بث تجريبي

د. ياسمين السبع تكتب: بين رؤية المؤرخين والصدفة البحتة.. إلى أي شئ تستند «تنبؤات التاريخ»؟

ربما ترتبط الإجابة بسؤال فلسفي أخر، هل يسير الزمن في خط مستقيم، بحسب النظريات الفيزيائية الحديثة؟ وترتيبها الخطي، فيصبح لدينا ماض، حاضر، مستقبل غير قابل للعودة، كأن نرى البيضة تنكسر، لكننا لا نراها تلتئم تلقائيا ، وأيضا استنادا على القانون الثاني للديناميكا الحرارية، الذي يشير لتصاعد الفوضى في الكون بشكل مستمر، وهو ما يمنح الزمن اتجاهه المستقيم، وهو ما يعتقده هيجل، أم أن الزمن دائري؟ كما يعتقد ابن خلدون، كتعاقب الفصول ودورة حياة النبات، حركة النجوم والكواكب، وتكرار أبدي في نمط البدايات التي تنبثق من النهايات دائما، وبالتالي فالتاريخ هنا يعيد نفسه!، وهناك نظرية جمعت بين النظريتين ما تعرف بالمنظور التركيبي أو الزمن اللولبي، بمعنى أن المجتمع يمر بدورات متشابهة، مثل مرور يناير في كل عام، لكنه لا يعود إلى نفس النقطة تماما، فنتقدم في العمر ، ويتمدد الكون، وتتراكم المعرفة.

وبعيدا عن التباين الفلسفي، فإن دراسة التاريخ تمثل في جوهرها دراسة منظمة للماضي الإنساني، ولا يقتصر دور التاريخ على تسجيل الأحداث أو تفسيرها، بل يتجاوز ذلك ليصبح أداة لفهم الاتجاهات العميقة في التطور المجتمعي، ومن هذا المنطلق ظهر مفهوم (التاريخ التنبؤي) وهو مقاربة فكرية تحاول استخدام المعرفة التاريخية لتحليل الحاضر واستشراف الاحتمالات المستقبلية، فالمؤرخ لا يعمل كعراف أو متنبئ بالمعنى الغيبي، بل يعتمد على دراسة الأنماط التاريخية والبنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تتكرر عبر الزمن، بما يسمح باستخلاص سيناريوهات محتمله لما قد يحدث.

يعتمد بذلك (التاريخ التنبؤي) على منهج تحليلي يقوم على افتراض أن الظواهر التاريخية لا تحدث بصورة عشوائية بالكامل، بل تتشكل عبر أنماط واتجاهات يمكن رصدها، وعندما يتم تحليل هذه الأنماط بدقة، يمكن استخدامها لتقدير المسارات المستقبلية للمجتمعات والأنظمة السياسية والتحولات الاقتصادية، واستنادا على ذلك فإن التاريخ يوما لم يعمل منفردا، إذ دائما ما يتقاطع مع المجالات المعرفية الأخرى مثل علم الاجتماع، الاقتصاد السياسي، وعلوم البيانات المعاصرة، فيطرح كل منهم معطياته لصنع منتج معرفي مكتمل الأركان، يسعى للإجابة على سؤال إذا استمرت الشروط التاريخية نفسها، فما الذي يمكن أن يحدث لاحقا؟.

ورغم ذلك يظل التاريخ التنبؤي مختلفا عن التنبؤ العلمي الدقيق في الفيزياء أو الرياضيات، لأن التاريخ يتعاطى مع عامل مركزي يصعب ضبطه وهو الإرادة البشرية، وأيضا وفق معطيات قدرية بحته، كتفشي وباء، أو وقوع زلزال مفاجئ، أو تغير ديموغرافي مفاجئ، لذلك يمكن القول أن التاريخ التنبؤي يقدم احتمالات وسيناريوهات تقريبية، وليست تنبؤات حتمية.

