في ليلة استثنائيّة امتزج فيها سحر الفَّن السّابع بعبق التّاريخ، استضاف صالون "زرياب الثّقافي" بوسط العاصمة المصريّة القاهرة أمسيَّة ممّيزة، شهدت حضوراً لنخبة من المثقّفين والأكاديميّين والفنانين المصريّين والكرد، للاحتفاء بواحد من جيل العمالقة في السّينما المصريّة وسينما الشّرق الأوسط، المخرج الكبير علي بدرخان، بمناسبة عيد ميلاده الثّمانين.
وأقيمت فعّاليّة الصّالون، وهي الثّالثة منذ انطلاقه، مساء الخميس 23 أبريل 2026، في مقرّ مركز "نوار"، حيث شهدت القاعة تفاعلاً واسعاً من الحضور الّذين مثلوا نسيجاً من الأكاديميّين والمبدعين العرب والكرد، وتخلّلت النّدوة مداخلات ركّزت على تأثير مدرسة بدرخان في تشكيل الوعي الجمعي، وقدرتها على تطويع أدوات الإخراج لخدمة قضايا الحرّيّة والإنسان.
وعبر حوار ثري مع المخرج علي بدرخان، أجراه معه المخرج المتميّز عادل عوض، والأستاذ الدّكتور محمد رفعت الإمام أستاذ التّاريخ الحديث والمعاصر، دار المحور الرّئيسي لتلك الأمسيَّة الّتي أتت تحت عنوان: "آل بدرخان بين السّياسة والثّقافة والفّنون"، حول المسيرة الممتدّة الّتي بدأت برائد السّينما الغنائيّة والرّومانسيّة أحمد بدرخان، وصولاً إلى نجله "علي" الّذي أعاد صياغة السّينما السّياسيّة والواقعيّة في مصر.
وفي الخامس والعشرين من أبريل يجري الاحتفاء بميلاد علي بدرخان، حيث يتمُّ عامه الثّمانين مكلّلاً برحلة فنيّة لم تكن مجرّد أفلام عابرة، بل كانت نحتاً في ذاكرة الوطن ووجدان المشاهد المصري والعربي والشّرق أوسطي؛ فهو ذاك الفنان الّذي شقَّ طريقه الفنّي بعيداً عن شهرة والده المخرج الكبير أحمد بدرخان، ليقدّم لنا "الكرنك" و"أهل القمّة" و"الجوع"، في نوادر فنيّة جسّدت صراع النّفس وتحوّلات المجتمع في أدق تفاصيله.
وأبحر المخرج الكبير علي بدرخان في ذاكرة السّينما والسّياسة، مستعرضاً محطّات فارقة من حياته المهنيّة والإنسانيّة، وقد كشف بدرخان عن جانب من الصّرامة الأخلاقيّة والمهنيّة الّتي ميّزت والده، رائد السّينما أحمد بدرخان، حيث استعاد ذكرى من أيّام دراسته بالمعهد العالي للسّينما، حين كان والده يشغل منصباً بوزارة الثّقافة.
ورغم كونه طالباً يعمل مساعد مخرج مع زملائه ويستحقّ مكافآت ماليّة مقابل مجهوده، إلّا أنَّ والده أرسل خطاباً رسميّاً للمعهد يطالب فيه بمنع نجله من تقاضي أيّة مكافآت، مبرّراً ذلك بأنَّ علي لا يزال في مرحلة التّعلُّم لا الاحتراف، في درس قسري في النّزاهة والاعتماد على الذّات بعيداً عن نفوذ العائلة.
وعلى صعيد الرّوافد الفكريّة، أعرب بدرخان عن امتنانه العميق للأديب العالمي نجيب محفوظ، واصفاً أسلوبه الأدبي بأنَّهُ "سينما مكتوبة"؛ حيث تتميّز نصوصه بسلاسة فريدة تجعل المشاهد السّينمائيّة تتجسّد حيّة أمام القارئ قبل أنْ تلامسها الكاميرا، وهو ما ساهم في تشكيل رؤيته الإخراجيّة للواقعيّة المصريّة.
من بين ما تحدَّث عنه فيلمه الأيقوني "الجوع"، وهنا استذكر بدرخان مفارقة طريفة تعكس مدى اندماج الجمهور مع العمل وشخصيّاته، لدرجة دفع بعض المشاهدين لمسح اسمه من على ملصقات الفيلم (الأفيشات) وكتابة اسم "علي لطفي" بدلاً منه، تقديراً وتماهياً مع الأداء المقدّم، كما كشف عن التّحدّيات الإنتاجيّة الهائلة الّتي واجهت الفيلم، حيث اضطرّ فريق العمل لإعادة بناء ديكور "الحارة" بالكامل داخل استوديو الأهرام بعد تهالكها.
