فرص استئناف الحوار بين الكرد وأنقرة حاليًا لاتخاذ خطوات حاسمة تجاه عملية السلام والحل الديمقراطي أراها ما زالت قائمة ومتاحة، بعد أن شهدت الشهور الماضية اتصالات لقنوات التفاوض غير المباشرة، وعقد اللقاءات البرلمانية لهذا الغرض، مما يتيح الفرص لإعلان سلام مستدام يتغلب على تقاعس أنقرة في الفترة الأخيرة.
وتأخيرها، على ما يبدو، ليس ناتجًا عن نقص في الصياغات التشريعية بقدر الحاجة إلى إرادة سياسية وإجماع وطني لازمين لإحداث تغيير في العقد الاجتماعي التركي، حيث ما زالت الهواجس الأمنية ومخاوف التقسيم تتفوق على مساعي الإصلاح القانوني والحقوقي.

سيد أبواليزيد
وعلى أنقرة إبداء حسن النوايا من حيث بحث مدى إمكانية التوجه نحو الإفراج عن المناضل والمفكر الكردي عبدالله أوجلان، نظرًا لعدم وجود مبرر لاستمرار عزله بجزيرة إمرالي، سواء من الناحية السياسية أو حتى القانونية.
خاصة وأن تحقيق الحرية الجسدية له سوف يشكل خطوة جوهرية لتعزيز المحطة الحاسمة لعملية وفرص السلام للمجتمع الديمقراطي، حيث إنه يشكل تثبيتًا واستقرارًا عمليًا للمبادرة التي أطلقها، والتي استهدفت فتح مسار جديد بين تركيا والكرد، تؤدي في النهاية إلى تتويج عملية السلام.
كما أن توجه أنقرة للقيام بإصلاحات دستورية تضمن الاعتراف بالحقوق الثقافية والسياسية للكرد يجنبنا التداعيات الخطيرة لتجميد عملية السلام والمجتمع الديمقراطي في منطقة تشهد صراعات ساخنة، وتعكس بنتائجها السلبية المزيد من استنزاف الموارد من خلال عودة التصعيد العسكري، واستمرار الإنفاق الدفاعي الضخم، والضغط المستمر على الميزانية التركية.
أتصور أن تجميد السلام يسهم في تعزيز التحالفات السياسية القومية داخل تركيا، وزيادة الضغط القانوني والسياسي على الأحزاب الكردية الشرعية، وتوجيه اتهامات مستمرة لها بالارتباط بالإرهاب.
كما أننا لسنا بحاجة لإغلاق أفق الحل السياسي، حتى ولو كانت هناك قناعة بين البعض من النخب الحاكمة بأن الحل الأمني والعسكري هو السبيل الوحيد للتعامل مع الملف الكردي، وهي نظرة ضيقة جدًا.
إننا بحاجة لإرادة قوية من الطرفين للتغلب على مشكلة انعدام الثقة المزمن، حيث يرى كل طرف في تحركات الآخر مناورة سياسية أو محاولة لكسب الوقت لترتيب الصفوف.
ولكن من الأهمية إدراك أنقرة أن إلقاء سلاح الكرد والتخلي عنه دون ضمانات دستورية يعتبره الكثير من المحللين السياسيين والعسكريين عبارة عن انتحار سياسي، في حين يرون أيضًا أن الحكومة التركية تخضع لضغط شديد من التيارات القومية المحافظة، وأن أي مرونة تجاه مخرجات الحل تفسر فورًا في الشارع التركي على أنها تنازل للإرهاب أو تهديد لوحدة البلاد، مما يهدد المخزون الاستراتيجي الانتخابي للحزب الحاكم كلما اقتربت الانتخابات.
لسنا بحاجة لمفاوضات داخلية سرية مثل محادثات أوسلو أو إمرالي دون وسيط دولي ثالث يضمن التزام الطرفين بالخطوات المتفق عليها للسلام، بحيث لا يسهل على أي طرف الانسحاب عند حدوث أول خرق أمني.
ولنا في معاهدة سيفر 1920، والتي مهدت ببند للاستقلال الكردي، إلا أنه تم استبدالها بمعاهدة لوزان 1923، والتي رسمت الحدود الحالية للشرق الأوسط، عبرة، نظرًا لأنها تجاهلت الحقوق السياسية للكرد، مما خلق واقعًا قانونيًا دوليًا.
لذلك ندرك أن القوى الدولية مثل أمريكا وروسيا والدول الأوروبية تخشى دومًا التدخل لحل القضية لضمان تفادي الخسارة، نظرًا لتحالفاتها الاستراتيجية مع أنقرة كعضو في حلف الناتو من ناحية، وجغرافيتها مع روسيا من ناحية أخرى.
أعتقد أن الخطوات القانونية الدولية تظل رهينة بمدى قدرات ميزان القوى على الأرض والمصالح المشتركة للدول الكبرى والإقليمية، وهو ما يفسر بقاء الحقوق الكردية معلقة بين اعتراف دستوري مشوب بمواجهة أمنية في تركيا، ولذلك يعد تحقيق الوحدة الوطنية شرطًا أساسيًا لنيل الكرد لمكانتهم التي يستحقونها، حيث إن غيابها يشكل عائقًا أمام تحقيق المطالب السياسية، وإن تعزيز الوحدة بين الكرد بات خيارًا حتميًا، كما أن الموقف الشعبي المشترك قادر على إفشال العديد من المخططات.
واقترب تحقيق النصر غالبًا ما يترافق مع ازدياد حجم التحديات.
وفي النهاية، لا بد من إدراك أن تقديم تنازلات بين الطرفين ليس معناه تهديدًا لوجودهم أو شرعيتهم.
من زوايا العالم