لم تكن التصريحات الأخيرة التي أدلى بها مسئولين وساسة أمريكيين وإسرائيليين ذلات لسان أو أتت من فراغ، وإنما هي متعمدة وأطلقت في توقيت مناسب تماماً لما يحاك من خطط مستقبلية لرسم خريطة جيوسياسية وديمغرافية جديدة لمنطقة الشرق الأوسط، وإنشاء مراكز قوى جديدة وإزاحة أخرى في المنطقة طبقًا لأهواء ومصالح إسرائيل بمساعدة من الولايات المتحدة الأمريكية التي سخرت كل إمكاناتها لخدمة أغراض الصهيونية في المنطقة وإنجاز مشروعاتها التوسعية، تحت مسمى حماية أمن إسرائيل، مما يفسر لنا جليًا الهدف وراء التحشيد والآليات العسكرية الضخمة الأمريكية المرسلة للشرق الأوسط، هذه الأيام.
تصريحات تمهد للمشروع الصهيو- أمريكي بالمنطقة:
في الآونة الأخيرة خرج علينا عدد من المسئولين الأمريكان والإسرائيليين بتصريحات تمهد وتبرر المشروع الصهيوأمريكي بالمنطقة:
- " مايك هاكابي" السفير الأمريكي لدى إسرائيل، والتي ذكر فيها "أنه لايرى مانع من استيلاء إسرائيل على منطقة الشرق الأوسط بأكملها"، مستندًا لأسباب دينية، حيث أنه حق توراتي (جاء في سفر التكوين)، ولم تنف الإدارة الأمريكية مقولة "هاكابي" ولكنها تذرعت بأن الكلام اجتزئ من سياقه.
- في فترة سابقة أعلن "بنيامين نتنياهو" رئيس الوزراء الإسرائيلي في أحد اللقاءات التليفزيونية على قناة i24 News الإسرائيلية في 12 أغسطس 2025 أنه يسعى لبناء إسرائيل الكبرى، التي تضم فلسطين المحتلة، وأجزاء من الأردن، ولبنان، وسوريا، ومصر، والعراق؛ امتثالاً لواجب تاريخي وروحاني تفرضه عقيدته، كاشفًا عن ملامح مشروع أيدولوجي تغذيه عقيدة توسعية ممتدة منذ نشأة الحركة الصهيونية، و تيار (الصهيونية التصحيحية) بزعامة "زئيف جابوتنسكي" الأب الروحي لتيار الليكود، ولم يخل ذلك من البراجماتية السياسية؛ حيث برر بذلك حرب الإبادة التي قام بها في غزة، وتصويت أعضاء الكنيست بأغلبية واسعة في يوليو 2025 لصالح قرار رمزي يدعم ضم الضفة الغربية، إضافة لقانون أقرته حكومته عام 2023 قضى بإلغاء "فك الارتباط" مع غزة، وتكرس السيادة القانونية الإسرائيلية على المستوطنات، وحاول كسب شعبية أكبر لدى اليمين الإسرائيلي لزيادة أمد وجوده في السلطة، ووظف ذلك لكسب أوراق ضغط في ملفات إقليمية مثل ملف "التطبيع" .
