمعيات والمؤسسات الأهلية تنظيم فعّاليات المشاركة في الحوار داخل المجتمع، حول قضايا وموضوعات، لصيقة بالمواطنين والمجتمع، منها مثلًا لا حصرًا: التغيرات المُناخية والوعي البيئي، تطوير التعليم، مواجهة ثلاثي الفقر والجهل والمرض، رفع الوعي الصحي، الزيادة السكانية وأثرها على عملية التنمية، تنمية مهارات الأطفال، تماسك الأسرة والعائلة، تمكين الشباب والمرأة وذوي الاحتياجات الخاصة، حفظ الهوية الوطنية، المسئولية الاجتماعية للمؤسسات ورجال الأعمال والمواطنين.
بالإضافة إلى مناقشة الجهود التي تبذلها مؤسسات التنشئة الاجتماعية، حيث المؤسسات الدينية والتعليمية والثقافية والفنية والإعلامية والتشريعية، والخاصة ببناء منظومة القيم الإيجابية في المجتمع والمُتمثلة بشكل أساسي ورئيس في دعم وترسيخ مبدأ المواطنة وقيم التسامح وقبول الاختلاف والعيش المشترك والتعاون البناء والتضامن الاجتماعي والوحدة الوطنية، وغيرها من قيم إيجابية، تضمن للوطن وحدته وتماسكه، نهضته وتطوره، ومن ثم الخروج برؤية واضحة المعالم حول موقف المواطنين من تلك الموضوعات ورؤيتهم لهذه القضايا.
كما يمكن طرح تساؤلات من نوع: ماذا يريد المواطنون من مؤسسات الدولة؟ وما رؤية المواطنين لدورهم في المجتمع؟ كيف يرون الحاضر؟ وكيف يتطلعون للمستقبل؟ وماذا يفعلون من أجل مستقبل أكثر إشراقًا ونهضة وتقدمًا؟
مجلس للحوار
إذا كان الحوار عملية ديناميكية (Dynamic process) تتميز بالتفاعل والحركة والاستمرار وعدم التوقف عند مرحلة معينة، فهو الأمر الذي يجعلني أقترح تأسيس ما يمكن تسميته بـ "المجلس الوطني للحوار"، في كل مجتمع/ دولة، على أن يضم في عضويته مُمثلين من مختلف القوى والتيارات المجتمعية، بصورة تعكس قيمة التعددية والتنوع التي يتميز بها المجتمع/ المجتمعات، وتمثل أحد عوامل قوته وغناه وثرائه.
ويكون هدف المجلس مناقشة مختلف القضايا والموضوعات الخاصة بحاضر المجتمع ومستقبل أبنائه، في إطار من إعلاء المصلحة العامة.
========
نقلاً عن مجلة الأمة الديمقراطية
من زوايا العالم