تتزايد خلال الفترات الأخيرة التحركات للمراكز الحقوقية والمنظمات الدولية للمطالبة بإطلاق سراح القائد الكردي عبد الله أوجلان، والنظر في ظروفه الصحية، خاصة بعد أن اشتكى من تعب قد يهدد حياته نتيجة طول سنوات الاعتقال في محبس يتميز بارتفاع نسبة الرطوبة، مما قد يتسبب في إصابة جسده بالأمراض، بعد أن تخطى عمره أكثر من 70 عامًا، وامتدت فترات اعتقاله لنحو 27 عامًا بسجن جزيرة إمرالي، مما يستلزم الاستناد إلى حق الأمل، وبالتالي إمكانية المراجعة للإفراج المشروط بعد أن قضى بمحبسه أكثر من 25 عامًا.
أتصور أنه من المقبول في ظل التوترات المتزايدة بمنطقة الشرق الأوسط التوصل لتسوية مع الكرد من خلال إطلاق سراح الزعيم الكردي عبد الله أوجلان، والبدء بتحسين ظروف اعتقاله، بما يسهم في حماية تركيا من ارتدادات الصراع في كل من العراق وسوريا.
وإطلاق سراحه ضرورة سياسية لإنجاح خارطة طريق تؤدي لإنهاء العنف وتدمج المكون الكردي في العملية السياسية التركية بشكل كامل، كما أنه يعد بادرة لحسن النية ومسألة ضرورية للبدء في صياغة دستور مدني جديد يعترف بالهوية الكردية ويضمن الحقوق الثقافية والسياسية للكرد في تركيا.
بلا شك هناك العديد من المردودات الإيجابية مع إطلاق سراح القائد الكردي عبد الله أوجلان، نظرًا لأنه الشخصية الوحيدة التي تملك الشرعية الكافية لإقناع مقاتلي حزب العمال الكردستاني بإلقاء السلاح بشكل نهائي، وكلنا نتذكر مبادرته التاريخية التي أطلقها في فبراير من العام الماضي لعملية نداء السلام والتحول الديمقراطي، والذي دعا فيها حزبه لعقد مؤتمر استثنائي لإنهاء الصراع المسلح، وهو ما عزز دوره على الساحة، ولذلك اعتبر الكثيرون من المحللين أن حريته هي المفتاح الإجرائي للسلام.
وأعتقد أن التحول الأخير لحزب العمال الكردستاني من النضال المسلح إلى العمل السياسي الديمقراطي يتطلب وجود أوجلان لقيادة هذا التحول كضمانة مؤكدة للالتزام بكافة القواعد الخاصة بقرار حل الحزب ونزع السلاح.
بدون شك، حل القضية الكردية داخليًا عبر بوابة أوجلان سوف يضفي حيوية على الساحة السياسية ويعزز من الأمن القومي التركي، في حين أن استمرار سجن أوجلان يظل رمزًا للقضية العالقة، بعكس إطلاق سراحه في إطار تسوية شاملة سيؤدي إلى انتهاء حقبة من الصراع امتدت إلى نحو 4 عقود استنزفت تركيا ماديًا وبشريًا.
ومن الأهمية الإسراع بالمسار التشريعي للجنة البرلمانية المشتركة والمختصة بصياغة تعديلات قانونية تفتح الباب للإفراج المشروط، وتعديل قانون العقوبات بإدخال مفهوم الحق في الأمل، وهو مبدأ أوروبي يقضي بضرورة منح المحكوم عليهم بالمؤبد فرصة لمراجعة حكمهم بعد مرور 25 عامًا، وهي المدة التي تجاوزها أوجلان، فضلًا عن الاتجاه لإطلاق قانون الاندماج الديمقراطي من خلال إصدار تشريع يسمح بعودة المقاتلين الذين لم يرتبطوا بجرائم قتل مباشرة بانضمامهم للحياة المدنية، وتوفير إطار قانوني يحمي قادة الحزب المنخرطين في عملية السلام.
ومن غير المتوقع إنهاء عزلة أوجلان بجزيرة إمرالي بشكل سريع، بل إن المسألة قد تتخذ شكلًا إجرائيًا تدريجيًا من حيث نقله للإقامة الجبرية إلى منزل خاضع للحراسة، مع توصيف وتحديد وضعيته القانونية بحيث يكون قادرًا على إدارة المشاورات مع القيادة الكردية لضمان التزامهم بنزع السلاح.
أتصور أن نجاح التقارير النهائية حول هذه الأهداف مرهون بمدى استجابة قيادات قنديل الجناح العسكري لدعوات أوجلان، وبمدى استقرار التحالف السياسي الحاكم في أنقرة، فضلًا عن تهيئة الرأي العام التركي لتقبل فكرة وجود أوجلان كفاعل سياسي أو رمز للسلام.
منبر الرأي
فضاءات الفكر
منبر الرأي