كشف النقاب عن المحور الإسرائيلي الدولي الجديد:
تحدث "نتنياهو" في خطابه في عيد "البوريم" عن تشكيل محور جديد يتجاوز منطقة الشرق الأوسط، بحيث يمتد "من الهند إلى كوش"، موضحًا أن الحديث يدور عن "دائرة كاملة تحيط بالشرق الأوسط، وما بينهما وحتى داخل البحر الأبيض المتوسط"، يضم دول عربية وآسيوية وإفريقيا لم يسمها بعد، وكذلك دول تطل على البحر المتوسط، كاليونان وقبرص للتصدي لما وصفه بالمحور الشيعي المنهار وبالمحور السني المتطرف قيد التشكل، وهو يشير هنا إلى التحالف السعودي المصري القطري التركي السوري الباكستاني، وكان ذلك في إطار الإعلان عن زيارة "مودي" رئيس الوزراء الهندي الذي من المقرر أن يوقع على عدد من اتفاقيات التعاون والصفقات العسكرية الضخمة مع إسرائيل، وقد تكشفت ملامح هذا المحور في مؤخرًا من خلال التحركات الإسرائيلية على مستوى المنطقة أو الدول الواقعة في محيطها، من خلال المخططات الإسرائيلية للتواجد وفرض الهيمنة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي عبر دعم الجماعات الانفصالية في اليمن والسودان وأرض الصومال، ومن خلال أذرع إقليمية رسمية ستكون ركيزة لهذا المحور الجديد، ومداعبة بعض القوى العالمية كالهند من خلال الزيارة المرتقبة وتزويدها بآليات وأسلحة لمجابهة خصمها التقليدي باكستان من خلال هذا المحور، أما ضم كل من قبرص واليونان للمحور الناشئ يرمي إلى استثارة الجانب التركي، والتحالف ضده هو والجانب السوري لاسيما مع الدور الرئيسي الذي تلعبه أنقرة في دمشق لدى الحكومة الانتقالية برئاسة "أحمد الشرع"، إلى جانب توتر العلاقات في الفترة الأخيرة بين أنقرة وتل أبيب بسبب موقفها من حرب غزة، والسباق المحموم المشتعل بين تركيا وإسرائيل بهدف توسيع النفوذ في سوريا، وهو ما ظهر جليًا في رفض إسرائيل إشراك تركيا في قوة السلام المرسلة إلى غزة لحفظ الأمن، وكذلك رفض مسئوليين إسرائليين بيع صفقة طائرات "F35" إلى تركيا، وفي السياق رفض التقارب بين الرئيس الأمريكي والرئيس التركي والسوري " الشرع"، لاسيما بعد الانهيار التام في المحور الشيعي الذي سيعزز من مكانة تركيا بالمنطقة ويجعلها البديل الجاهز للجانب الإيراني في المنطقة.
وكجزء من استراتيجات إسرائيل لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط ضمن مشروعها التوسعي المدعوم أمريكيًا، في حدود الإطار الضيق القريب تنتهج سياسات توسعية بعينها على حساب الدولة الفلسطينية:
- سياسة السعي للسيطرة على المحاور وتقطيع الأوصال في غزة:
من خلال هذه السياسة عملت إسرائيل منذ "طوفان الأقصى" 7 أكتوبر 2023، واندلاع حرب الإبادة العرقية في غزة، على محاولات تطويق قطاع غزة وإفراغه من أهله، والاستحواذ عليه، لعدة أسباب أبرزها:
- إحياء وتنفيذ مشروع قناة "بن جوريون" التي تربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط، وهو المشروع المنافس لقناة السويس؛ للسيطرة على طرق الملاحة والتجارة في المنطقة.
- تنفيذ مشروع الممر الاقتصادي العالمي بين الهند وأوروبا ودول الخليج وإسرائيل.
- السيطرة على الثروات الموجودة في غزة، وعلى حقول الغاز وأهمها حقلي "غزة مارين 1 و2" الذي أصبح بعد 7 أكتوبر 2023 تحت السيطرة الإسرائيلية بشكل كامل.
ولتحقق إسرائيل هذه السيطرة بعد اشعال الحرب في غزة وتدمير القطاع، ومحاولة إبادة وتهجير سكانه، قامت تل أبيب بالسيطرة على عدد من المحاور التي من خلالها تستطيع تقطيع أوصال القطاع، وتفتيته، والاستحواذ عليه بسهولة، وحرمان الفلسطينيين من العودة لأراضيهم داخل القطاع، وكان من أبرز هذه المحاور:
- "محور موراغ" المعروف فلسطينيًا بـ"ممر صوفا"، حيث يفصل خان يونس عن رفح جنوبي قطاع غزة، وقد انسحبت منه إسرائيل في سبتمبر 2005 بعد إقرار خطة "فك الارتباط" بزعامة "إرييل شارون" رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، وبعد حرب الإبادة في غزة عاودت إسرائيل الاستيلاء عليه من جديد، وترجع أهميته إلى أنه مكن الجيش الإسرائيلي من التحكم بمدينتي خان يونس ورفح، واستخدامه كنقطة انطلاق للتوغلات العسكرية في بلدات جنوب القطاع، ويضم المحور مئات الدفيئات الزراعية الإسرائيلية، التي شكّلت سلة غذاء مهمة لمستوطنات كانت تحتل نحو 35% من مساحة قطاع غزة، وأنشئت على أراضيه مصانع للكرتون والتعليب والتغليف، إضافة إلى تعبيد طريق استيطاني على طوله أُطلق عليه لاحقا "الطريق 240″، وعززه الاحتلال ببؤر استيطانية وعسكرية، وبمرور الوقت أصبح محور "موراغ" الطريق الاستيطاني الأهم في قطاع غزة، كونه يربط تجمع مستوطنات "غوش قطيف" بإسرائيل.
