في ضواحي الرباط، يواصل الحسين بن مولود صناعة نموذج فلاحي يجمع بين جودة السلالات المغربية، والسلامة الصحية، وحسن استقبال الزبائن بروح مغربية أصيلة.
من قلب أربعاء السهول تبدأ الحكاية
مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، يعود للمغاربة ذلك الطقس العريق الذي لا يشبه مجرد مناسبة دينية عابرة، بل هو موسم تنبعث فيه رائحة الطفولة والذاكرة والبيوت الدافئة. ففي المغرب، لا يبدأ العيد صباح الذبح، بل يبدأ منذ اللحظة التي تخرج فيها العائلات للبحث عن الأضحية، وكأنها تبحث عن قطعة من الفرح تحفظ للعيد هيبته وروحه. وتتحول الأسواق والضيعات في تلك الأيام إلى فضاءات نابضة بالحياة، تختلط فيها أصوات الباعة بضحكات الأطفال، فيما تتعالى رائحة الأعلاف والتبن، كأنها موسيقى ريفية تعلن اقتراب العيد.
وفي المغرب، لا يُنظر إلى الأضحية باعتبارها مجرد شعيرة دينية فقط، بل رمزًا للكرم والتكافل والوفاء للتقاليد العريقة. لذلك يحرص المغاربة على اختيار الخروف بعناية، وكأنهم ينتقون ضيفًا عزيزًا سيحل على موائدهم ويشاركهم لحظة من أكثر لحظات السنة دفئًا وقداسة.
ومن قلب أربعاء السهول بضواحي العاصمة الرباط، تبرز “مزرعة الخير” كواحدة من أبرز الفضاءات الفلاحية التي تحولت، مع مرور السنوات، إلى عنوان للثقة والجودة. يشرف على المزرعة السيد الحسين بن مولود، الرجل الذي اختار أن يجعل من تربية الأغنام فنًا قائمًا على الصبر والخبرة والاحترام العميق للزبون.
الحسين بن مولود.. رجل يزرع الثقة قبل البيع

منذ اللحظة الأولى لدخول المزرعة، يشعر الزائر أنه لا يدخل فضاءً تجاريًا باردًا، بل مكانًا تنبض فيه روح الكرم المغربي. يستقبل الحسين بن مولود الناس بابتسامته المعهودة وهدوئه القريب من القلب، فيرافق الزبائن بنفسه بين القطعان، شارحًا خصائص السلالات ومميزاتها بكل صدق وأمانة، وكأنه يحكي للناس سيرة أرض لا مجرد مواصفات خروف.
ويؤكد عدد من زوار المزرعة أن أكثر ما يميز المكان ليس فقط جودة الخرفان، بل طريقة التعامل الإنسانية الراقية التي تجعل الزبون يشعر بالراحة والثقة. فالرجل، كما يصفه معارفه، “مغربي حتى النخاع”، يضع رضى المواطن فوق كل اعتبار، ويحرص على تقديم أثمنة مناسبة بعيدًا عن منطق المضاربة والاستغلال الذي يرافق بعض مواسم العيد.
ولا يكتفي الحسين بن مولود بعرض الماشية للبيع، بل يحرص على توجيه الزبون ومساعدته في اختيار الأضحية المناسبة بحسب إمكانياته وعدد أفراد أسرته، في صورة تعيد الاعتبار لقيم البساطة والصدق التي بدأت تختفي من كثير من المعاملات التجارية الحديثة. ولذلك أصبحت “مزرعة الخير” بالنسبة للكثيرين مكانًا يقصدونه كل عام بثقة تشبه ثقة الناس في الوجوه التي لا تتغير.
ويصف بعض الزوار المزرعة بأنها تشبه “بيتًا ريفيًا مفتوحًا للجميع”، حيث لا يشعر القادم بالغربة أو التكلّف، بل يجد نفسه وسط أجواء من الألفة والطمأنينة. حتى الأطفال الذين يرافقون عائلاتهم يعيشون لحظات خاصة بين الخرفان، فيكبر داخلهم ذلك الارتباط العفوي بالأرض والحيوان وطقوس العيد المغربية الأصيلة.
مزرعة تحرس جودة الأضحية وسلامتها