وأوضح بدرخان أنَّ هذه المهمّة لم تكن تقنيّة فحسب، بل كانت رحلة بحث عن "الأسطوات" والحرفيّين القدامى الّذين خرجوا على المعاش، حيث تمَّ تتبّعهم واحداً تلو الآخر للاستعانة بخبراتهم النّادرة الّتي تفتقر إليها الأجيال الجديدة، لضمان خروج الحارة بالشّكل الفّني والحرفي الّذي يليق بملحمة سينمائيّة خلّدها التّاريخ.
وتحدَّث بدرخان كذلك عن كواليس فيلم "شفيقة ومتولّي"، المحطّة الّتي لا تنسى في أعماله الفّنيّة، مشيراً إلى تعاونه مع المخرج الكبير يوسف شاهين، الّذي كان قد أجرى عمليّة قلب مفتوح خلال فترة التّحضير للفيلم، ورغم ذلك كان يحرص على الحضور إلى موقع التّصوير لمتابعة العمل.
وأوضح أنَّهُ نزل لمساعدته في إدارة التّصوير، وعمل معه لعدّة أيّام، قبل أنْ يطلب منه شاهين استكمال المهمّة بسبب حالته الصّحيّة، قائلاً له بطبيعته المعهودة: "أنت عايزني أموت"، في إشارة إلى شدّة إرهاقه في تلك الفترة.
وفي تصريح هاتفي لوكالة فرات للأنباء (ANF)، أعرب الأستاذ الدّكتور محمد رفعت الإمام، أستاذ التّاريخ الحديث والمعاصر، عن تقديره البالغ لمسيرة المخرج علي بدرخان، فهو ليس مجرّد مخرج سينمائي، بل مؤرّخ بصري استطاع تطويع الكاميرا لتوثيق التّحوّلات السّوسيوسياسيّة في مصر.
ولفت أستاذ التّاريخ الحديث والمعاصر إلى أنَّ تجربة علي بدرخان تمثّل امتداداً عبقريّاً لأسرة "بدرخان" الّتي تركت بصمة لا تُمحى في الوجدان الكردي والمصري على حدٍ سواء، فقد نجح علي بدرخان في أنْ يكون صوت المهمّشين وفيلسوفاً للواقعيّة، حيث لم تنفصل أفلامه يوماً عن السّياق التّاريخي، بل كانت مرآة كاشفة للصّراعات الطّبقيّة والأيديولوجيّة.
وشدّد الإمام على أنَّ احتفاء صالون "زرياب" الثّقافي بثمانينيّة المخرج علي بدرخان هو احتفاء بذاكرة وطن وقامة فنيّة استثنائيّة صانت الهويّة الثّقافيّة بوعي وإخلاص، كما كانت مسيرته تجسّد تلاحم الهويّة الثّقافيّة بين الجذور الكرديّة والأصالة المصريّة، حيث قدّم نموذجاً للمبدع الملتزم بقضايا وطنه وأمته، ليظلَّ إرثه السّينمائي مدرسة ملهمة للأجيال القادمة في كيفيّة تطويع الفّنّ لخدمة الحقيقة التّاريخيّة وصون كرامة الإنسان وحرّيّته.
وممّا أضفى على موضوع الصّالون دلالة خاصّة هو تزامنه مع الذّكرى الـ 128 لعيد الصّحافة الكرديّة، ما خلق حالة من التّلاقي الجميل بين "الفّنّ والكلمة"، فالصّالون لم يكن مجرّد احتفاء سينمائي، بل كان جسراً ثقافيّاً يربط بين الهويّة والذّاكرة، ومساحة للتّأكيد على الدّور التّنويري الّذي لعبته عائلة "بدرخان" في تاريخ الصّحافة والثّقافة الكرديّة والمصريّة على حدٍ سواء.
وسادت الصّالون أجواء من المودّة والاحتفاء بتجاوز المخرج علي بدرخان عتبة الثّمانين عاماً من العطاء المستمر، حيث أجمع الحضور على أنَّ مسيرته تظلُّ نموذجاً للمبدع الّذي لم يتنازل يوماً عن صدق الكلمة وعمق الصّورة، مؤكّدين أنَّ مثل هذه اللّقاءات في صالون "زرياب" تعيد إحياء الرّوابط الثّقافيّة المتجذّرة وتكرم الرّموز الّتي صاغت وجداننا الثّقافي.