- محور "ماجين عوز": استكملت إنشاؤه قوات اللواء 188 ولواء جولاني فتح محور (ماجين عوز) الذي يفصل بين شرق وغرب خان يونس، ويمتد المحور على مسافة نحو 15 كيلومتراً، وقد تم افتتاحه بعد يوم واحد من إعلانه تدمير نفق كبير لـ«حماس» في المنطقة ذاتها، وهو يفصل شرق مدينة خان يونس عن غربها، كاستمرار لفصل خان يونس عن رفح، ويتواكب إنشاء المحور مع خطة لبناء ما تدعي إسرائيل أنه «مدينة إنسانية» ستفضي إلى استيعاب وحشر 2.1 مليون غزاوي في رفح (جنوب القطاع وخان يونس) في منطقة خيام، ولن يسمح للسكان بالمغادرة والعودة إلى مناطقهم الأصلية، وقد تذرعت إسرائيل في بناء المحور بأنه يُشكل «جزءاً مركزياً في الضغط» على «حماس» وحسم المعركة ضد لواء خان يونس.
- محور فيلادلفيا (صلاح الدين): وهو خط حدودي يفصل بين قطاع غزة ومصر، ويبلغ طوله 14 كيلومترًا، وتعني السيطرة عليه التحكم بمناطق رئيسية كشارع الرشيد وصلاح الدين، إضافة لإحكام الحصار على مدينة رفح وفصلها عن باقي محافظات القطاع، والسيطرة على حركة الأفراد والبضائع من معبر كرم أبو سالم الذي تسيطر عليه إسرائيل، فضلاً عن معبر رفح الفاصل بين القطاع ومصر، لكون المحور منفذًا رئيسيًا للتنقل وتبادل البضائع، وبالاستحواذ عليه يتم حرمان الشعب الغزاوي من مصدر مهم للغذاء، والزراعة.
- محور نتساريم: وهو منطقة عسكرية أقامها الجيش الإسرائيلي لفصل شمال قطاع غزة عن وسطه وجنوبه، وقد انسحبت منه القوات الإسرائيلية في يناير 2025، ولكنها تسعى للسيطرة عليه من جديد كورقة لضمان عدم قيام كيان مستقل في غزة بعد الحرب، وفرصة سانحة للسيطرة على غاز غزة وثرواتها، إضافة إلى أنه سيكون نقطة مهمّة للممر الهندي الأوروبي بمواجهة طريق الحرير، كما يعد بوابة لميناء بايدن المزمع بناؤه على شاطئ البحر بالقرب من منطقة الشيخ عجلين، وهذا الميناء يتم بناؤه بحجة تسريع وصول الإمدادات والمساعدات العسكرية الأميركية لجيش إسرائيل، وضمان تدخل أمريكا الفوري في حالة الحاجة، ويضمن اتصالًا دائمًا بين القواعد العسكرية الإسرائيلية والأميركية في المنطقة، كما أن له أهمية عسكرية تتمثل في كونه محور عملياتي متقدم يسمح لعمق الموضع الدفاعي داخل القطاع، ويتضمن 3 ممرات، أحدها للعجلات المدولبة، والثاني للعجلات المدرعة، والأخير ممر للحركة السريعة، مما يعني إمكانية استخدامه باعتباره منطقة آمنة يمكن الانتقال خلاله بسرعة كبيرة تصل إلى 7 دقائق من الشرق، تجاه البحر في الغرب، ويسمح بالتحكم بحركة السكان.
- محور مفلاسيم: وهو محور أمني يعزل بلدة جباليا عن عدد من مناطق قطاع غزة، شقّه الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة بعد "طوفان الأقصى"، من معبر المنطار شرقي القطاع، وصولاً إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط غربًا، سُمّي نسبة إلى كيبوتس "مفلاسيم" الواقع ضمن مستوطنات غلاف غزة، ويهدف هذا المحور إلى عزل محافظة شمال القطاع -التي تضم بيت حانون وبيت لاهيا ومخيم جباليا– عن مدينة غزة، في خطوة تهدف إلى تفريغ المنطقة ديموغرافيًا وتحويلها إلى منطقة عسكرية مغلقة، لتقليص الاحتكاك مع المقاومة الفلسطينية، وتحييد المناطق التي شكلت بؤرًا رئيسية في الهجوم الذي قادته كتائب القسام في السابع من أكتوبر 2023، انسحبت منه القوات الإسرائيلية في إطار تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار مع حركة حماس الموقع في يناير 2025، ولكن إسرائيل تسعى لإعادة السيطرة عليه مجددًا.
