بث تجريبي

ثروت الخرباوي يكتب: الإخوان وفتح مصر: من فقه المؤجلات إلى مشروع التمكين

كان مشروع «فتح مصر» هو المشروع الذي أطلقته جماعة الإخوان في غضون عام 2005، وكان نجاحهم في انتخابات البرلمان المصري بسبعة وسبعين عضواً داعياً لهم إلى السير قدماً في سبيل تحقيق هذا الفتح. وحينما كشف الكاتب الصحفي حمدي رزق عن هذا المشروع الإخواني، من خلال وثيقة سرية عليها توقيع خيرت الشاطر، لم يكن أمام الجماعة وقتها إلا أن تنكره جملة وتفصيلاً، لأن كشفه هذا يترتب عليه كشف طبيعة الأفكار الدينية التي تعتنقها الجماعة. فكان أن ذهبت بمن كشف تلك الوثيقة حمدي رزق إلى القضاء، مدعية أنها وثيقة مزورة عليها، إلا أن القضاء أثبت صحتها فيما بعد، وقضى برفض دعوى الإخوان.

ولكن بعد الأحداث التي مرت بها مصر منذ الخامس والعشرين من يناير 2011، حيث اختلطت المفاهيم وسادت عشوائية التفكير، اكتسبت الجماعة الجرأة على التعبير عن بعض أفكارها المخفية وعقيدتها المستترة. فوقف محمد مرسي أثناء حملته الانتخابية في استاد مدينة المحلة، وهو يشرح للجماهير مشروع الجماعة الفكري، فقال: «سنعيد الفتح الإسلامي لمصر!» وفي مؤتمر آخر أمام مسجد عمرو بن العاص قال للمرة الثانية: «سنعيد الفتح الإسلامي لمصر!». لم يكن أمر فتح مصر إذن من فلتات اللسان، بل كان مشروعاً كاملاً وخطة متعددة المراحل، وبوصولهم إلى الحكم عاشت الجماعة على حلم أنها تقف على أعتاب المرحلة قبل النهائية لفتح مصر، وأن الدنيا قد دانت لهم، وأصبحت الخلافة الإخوانية على وشك الهبوط إلى أرض الواقع.

يعني هذا المشروع بشكل لا غموض فيه أن جماعة الإخوان تعتنق فكرة أن الإسلام دخل مصر عن طريق عمرو بن العاص، ثم خرج منها في عصر ما، وأصبحت مصر منذ ذلك الوقت دولة لا إسلامية يعيش فيها مسلمون، ومن ثم يجب «فتح مصر» من جديد لإدخال الإسلام فيها عن طريق «الفاتح محمد بن مرسي». وبثت الجماعة في قلوب قواعدها أن تنظيمها هو رسول رب العالمين المكلف بنشر رسالته في هذه الدولة اللادينية، وفقاً لما زرعه في عقولهم منظرهم الأكبر سيد قطب، ثم يمتد مشروع الجماعة إلى مرحلة أبعد من ذلك، هي مرحلة إقامة دولة الخلافة التي تحدث عنها صفوت حجازي في أحد مؤتمرات مرسي، والتي ستكون عاصمتها القدس.

أما الحقيقة التي ظهرت من خلال انفلاتات التنظيم، فهي أنهم يريدون إنشاء إمبراطورية عالمية تحت مسمى «الإمبراطورية الإخوانية العظمى». ولا يظنن أحد أن ما سلف من التخرصات التي لا أصل لها، ذلك أن كل ما سلف يظهر بوضوح في أدبيات الإخوان، ولكننا كنا نخطئ أزمنة طويلة في قراءة مشروعهم، حتى وصل الأمر إلى أن بعض المتخصصين في مشروع الإخوان من أهل اليسار كانوا يطالبون الدولة بدمج الإخوان في المشروع الوطني والتصالح معهم!!

ولكن واجهت الإخوان، وهم يُعدّون العدة لإتمام مشروعهم، عدة عقبات رأوا أنها تقف حجر عثرة أمام طموحاتهم، وهي أنهم، من أجل أن يجتذبوا أنصاراً لتنظيمهم وشعبية لفكرتهم، يجب أن يظهروا أمام الجميع بصورة «الجماعة الوسطية المعتدلة التي ترفض العنف، وتوافق على الديمقراطية، وتفتح قلبها لغير المسلمين، وتسعى للخير من أجل مصر».

