يأتي نيسان ومعه مناسبة "الأربعاء الأحمر" أو عيد رأس السنة الإيزيدية، وهنا يسلّط غريب حسو، الرئيس المشترك لحزب الاتحاد الديمقراطي السوري، الضوء على الجذور التاريخية والفلسفية لهذا العيد، مؤكداً أنه يمثل امتداداً عميقاً للديانة الإيزيدية بوصفها من أقدم الديانات المرتبطة بالطبيعة والوجود الإنساني.
ويتناول حسو، في حوار لـ"المبادرة"، رمزية يوم الأربعاء وشهر نيسان في الوعي الإيزيدي، ودلالاتهما الكونية والروحية، كما يناقش التحديات التاريخية التي واجهت الإيزيديين من حملات إبادة وتشويه، مشدداً على أهمية الاعتراف القانوني بالأعياد والمناسبات الدينية.
وإلى نص الحوار:
*كيف تنظرون إلى "الأربعاء الأحمر" وأبعاده التاريخية والدينية؟
- خلال الأعوام الأخيرة بدأ الإعلام العربي والكردي بصفة خاصة يتداول تسمية "الأربعاء الأحمر" ويبحث في معانيها. بالنسبة لنا، للأربعاء قصة، ولنيسان قصة، وللكرد الإيزيديين تاريخ طويل وعريق. الديانة الإيزيدية تُعد من أقدم الديانات التي عرفت الله الخالق، وتعرفت على الطبيعة واندمجت مع الطبيعة بالترابط مع الخالق الأكبر. ومن خلال اندماج هذا المجتمع القديم عن الطبيعة وُلدت أفكار جديدة نتيجة التفاعل مع الطبيعة والكون والمناخ، ما أسهم في تطوير الفكر الإنساني لدى المجتمع الكردي الإيزيدي.
*ما رمزية يوم الأربعاء في العقيدة الإيزيدية؟
- يوم الأربعاء يُعد يوم إكمال الكون وبداية إنعاش الحياة والإنسان الطبيعة. وهو يوم مقدس لدى عموم الشعب الكردي بمختلف انتماءاته الدينية وفي كل مكان، إزيديين وعلويين ومسلمين ومسيحيين يقدسون يوم الأربعاء، رغم أن الإيزيديون الكرد هم الأكثر تمسكاً به. ورغم تحولات الكرد إلى ديانات ومذاهب أخرى عبر التاريخ، بقيت قدسية هذا اليوم حاضرة في وجدانهم، ويتمسكون بقدسية يوم الأربعاء. الديانة الإيزيدية هي ديانة الجنسين، تساوي الجنسين وتقوم على التعمق الفكري. وقد قاد الإيزيديين خطوات كبيرة نحو التجديد وقيم التنوع. وذلك انطلاقاً من قدسية الطبيعة والمناخ وقدسية الخالق الأكبر. و"الأربعاء الأحمر" هو أول أربعاء من شهر نيسان الشرقي، وهو بداية السنة الإيزيدية التي تبدأ في نيسان وتنتهي في آذار. هذا التقويم يعكس خصوصية دينية وثقافية، ويؤكد عمق العلاقة بين الإنسان والطبيعة في الفكر الإيزيدي.
*كيف أثرت الديانة الإيزيدية في الديانات الأخرى؟
- يمكن اعتبارها منبعاً للعديد من الأديان التي ظهرت لاحقاً، لما تحمله من قيم إنسانية وأخلاقية وفلسفية عميقة. حتى فكرة تخصيص يوم للراحة والعبادة لدى الأديان الأخرى جاءت، برأيي، نتيجة تجارب سابقة عاشها الكرد الإيزيديون. فالمسيحية أخذت يوم الأحد يوماً للراحة. والمسلمون يوم الجمعة، واليهود يوم السبت، وحسب اعتقادي كان الثلاثاء بالنسبة للمصريين القدماء. وبالتالي لكل شعب يوم محدد له يأخذ قسطاً من الراحة. الاختيارات التي جاءت بعد يوم الأربعاء كانت تيجة تجربة الكرد الإيزيديين، هذه الديانة العميقة.
*وماذا عن نيسان لدى الإيزيديين؟
- نيسان شهر مقدس لدى الإيزيديين، وتُفرض فيه محرمات مثل الزواج والفلاحة والصيد وخلق الفتن والمشاكل وإيقاع الضحايا، كل هذا محرم. باعتباره شهراً للتأمل ومراجعة الذات والعلاقة مع الخالق والطبيعة، ومراجعة الذات في الفكر والإيمان على مدار شهر كامل، فهو من أقدس أشهر السنة لدى الإيزيديين. ويُطلق عليه "عروس السنة" لما يحمله من رمزية التجدد والحياة.