الضم غير القانوني للضفة الغربية:
سعت إسرائيل إلى ضم الضفة الغربية بكل السبل، فقد صوت أعضاء الكنيست بأغلبية واسعة في يوليو 2025 لصالح قرار رمزي يدعم ضم الضفة الغربية، إلى جانب قرارات المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية «الكابينت» في فبراير 2026 الهادفة لتوسيع السيطرة الإسرائيلية على أراضي الضفة الغربية، بما في ذلك ترسيخ السيطرة على القدس الشرقية، ودعم سياسات التوسع الاستيطاني، والتهجير القسري، وهدم المنازل، والاستيلاء على الأراضي الخاصة والعامة، ومن بين هذه الإجراءات نقل صلاحيات بلدية الخليل إلى ما يسمى «الإدارة المدنية» التابعة للاحتلال، وهو ما يكرس الفصل العنصري في المدينة ويمس بشكل مباشر بمكانة الحرم الإبراهيمي الشريف، من زاوية أخرى دعا " بتسلئيل سموتريتش" وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف إلى تشجيع هجرة الفلسطينيين وفرض السيادة الكاملة على الضفة الغربية المحتلة، ويذكر أن "ترامب" بعد وصوله للبيت الأبيض قام بإسقاط العقوبات على الجماعات المتطرفة في الضفة التي تورطت في جرائم ضد الفلسطينيين؛ مما يعد دعمًا صريحًا للاستيطان ونهب الأراضي العربية.
وعلى المحيط الأوسع تعمل إسرائيل بالتعاون مع الجانب الأمريكي على تقويض أمن المنطقة، وافتعال الأزمات؛ لتطويق دول المنطقة وبسط نفوذها على مزيد من المناطق في الإقليم على حساب دوله، وذلك من خلال، عدة تحركات، منها :
الاعتراف بأرض الصومال "صوماليا لاند" :
أعلنت إسرائيل اعترافها بدولة أرض الصومال في 26 ديسمبر 2025، مما يعد تطورًا دبلوماسيًا لافتًا في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشةً وتعقيدًا، وجدير بالذكر أن ثمة حديثًا إسرائيليًا جرى في فبراير 22025، ربط لأول مرة بين احتمال اعتراف أمريكي بإقليم أرض الصومال كدولة مستقلة مقابل قبول تهجير الفلسطينيين إليه، وقد اعتبرت مقديشيو هذا الاعتراف اعتداء صريحاً على سيادة الصومال، ووحدة أراضيه، ويولد هذا الاعتراف تهديدات إضافية لأمن المنطقة واستقراراها، فموقع أرض الصومال على خليج عدن، وقربها النسبي من مضيق باب المندب، يمنح إسرائيل موطئ قدم متقدمًا في واحدة من أهم عقد الملاحة العالمية، ويوجد مبررًا لتواجدها في البحر الأحمر، وتهديدها للتجارة والملاحة في قناة السويس، إلى جانب توغلها في القرن الأفريقي، ومن هنا، تتزايد التقديرات بأن الاعتراف قد يكون مقدمة لتعاون استخباراتي أو عسكري، يتيح مراقبة التحركات في اليمن، والإطلال على خطوط التجارة في البحر الأحمر، في ظل تصاعد التهديدات المرتبطة بالحوثيين والتوتر مع مصر، ومن زاوية أخرى قد يسمح لأثيوبيا حليف إسرائيل بالتواجد على البحر الأحمر وهو ما كانت تتطلع إليه أديس أبابا من خلال بناء قاعدة لها في ميناء بربرة مقابل الاعتراف بأرض الصومال وذلك بتوقيع اتفاق بين الطرفين 2024، وهو مايزيد مشاكل المنطقة تعقيدًا لاسيما ما يتعلق بالأمن المائي لنهر النيل، وأدى هذا الاعتراف إلى إدانات من دول كتركيا وجيبوتي ومصر.
