بث تجريبي

محمد صابر يكتب: إعادة تعريف الخطر .. التحول الأمريكي في مقاربة الإخوان

شهدت مقاربة الولايات المتحدة لقضايا الإرهاب العابر للحدود تحولًا ملحوظًا منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، في ضوء التطورات الأمنية الواسعة التي شهدها الشرق الأوسط، وعلى رأسها الحرب في غزة وما رافقها من توسع في أنماط العنف غير الدولتي. هذا التحول أعاد الاعتبار لأدوات “الأمن الصلب” في حسابات القوى الكبرى، بعد سنوات من التركيز النسبي على مسارات الاحتواء السياسي.

قرار يتجاوز البعد القانوني

في هذا السياق، برز القرار الأمريكي القاضي بإدراج ثلاثة فروع من جماعة الإخوان المسلمين على قوائم الإرهاب وفق الأمر التنفيذي رقم 13224، بوصفه خطوة تتجاوز إطارها القانوني المباشر، لتعكس إعادة ترتيب أوسع للأولويات الأمنية الأمريكية، وتوظيفًا متزايدًا للقانون الدولي كأداة لإدارة الصراعات غير المتماثلة.

خلفية تاريخية للموقف الأمريكي

تاريخيًا، اتسم الموقف الأمريكي من جماعة الإخوان المسلمين بدرجة عالية من البراغماتية، حيث تراوح بين الاحتواء الحذر والتعامل غير المباشر، دون الوصول إلى تصنيف شامل للتنظيم الدولي. وخلال الحرب الباردة، نُظر إلى الجماعة في بعض السياقات كقوة اجتماعية محافظة، قبل أن تتزايد الشكوك الأمنية بشأن بنيتها الشبكية بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، دون أن يترجم ذلك إلى قطيعة كاملة.

كما أفرزت مرحلة ما بعد عام 2011 تصورًا أمريكيًا مؤقتًا بإمكانية إدماج الإخوان في العملية السياسية، قبل أن تتراجع هذه الرؤية مع تصاعد المخاوف من ارتباط بعض فروع التنظيم بممارسات عنيفة أو غير ديمقراطية في عدد من الدول.

الإطار القانوني للتصنيف

ويستند القرار الأخير إلى الأمر التنفيذي رقم 13224، الذي يمنح الإدارة الأمريكية صلاحيات واسعة لتصنيف كيانات وأفراد كإرهابيين عالميين محددين، دون إدراجهم ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية. ويتيح هذا الإطار استهداف شبكات التمويل والدعم اللوجستي بمرونة أكبر، مع تقليص الكلفة السياسية والدبلوماسية المترتبة على التصنيفات الشاملة.

منطق الانتقائية وتأثيراته

ويرى مراقبون أن الطابع الانتقائي للتصنيف يعكس إدراك واشنطن لتعقيد البنية التنظيمية لجماعة الإخوان، التي تعمل عبر شبكة فضفاضة من الفروع الوطنية ذات السياقات المختلفة، ما يجعل استهداف “العُقد” الأكثر ارتباطًا بالعنف والتمويل غير المشروع خيارًا أقل كلفة وأكثر فاعلية.

وعلى الصعيد الإقليمي، يُنظر إلى القرار باعتباره منسجمًا مع مواقف حلفاء للولايات المتحدة في الشرق الأوسط دفعوا باتجاه موقف أمريكي أكثر تشددًا تجاه الجماعة، في وقت يتيح فيه القرار هامش مناورة سياسي في التعامل مع أطراف أخرى ما زالت تتبنى مقاربات أكثر تحفظًا.

تداعيات مالية ودولية

كما أسهم التصنيف في إرباك البنية المالية للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، إذ باتت أي صلات مالية أو تنظيمية بالفروع المصنفة عبئًا قانونيًا، ما عزز حذر المؤسسات المصرفية الدولية وقلّص قدرة التنظيم على العمل العابر للحدود.

وفي السياق الدولي الأوسع، يبرز تباين بين المقاربة الأمريكية ونهج دول أوروبية كبرى تفضل سياسات المراقبة والاحتواء، غير أن العقوبات المالية والالتزامات المصرفية المرتبطة بالقرار الأمريكي وسّعت من تأثيره العملي خارج الولايات المتحدة.

آفاق القرار

ويخلص متابعون إلى أن التصنيف الجزئي قد يشكل خطوة تمهيدية قابلة للتوسع مستقبلًا، وفق تطورات المشهدين السياسي والأمني، في مؤشر على أن مكافحة الإرهاب باتت عملية تتجاوز البعد الأمني، لتشمل إعادة تشكيل مفاهيم الشرعية والتحالف واستخدام القانون كأداة نفوذ في النظام الدولي.

قد يهمك