*ما أبرز التحديات التي واجهت الإيزيديين عبر التاريخ؟
- تعرضت الديانة الإيزيدية لاضطهادات كثيرة، من حملات إبادة إلى محاولات طمس الهوية وتشويه الصورة وتضييق الخناق عليها وحصارها في عديد من الأماكن بكردستان. والهدف من هذا الحصار نهب العلم والتاريخ وإفراغ هذا المنبع من المعارف والتاريخ والثقافة. وقد تعرض الإيزيديون للفرمانات والمجازر، ورغم ذلك، صمدت بفضل الإيمان العميق بالخالق وبالطبيعة، ومن حبهم للأرض والطبيعة، وبفضل جهود القادة ورجال الدين الذين حافظوا على هذا الإرث. كل هذه الفرمانات والصراعات ضد الديانة الإيزيدية كانت محاولات لإفراغها من جوهرها الطبيعي وجمالها. هناك محاولات تاريخية لتشويه هذا اليوم وربطه بالسخرية أو الجهل، كما حدث في بعض الروايات الشعبية، وذلك بهدف التقليل من قيمته. فضلاً عن تكفير المجتمع الإيزيدي من قبل بعض التيارات.
*كيف تفسر هذه المحاولات؟
- هي تأتي في إطار سياسات الإنكار وطمس هذه الديانة، لكن هذه المحاولات لم تنجح في محو مكانة الإيزيديين الحقيقية. وقد كان للإيزيديين ممالك لكن عددهم تقلص نتيجة المجازر والفرمانات والتهجير وإبعاد هذا المجتمع عن دينه. من أرادوا طمس هذه الهوية فعلوا كل ما يمكن لطمسها، لكن قد يكون العدد قبل لكن إيمان هؤلاء لم يقل. إيمان الإيزيديين بالخالق والطبيعة هو سر بقائهم إلى يومنا هذا.
*ماذا عن الحاجة إلى وضع قانوني بالنسبة للإيزيديين؟
- هناك تناقض واضح؛ بعض الدول تهنئ الإيزيديين بهذا العيد من الناحية الأخلاقية والإنسانية، لكنها لا تعترف به قانونياً. هذا التناقض يعكس خللاً، لأن التهنئة دون اعتراف قانوني تفقد معناها الحقيقي. المطلوب هو الاعتراف الكامل بحقوق المكونات وأعيادها ضمن إطار قانوني واضح. التهنئة أمر أخلاقي وجيد، ولكن لا بد لأبناء مجتمع ما أن يشعروا بأن هناك قانون يدافع عنهم، ويحميهم. وللأسف إلى اليوم لا يوجد قانون لا في سوريا ولا تركيا ولا العراق يحمي الإيزيديين، أو يحمي عيدهم التاريخي العريق. يتلقى الإيزيديون التهنئات والتبريكات، لكن الدولة الرسمية لا تهنئ الإيزيديين بعيدهم. والسبب هو التهرب من التاريخ الحقيقي والثقافة الحقيقية. والتهرب من التعرف على هذا العرس التاريخي المهم. عندما الدولة تقوم قانونياً بالاعتراف بحق هذه الديانة وحقوق الشعب الكردي هو إغناء لكل الثقافات الموجودة على سبيل المثال في سوريا. الإيزيديون بحاجة إلى قانون يحميهم.
*هل لديك ما تود قوله في نهاية هذا اللقاء؟
- أتوجه بالتحية والشكر والتقدير لكل الشهداء، وكل أولئك الذين حموا هذا الإرث وهذه الثقافة التاريخية العميقة من هذه الهجمات. فزيادة عدد الفرمانات والمجازر كشف عن حجم المقاومة لدى هذا المجتمع، وتعدد القادة الذين تصدوا للهجمات البربرية والوحشية لطمس الديانة الإيزيدية. ولا تزال الأجيال الحالية تدافع عن الديانة كما دافع الأجداد الذين لولاهم لما كنا نتكلم اليوم عن الديانة الإيزيدية، أو نيسان، أو الأربعاء الأحمر. وجود الإيزيدية حتى اليوم هو بفضل هؤلاء المقاومين.