داخل “مزرعة الخير”، تبدو العناية بالماشية واضحة في كل التفاصيل؛ أعلاف طبيعية مختارة بعناية، ونظافة دقيقة، ومتابعة صحية مستمرة وفق المعايير المعتمدة من الجهات المختصة. كما توفر المزرعة خدمة الاحتفاظ بالأضحية إلى غاية يوم العيد، وهي مبادرة لاقت استحسان الكثير من الأسر التي تبحث عن الراحة والاطمئنان.
ويؤمن الحسين بن مولود أن نجاح هذا المجال لا يقوم على البيع فقط، بل على بناء الثقة مع الناس، لذلك تحولت المزرعة إلى وجهة يقصدها الزبائن من مدن مختلفة كل سنة بحثًا عن الجودة والاطمئنان. فالرجل يدرك أن المواطن حين يشتري أضحية العيد، فإنه لا يشتري لحمًا فقط، بل يشتري راحة البال أيضًا.
وفي زمن ترتفع فيه الأسعار وتتزايد فيه مخاوف المواطنين من الغش والمضاربة، اختارت “مزرعة الخير” أن تحافظ على سمعتها القائمة على الوضوح والجودة والمعاملة الحسنة، لتصبح نموذجًا مصغرًا للفلاحة المغربية النبيلة التي ما زالت تقاوم بعناد قيم الاستغلال والجشع.
الخروف المغربي.. سلالات من ذاكرة الأرض

ولا يمكن الحديث عن الأضحية في المغرب دون التوقف عند سلالات الأغنام المغربية التي تشكل جزءًا من الهوية الفلاحية للمملكة. فهذه السلالات ليست مجرد أنواع حيوانية، بل ذاكرة حية للأرض والمناخ والتاريخ، تحمل في ملامحها تنوع المغرب الممتد من الجبال إلى الواحات، ومن الهضاب إلى المراعي الشرقية.
وتعد سلالة الصردي الأكثر شهرة بين المغاربة، حتى لُقبت بـ”سيد الأكباش”، بفضل قامتها القوية ولحمها المطلوب وقلة دهونها، فضلًا عن شكلها المهيب الذي يجعلها نجمة أسواق العيد دون منازع.
كما تحضر سلالة تمحضيت أو “البركي”، القادمة من الأطلس المتوسط، والتي تحمل في صوفها قسوة الجبال ونكهة الأعشاب الطبيعية، إلى جانب سلالة بني كيل الشرقية المعروفة بجودة لحومها، وسلالة الدمان التي أثارت اهتمام الباحثين بقدرتها العالية على التوالد، إضافة إلى سلالة أبي الجعد ذات اللون الأصفر المميز والنمو السريع.
ولعل ما يمنح هذه السلالات قيمتها الحقيقية هو ارتباطها الوثيق بالبيئة المغربية؛ فكل سلالة تحمل روح المنطقة التي جاءت منها، وكأن الجغرافيا نفسها تركت بصمتها على لون الصوف وطبيعة اللحم وقوة التحمل.
حين تعبر السلالات المغربية نحو مصر
ولم تبقَ شهرة الأغنام المغربية حبيسة حدود المملكة، بل امتدت إلى عدد من الدول العربية، وعلى رأسها مصر، حيث تحظى سلالة “البرقي” بمكانة خاصة في الأسواق المصرية، نظرًا لجودة لحمها وقلة دهونها وقدرتها على التأقلم مع البيئة الصحراوية، وهي صفات ترتبط تاريخيًا وجينيًا بسلالات المغرب العربي.
كما دخلت سلالة الدمان المغربية إلى بعض مراكز البحوث الزراعية المصرية للاستفادة من خصائصها الوراثية الفريدة في تحسين إنتاج القطعان، ما يعكس القيمة الكبيرة التي أصبحت تمثلها الثروة الحيوانية المغربية عربيًا.
وهكذا، تبدو العلاقة بين المغرب ومصر في هذا المجال أعمق من مجرد تبادل للسلالات؛ إنها علاقة تربط بين ثقافتين عربيتين تحتفيان بالأرض وبالعيد وبالخروف باعتباره جزءًا من الذاكرة الشعبية والهوية الاجتماعية.
حين يصبح العيد حكاية إنسانية
هكذا تظل “مزرعة الخير” أكثر من مجرد فضاء لتربية الأغنام؛ إنها حكاية مغربية دافئة تختلط فيها رائحة التبن ببهجة الأطفال، وتمتزج فيها خبرة الأرض بكرم الإنسان. وهناك، في هدوء الحقول الممتدة بضواحي الرباط، يبدو العيد وكأنه يولد ببطء داخل الحظائر، قبل أن يصل إلى البيوت محملًا بفرح العائلات ودعوات الأمهات وحنين الذاكرة.
وفي زمن تتغير فيه الأشياء سريعًا، يبقى للمزارع الصادق مكانه في قلوب الناس، ويبقى للخروف المغربي الأصيل حضوره الذي يشبه المغرب نفسه: عريقًا، كريمًا، وممتلئًا بروح الأرض ودفء الحياة.
منبر الرأي
من زوايا العالم