وكان الداعي إلى ضرورة وضع تلك الأقنعة الأربعة على وجهها أن آليات انتقال السلطة في العالم الحديث تتطلب استخدام الديمقراطية، وسيادة مفهوم المواطنة، ورفض كل صور العنف، ونشر قيم السلام والبناء، إلا أن عقيدة الجماعة الدينية كانت ترى عكس ذلك.. وقد استمعنا لأحد منظريهم ويُدعى محمد إلهامي وهو يقول منذ عام: إن الإسلام يدعو كل الناس في دولة الإسلام إلى حمل السلاح»!

لذلك لم يكن لديها مانع من أن تستخدم التقية، فضلاً عما أتقنته من المعاريض، من أجل أن يظن الناس أن تلك الأقنعة هي وجهها الحقيقي. وعندما كان المجتمع السياسي والثقافي يضغط على الجماعة لكي تثبت بالفعل، لا بالقول وحده، إيمانها بتلك المسارات، حينئذ لم يكن أمام الجماعة إلا أن تستخدم الفقه ومصطلحاته وقواعده من أجل أن تثبت ما يريده المجتمع، وما لا تؤمن هي به أصلاً. فاستخدمت قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات»، وأقنعت أعضاء الجماعة أنها توافق على تلك المسارات رغم أنها من المحظورات، من أجل تحقيق فريضة الخلافة. واستخدموا أيضاً قاعدة «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»، فقالوا لدوائرهم إن تطبيق الإسلام هو أوجب الواجبات، ومن أجله يمكن أن نوافق على حرام أو مكروه لا يمكن تطبيقه بعد إقامة الدولة الإخوانية.

وأنشأت لنفسها ما أطلقت عليه «فقه الاستضعاف»، الذي استلبته من واقع مختلف وظرف مخالف ودنيا أخرى، هو واقع الإسلام في سنواته الأولى في مكة، حيث ادعوا أن الإسلام عندما كان ضعيفاً اتجه إلى المهادنة والرفق والرحمة وحرية العقيدة، ولكنه عندما انتقل إلى المدينة وأصبح دولة كانت القوة والسيف هما اللذين نسخا آيات الرحمة. وتعسفوا، من أجل هذا الفقه، في فهم آيات القرآن، وادعوا أن آيات الرحمة قد نُسخت بآيات القتال، وهذا ما لا يمكن أن يُفهم من دين قال الله عن رسوله: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾.

لذلك، عندما يرى بعضنا الآن الإخوان وهم يمارسون العنف، يظنون أنهم تحولوا من الوسطية والاعتدال إلى الإرهاب، وعندما رأيناهم وهم يُفجرون الكنائس ويقتلون الأقباط، ظن البعض أنهم إنما تحولوا عن فكرة المواطنة إلى فكرة الدولة الدينية، وعندما يرونهم يرفضون كل مسارات الديمقراطية، يظنون أنهم قرروا سلوك طريق آخر يقودهم إلى الحكم، في مفارقة نهائية مع الديمقراطية، إلى العمل المسلح. ولكن الحقيقة غير ذلك، والحقيقة لن نقررها نحن من عندياتنا، ولكننا سنعود إلى التاريخ، وإلى ما كتبوه هم، لنعرف أن الأمر لم يكن يتعلق بالتحولات، ولكنه يتعلق بالمؤجلات.

ففي جماعة الإخوان تم ابتكار فقه أطلقوا عليه «فقه المؤجلات»، وهو عبارة عن فكرة مؤداها أن بعض الفرائض في الإسلام يجوز تأجيل تطبيقها حتى يتوافق الظرف العام مع القدرة على تطبيق تلك الفرائض. ومن ذلك فكرة «العنف المؤجل»، الذي رأت الجماعة في فترة من فتراتها أنه واجب لا يقوم الإسلام إلا به، ولكن يجب أن يتم استخدام العنف عند امتلاك القدرة على ممارسته. لذلك سنتكلم في مقالات قادمة عن «العنف في الفقه المنحرف للإخوان».

=====

نقلاً عن موقع جريدة الوطن المصرية

قد يهمك