وممن حاولوا تقديم نموذج أكثر وضوحا للتاريخ التنبؤي أرنولد توينبي، الذي طرح نظرية التحدي والاستجابة، والتي بها مقاربة واقعية لما نشاهده من تاريخ معاصر، إذ يرى توينبي أن الحضارات لا تموت بسبب عوامل خارجية فقط، بل بسبب عدم قدرتها على الاستجابة للتحديات سواء البيئية أو العسكرية والسياسية، وربما تضع هذه النظرية عبئ السقوط على عاتق النخب الفكرية في المجتمع، وأيضا كان لكارل ماركس نظريته حول التنبوء فقد اعتبر أن التاريخ تحكمه قوانين مادية مرتبطة بتطور أنماط الإنتاج، ووفق هذا التحليل توقع ماركس أن يؤدي التوسع الرأسمالي إلى صراع طبقي يؤول في النهاية إلى قيام مجتمع اشتراكي، ورغم أن هذه النبوءة لم تتحقق حتى الان بالشكل الذي تصوره ماركس لكنها تظل في الحسبان.

أدوات التاريخ التنبؤي

أولا: تحليل الأنماط التاريخية

وخلاله يبحث المؤرخ عن تكرار معين في الأحداث أو التحولات، على سبيل المثال الإمبراطوريات غالبا ما تمر بمراحل متشابهة من التوسع، ثم الاستقرار، ثم التراجع نتيجة أزمات اقتصادية أو سياسية.

ثانيا: المقارنة التاريخية

تستخدم بين حالات تاريخية مختلفة لفهم الاتجاهات المشتركة، فعند اتخاذ مثال سقوط الإمبراطوريات القديمة، فيمكن رصد العناصر المشتركة مثل التضخم الاقتصادي، الفساد الإداري، محاولة مد الرقعة الجغرافية والتوسع العسكري المفرط.

ثالثا: تحليل البنى العميقة

يتم تحليل البنى العميقة كتحليل الاقتصاد والديموغرافيا والموارد الطبيعية، ومعطيات البيئة، حتى لا يسقط التأريخ في فخ السطحية.

رابعا: بناء السيناريوهات

في هذه الحالى يقدم المؤرخ عدة سيناريوهات محتملة، بناء على ما تمت دراسته من أنماط تاريخية متكررة ومقارنات وتحليل للبنى العميقة.

تحقق النبوءات التاريخية بين الواقع والأمنيات

قُبيل انهيار الإمبراطورية الرومانية الغربية لاحظ عدد من المفكرين في العصور القديمة علامات الانحدار، مثل الأزمات المالية والتوسع العسكري المفرط، الأمر الذي دفع مؤرخين التاريخ الحديث لاستخدام هذه الحالة كنموذج تم اسقاطه على الاتحاد السوفيتي قبل انهياره أيضا، من خلال تحليل النظام السياسي و البنية الاقتصادية والتي لوحظ من خلالها أن النظام الاقتصادي المركزي يعاني من انخفاض الإنتاجية، الأمر الذي نتج عنه بالضرورة أزمة بنيوية في الاتحاد قبل سنوات من تفككه عام 1991م، وكحال الاتحاد السوفيتي يتنبأ بعض المؤرخين بتراجع الدور الأمريكي عالميا لصالح الصين والهند، أو على أقل تقدير ستتوازن القوى بدلا من الهيمنة الأمريكية الدولية الحالية.

وفي سياق مشابه لاستخدام التاريخ التنبؤئي، يعد التحليل السكاني أحد أكثر أدوات التاريخ التنبؤي دقة، فالديموغرافيا تتحرك ببطئ نسبي، ما يسمح بتوقع اتجاهاتها، فعلى سبيل المثال، تشير دراسات عديدة إلى أن أوروبا تواجه تحديا ديموغرافيا نتيجة انخفاض معدلات المواليد، خاصة في دول مثل ألمانيا وإيطاليا، وكنتيجة ضرورية سيؤدي هذا الاتجاه إلى تغيرات في سوق العمل ونظم الرعاية الاجتماعية، وحتى التوازنات السياسية خلال العقود القادمة.

التاريخ التنبؤي في الدراسات المعاصرة

في العقود الأخيرة تطور هذا المجال كنتيجة طبيعية لظهور أدوات مساعدة جديدة كتحليل البيانات واستخدام النماذج الرياضية، ما ساعد الباحثين من إمكانية بناء قواعد بيانات للأحداث التاريخية بهدف كشف الأنماط المتكررة في الثورات أو الحروب أو الأزمات الاقتصادية ، كما ظهرت مشاريع بحثية تستخدم نماذج إحصائية لتحليل احتمالات اندلاع النزاعات المسلحة بناء على عوامل مثل الفقر أو عدم المساواة أو الانقسامات العرقية، ورغم الجدل حول دقة هذه النماذج فإنها تمثل محاولة جادة لتفسير الاتجاهات المستقبلية.