الدفع باتجاه القضاء على النظام الإيراني:
لطالما كانت إسرائيل تتذرع بتهديد إيران لأمنها القومي في المنطقة، لتبرير تواجدها في جنوب لبنان واستمرار ضرباتها لقطاع غزة، حتى بعد وقف إطلاق النار فيه من الناحية الشكلية، وكذلك تبرير تواجدها في اليمن وعند باب المندب، ومؤخرًا مع تصاعد المطالب الإسرائيلية بضرورة توجيه ضربة قاسمة للنظام الإيراني، واشتراط "نتنياهو" ضرورة أن تشمل المباحثات بين الولايات المتحدة وإيران الصواريخ البالستية وليس فقط برنامجها النووي، وبالرغم من تثبيط الأذرع الإيرانية في المنطقة التي خارت قواها كحزب الله وحماس، إلا أن تل أبييب لم تتحدث عن إنهاء تواجدها في المناطق التي احتلتها مؤخرًا وتواجدت فيها بشكل غير قانوني من سوريا وجنوب لبنان في حال توجيه مثل هذه الضربة للجانب الإيراني، وهذا يوصلنا إلى عدد من التساؤلات حول نية إسرائيل دفع الولايات المتحدة إلى توجيه ضربة قاسمة تقضي على النظام الإيراني؟؟، لذا لابد أن نأخذ في الاعتبار أن الولايات المتحدة ستتكبد مليارات الدولارات بسبب هذه الضربة، ناهيك عن تواجد القوات والقواعد الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط في متناول مرمى الأهداف الإيرانية، وإلى أي مدى تملك واشنطن النية لإنهاء النظام الإيراني بشكل كامل، وقد كان على مدار عقود هو الفزاعة التي ترهب بها دول الخليج وتضغط عليها،لتبتزها، وهل انتهت الصفقات السرية ما بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، مما جعل النظام الإيراني يفقد جدواه اليوم لدى هاتين الدولتين في منطقة الشرق الأوسط، أم أننا بصدد إصدارات جديدة من العلاقات الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية ،غير المعلنة على غرار "إيران كونترا" ، ولماذا عندما شنت إسرائيل هجماتها على إيران 2024، لم تصب المستودع الأكثر احتمالاً للوقود النووي الإيراني وفقًا لتقرير نشر في صحيفة "نيويورك تايمز" وقتها، حيث يُصنّف هذا المستودع تقريباً كقنبلة، لكن مقاتلات إسرائيل وأسراب الصواريخ والطائرات بدون طيار ابتعدت عن أصفهان "التي تعد ديموغرافيًا واحدة من أكبر معاقل تجمع اليهود في العالم" في مواجهتها الأولى، على الرغم من أنها واحدة من أكبر المواقع النووية في البلاد، وفقاً لأجهزة الاستخبارات الغربية، التي تقول بأنها أحد مراكز برامج أبحاث الأسلحة السرية الإيرانية، وبالتالي فإنه بالنظر إلى تاريخ العلاقات بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة الأمريكية يصعب تقديم إجابة حاسمة عن السؤال المتعلق بما إذا كان التصعيد في المستقبل سيؤدي إلى ضربة حاسمة قاسمة توجه للنظام الإيراني، إذ إن حسابات الواقع التي تحكم المواجهات بينهم تتغير أحياناً بشكل درامي يصعب التنبؤ به، ولكن على أقصى تقدير لن يتم محو النظام الإيراني كما تظهر الحرب الكلامية بين واشنطن وتل أبيب تجاه طهران، لاسيما وأن الحشود العسكرية الأمريكية لم ترسل لهذا الغرض في حقيقة الأمر، وإنما لإعادة صياغة الشرق الأوسط وفقًا لمصالحها الاقتصادية هي وإسرائيل للسيطرة على مصادر الطاقة وطرق التجارة، حيث يبدو جليًا تربصها ببعض دول المنطقة الغنية بالنفط كالعراق، ومحاولة جره لحلبة الصراع، من خلال التدخل في شئونه الداخلية، ومؤخرًا تولد أزمة الحدود البحرية "خور عبد الله" بينه وبين الكويت.
وإلى جانب كل ما سبق لايمكن أن ننسى كيف توظف إسرائيل والولايات المتحدة الاختلافات العرقية والطائفية والدينية والقبائلية في دول المنطقة لتحقيق مخططاتهم الصهيوأمريكية لتفتيت الشرق الأوسط وإضعافه، إلى جانب استعانتهم بالتنظيمات الإرهابية كتنظيم "داعش"، التي يغذونها في المنطقة لضمان تآكل دولها من الداخل قبل الانقضاض عليها لنهب خيراتها وإبادة أهلها.