بث تجريبي

أزمة جودة التعليم بالشرق الأوسط

رغم إدراك الدول بأن قضية تطوير التعليم مسألة أمن قومي لها، للمحافظة على وجودها وسط صراع الدول الكبرى والمتقدمة على هيمنة العالم، إلا أن منطقة الشرق الأوسط وعددًا من الدول العربية لا تزال تعاني من فجوة واضحة بين مخرجات التعليم ومتطلبات العصر واحتياجات سوق العمل الجديد، حيث لا زلنا نشهد بطالة واضحة بين الخريجين، خاصة في تخصصات العلوم الإنسانية، بسبب التركيز على التعليم النظري بمناهج جامدة تعتمد على الحفظ والتلقين، وعفا عليها الزمن، ولا تتواكب مع طبيعة العصر التكنولوجي.

                                                                  سيد أبو اليزيد

ولا تزال المنظومة التعليمية بدول عربية عديدة بمنطقة الشرق الأوسط تعاني من ضعف البنية التحتية للبيئة التعليمية، وتكدس المدارس بالطلاب، وارتفاع الكثافات داخل الفصول، فضلًا عن النزاعات المسلحة والصراعات والأزمات السياسية التي تلعب دورًا أيضًا في تدمير آلاف المدارس بدول مثل سوريا واليمن والسودان وفلسطين والصومال، مما يؤدي إلى حرمان ملايين الأطفال من التعليم، ويسهم في زيادة نسبة الأمية وخلق أجيال مهمشة تعليميًا، كما أن اللجوء والنزوح الداخلي والهجرة إلى دول الجوار يمثل ضغطًا هائلًا على البنية التحتية التعليمية للدول المضيفة، وهي متهالكة وضعيفة أيضًا.

ورغم أن العالم يشهد حاليًا ثورة تكنولوجية متسارعة تتطلب من الأنظمة التعليمية مسايرتها، إلا أن منطقة الشرق الأوسط وبعضًا من الدول العربية لا تزال تفتقر إلى تحقيق العدالة في جودة تعليمية لطلابها، وبشكل يعمق الفجوة الرقمية للتعليم الإلكتروني بين أبناء المناطق الريفية والنائية التي تعاني من شبكات إنترنت غير مستقرة أو أجهزة كمبيوتر كافية بمدارس هذه المناطق الريفية والنائية، وبين طلاب مدارس العواصم، فضلًا عن وجود نقص حاد في المهارات التقنية والتكنولوجية التي يتطلبها الاقتصاد الرقمي بين معظم طلابها، مضافًا إليها النظرة المجتمعية المتدنية للتعليم الفني.

وبدلًا من استثمار الإنفاق والتمويل الحكومي في البحث العلمي، نجد أن كثيرًا من الموازنات لهذه الدول تخصص للأجور والرواتب الإدارية، وعلى الرغم من ذلك لا نزال نشهد تدني أوضاع المعلمين من حيث مرتباتهم، مما يدفعهم للاعتماد على الدروس الخصوصية كمصدر دخل أساسي، وهو ما يفرغ المدارس من طلابها ويفرغ التعليم المدرسي من مضمونه وقيمته، بالإضافة إلى غياب التدريب المتقدم والمستمر لهم لمواكبة استراتيجيات التدريس العالمية والتعامل مع التكنولوجيا الدائمة.

أتصور أن تطوير وإصلاح التعليم يمثل القضية الأهم لمستقبل التنمية في هذه الدول العربية والدول التي تنتمي لمنطقة الشرق الأوسط، مما يستدعي التركيز على مساندة ودعم المعلم باعتباره العنصر الحاسم في أي عملية إصلاح، مما يتطلب تحسين أحوالهم المعيشية وأن تكون في صدارة أجندة التطوير، مع التركيز على تدريبهم وتنمية مهاراتهم، حيث إن المعلم هو القوة الحقيقية لأي مشروع إصلاح في العملية التعليمية، وهو ما حدث بالفعل في تجارب ناجحة بكل من البرازيل والهند وفنلندا.

كما أن لدينا تجارب أخرى ناجحة في تطوير منظومة وإصلاح التعليم بكل من الصين وسنغافورة وماليزيا، حيث نجد أن وصول هذه الدول إلى تلك المؤشرات المرتفعة في تطوير منظومة وإصلاح التعليم جاء نتيجة جهد وكد متواصل لعشرات السنين، حيث تطلبت تجربة الصين 45 عامًا من العمل المتواصل لتصل إلى مكانتها الحالية، في حين استغرقت تجربة سنغافورة 20 عامًا من العمل المتواصل لتقفز بتعدادها البالغ 5 ملايين نسمة إلى ما وصلت إليه، وهو نفس المدى الزمني الذي احتاجته ماليزيا، مما يعني أن التجربة الأقل بين هذه الدول لم تقل عن 20 عامًا من العمل المستمر.

إننا بحاجة لمناهج تساير متطلبات العصر وسوق العمل الجديد بأنواعه، لضمان ملاحقة المنظومة التعليمية للتطورات التكنولوجية واقتصاد المعرفة وأسرار الذكاء الاصطناعي، وهي الأعمدة التي يقوم عليها صرح التنمية في العالم بأكمله.. ومن المهم أن يتم تطوير المناهج استنادًا إلى فلسفات تعليمية حديثة تعزز الابتكار والتحليل والتطبيق العملي لبناء طالب يمتلك مهارات المستقبل ويستجيب لمتطلبات العصر ومتغيرات سوق العمل.

ولا يمكن إغفال أهمية الشراكة الدولية في دعم التعليم الرقمي وإصلاح النظام التعليمي، حيث إن الاستعداد لعصر الذكاء الاصطناعي يتطلب الاستثمار في المهارات البشرية وتطوير البنية التحتية الرقمية ودعم الابتكار وريادة الأعمال وتعزيز الحوكمة والأطر الأخلاقية لاستخدام التكنولوجيا الحديثة.. كما أن التعاون الدولي يعكس التزامًا حقيقيًا بتحقيق نتائج ملموسة للأطفال والشباب، وأن النجاح في إصلاح جودة التعليم يعتمد على الشراكة والتعاون بين الحكومة ومنظمات الأمم المتحدة وشركاء التنمية والمجتمع المحلي.

أتصور أن إصلاح التعليم جزء أساسي لبناء الإنسان في هذه الدول، لتحويل التعليم من مجرد حضور الطلاب للمدارس إلى حضور من أجل التعليم الفعلي، والانتقال من مرحلة تشخيص التحديات إلى مرحلة التنفيذ الفعال للحلول الإصلاحية، مع التركيز على تحسين تجربة التعلم للأطفال، من اكتساب مهارات القراءة والكتابة إلى تعزيز الثقة بالنفس، لضمان إكسابهم إمكانيات أوسع لمستقبلهم.

وينبغي إدراك أن إصلاح التعليم في العالم العربي لم يعد رفاهية، بل مسألة أمن قومي واقتصادي، للانتقال من نظام الشهادة الورقية إلى نظام المهارة الفعلية، حيث إنها المفتاح الرئيسي للحاق بركب المستقبل بتعليم مميز بالجودة.

قد يهمك