هل يملك التاريخ التنبؤي وحدة قياس رياضية؟

رغم أهميته إلا أنه شأنه كشأن كل العلوم الإنسانية يواجه تحديات وإشكاليات أهمها:

أولا: تأثير التنبؤات على التفاعلات البشرية

والذي قد يغير مجرى التاريخ ، ويأتي في اتجاهين ، التنبؤ المحقق لذاته، كتنبؤ انهيار البورصة الذي يتبعه سحب أموال ضخمة فتقع نبوءة الانهيار التي كانت السبب في الحراك بأيديهم ! ، وتنبؤ مدمر لذاته، كالتنبؤ بوقوع ثورة في بلد ما، قد تتخذ الحكومة على إثرة إجراءات استباقية تمنع وقوعها، فيظهر التنبؤ باعتباره خاطئ، بينما في الحقيقة قد تم تغيير المسار.

ثانيا: إشكالية الإرادة الحرة مقابل الحتمية

إذ يصطدم التاريخ التنبؤي بالقرار البشري، الذي قد يتمثل في قرار قائد، أو تفاعلات بيولوجية قد تغير المزاج الشعبي كتلك الأبحاث التي تشير لتغير الحالة المزاجية نحو الاكتئاب للعديد ممن أصيبوا بفيروس كورونا بعد الشفاء من الفيروس نفسه ، مما يؤكد اختلاف الإنسان عن جزيء الغاز، إذ لا يتحرك الإنسان وفق قوانين فزيائية صارمة، لذا تظل إرادته عقبة أمام هذا المجال.

ثالثا: نظرية البجعة السوداء

والتي تشير إلى أن التاريخ لا يسير بنمط هادئ دائما، بل تقوده أحداث مغايرة نادرة، وذات أثر هائل مثل اختراع الإنترنت، أو ظهور فيروس مفاجئ قد يقلب الموازين الديموغرافية، لذا فإن النماذج التنبؤية تعتمد على المتوسطات من الماضي بينما التاريخ الفعلي يصنعه المتطرفون والأحداث الخارجة عن السيطرة، كتولي رئاسة الولايات المتحدة رئيسا مثل دونالد ترامب، الذي بات معروفا توجهه الأيديولوجي عقب ظهور وثائق إبستين واعتقال رئيس فانزويلا، جميعها دلالات ربما تقود لفعل جديد غير مسؤول و خارج عن السيطرة كاستخدام قنبلة نووية في حربه مع إيران.

رابعا: إشكالية التحيز الأيديولوجي

إذ غالبا ما يتأثر المؤرخ بفكره وواقعه واتجاهاته، مثال على ذلك رؤية ماركس التنبؤية بالصراع الطبقي، في مقابل تنبؤ الرأسمالين بالنمو المستمر، فكلامها قد رسم المستقبل الذي يفضل وفق قناعاته.

خامسا: تعقد المتغيرات

فعلى عكس متغيرات المختبر في الفيزياء والتي يمكن عزلها ، فإن التاريخ التنبؤي كل معطياته متصلة ببعضها، المناخ، الدين، الاقتصاد، التكنولوجيا، والنفسية البشرية كلها تتشابك في آن واحد، مما يجعل بناء نموذج مغلق للتنبؤ أمر شبه مستحيل، فيمكن القول اختصارا أنه يصعب (رقمنة التاريخ).

وأخيرا يمكن القول أن التاريخ التنبؤي يمثل محاولة فكرية لربط الماضي بالمستقبل عبر تحليل الأنماط التاريخية والبنى الاجتماعية العميقة، ورغم أنه قد لا يطرح تنبؤات يقينية، إلا أن دراسته تتيح فهم الاتجاهات الكبرى التي تتحرك ضمنها المجتمعات، ولهذا فإن هناك قيمة إضافية ربما تكون خفية لهذا المجال، وهي قدرته على توسيع أفق التفكير والتحليل التاريخي، وتحويل دراسة الماضي إلى أدوات لفهم الاحتمالات القادمة.

نقلاً عن بوابة الاهرام...

قد يهمك