يشكل ملف معتقلي تنظيم "داعش" في شمال وشرق سوريا أحد أخطر الملفات الأمنية غير المحسومة في الإقليم، ليس فقط بسبب أعداد المحتجزين أو جنسياتهم المتعددة، بل لأن هذه السجون تمثل عقدًا تنظيمية وعقائدية وأمنية شديدة الحساسية في بنية تنظيم لم يُهزم فكريًا ولا تفكك شبكيًا، بل أُجبر فقط على الانتقال من نمط "الدولة المكانية" إلى نمط "الشبكة المتخفية" أو ما يمكن وصفه بـ "الجهاد السيبراني".
هؤلاء المعتقلين ليسوا مجرد عناصر خارجة من ساحة القتال، بل أنهم يمثلون مخزونًا بشريًا لعقيدة جهادية صلبة، وخبرات قتالية، وشبكات تواصل عابرة للحدود، قادرة على إعادة إنتاج نفسها في بيئات الفوضى، والسجون في هذا السياق ليست نهاية مسار التنظيم بل إحدى محطاته التنظيمية، حيث تُعاد صياغة الهوية القتالية، وتُستثمر المظلومية، ويُبنى خطاب "الصبر والتمكين"، وأي معالجة أمنية لهذا الملف دون إدراك لطبيعته البنيوية كخزان للتهديد غير المتناظر تُعد مقاربة قاصرة، تؤجل الانفجار ولا تمنعه.
يمثل نقل معتقلي "داعش" من شمال وشرق سوريا إلى العراق تحولًا أمنيًا بالغ الخطورة، لا يمكن قراءته بوصفه حلًا تقنيًا لمعضلة الاحتجاز، بل باعتباره إعادة توزيع جغرافي لمركز ثقل التهديد. فالخطر لا يُفكك، بل يُعاد تموضعه داخل فضاء أمني هش، يعاني بالأساس من تشظي سياسي، اختراقات حدودية، وصراع نفوذ إقليمي. بالتالي، فإن نقل المعتقلين يعني نقل معهم شبكاتهم، ورموزهم، وقيمهم التعبوية، وذاكرتهم التنظيمية.
كما أنه يفتح احتمالات كسر الردع عبر سيناريوهات التمرد، التهريب، أو إعادة التوظيف من داخل منظومات احتجاز مثقلة بالضغط والاختراق، والأهم أن العراق - بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته الطائفية وتداخل مسارحه الأمنية مع سوريا - قد يتحول من ساحة احتواء إلى نقطة ارتداد تهديدي إقليمي، تُعاد عبرها دورة العنف بصيغ أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للضبط.
وبناءً على ما سبق، ينطلق هذا التحليل من إطار رباعي الأبعاد، يستند على دراسة التهديد بوصفه كيانًا ديناميكيًا يعيد التشكل، الفاعلون بتشابكهم المحلي والإقليمي والدولي، الهشاشة السياسية والأمنية التي توفر بيئة مناسبة لعودة التنظيم، واستشراف السيناريوهات المستقبلية التي تتراوح بين الاحتواء الهش والانفجار المؤجل، ولا يتعامل هذا الإطار مع التنظيم كـ "بقايا مهزومة"، بل كفاعل أمني نشط يمتلك قدرة عالية على التكيف وتوظيف الفوضى واستثمار التناقضات بين القوى المتصارعة.
تقييم أمني:
يستفيد تنظيم "داعش" من عملية نقل المعتقلين بوصفها فرصة لإعادة تفعيل سرديته المركزية حول الاستهداف والاضطهاد، ما يعزز ديناميات التطرف ويمنحه مادة دعائية عالية التأثير، فالتنقل القسري، والاحتكاك بمنظومات احتجاز جديدة، وتباين الإجراءات القانونية، يخلق بيئة خصبة لإعادة إنتاج الروابط التنظيمية، وتوسيع دوائر التعاطف، واستقطاب عناصر جديدة داخل السجون وخارجها. والعامل الأهم هنا يكمن في أن النقل يربك شبكات الرصد والاستخبارات، ويمنح التنظيم نافذة زمنية لإعادة التموضع، مستفيدًا من الفجوات البيروقراطية والتنسيقية بين الجهات الناقلة والمستقبِلة، ففي منطق التنظيم، كل حركة غير مستقرة تمثل فرصة لإعادة التشكل، وكل انتقال قسري يمكن تحويله إلى رافعة تعبئة وإحياء للروح القتالية.
كما يؤكد تاريخ التنظيمات الجهادية أن السجون ليست فضاءات تعطيل بل فضاءات إعادة قيادة، حيث تتبلور الهياكل غير الرسمية داخل بيئات الاحتجاز، ويُعاد ترتيب التسلسل الهرمي، وتُنتج نواة صلبة قادرة على توجيه الخلايا الخارجية. فقد يتيح نقل القيادات الوسطى والعناصر ذات الخبرة إلى منظومات سجون جديدة لها إعادة بناء شبكات نفوذ، واختراق الحراس، واستغلال الثغرات الإدارية، مما يحول السجن إلى غرفة عمليات صامتة، تُدار منها عمليات كسر الردع، وتُصاغ فيها استراتيجيات التمدد اللاحق.
يخلق النقل احتمالات مضاعفة لسيناريوهات الهروب أو التهريب، سواء عبر اختراقات داخلية أو عبر هجمات خارجية تستهدف قوافل النقل أو مرافق الاحتجاز، وحتى في غياب الهروب المادي، يبقى التوظيف الرمزي للمعتقلين أداة تعبئة مركزية، حيث يُقدمون كـ "أسرى عقيدة" ما يعزز الاستعداد للثأر ويغذي خطاب كسر الردع، ولا يقل هذا البعد الرمزي خطورة عن البعد العملياتي، لأنه يعيد شحن البيئة القائمة بديناميكيات العنف المؤجل.
لذلك، فإن نقل المعتقلين قد يؤدي إلى نقل مركز ثقل التنظيم من مسرح إلى آخر، مع الحفاظ على بنيته الشبكية بدلًا من تفكيك التهديد، فيتحول العراق إلى عقدة تهديد جديدة، تتقاطع فيها مسارات التطرف العابر للحدود، ويُعاد فيها اختبار قدرة الدولة على الاحتواء في ظل أمن هش وتوازنات سياسية متصدعة، وتنتقل الأزمة إلى فضاء أكثر تعقيدًا.
توازن هش:
تواجه كل من قوات سوريا الديمقراطية والحكومة العراقية معضلة مركبة، بدءً من الواجب الأمني الثقيل والمتمثل في تحييد أخطر مخزون جهادي عابر للحدود، وحتى الواقع السياسي والأمني الذي يعاني من محدودية الموارد، مع تآكل الثقة وتعدد مراكز مما يجعل الضغط العملياتي المستمر، واتساع رقعة المسؤولية، وتداخل الملفات الإقليمية، يضع هذه الجهات أمام معادلة شبه مستحيلة، حول تأمين منظومات احتجاز عالية الخطورة في بيئات تعاني من اختراقات استخباراتية وانقسام مجتمعي وتنافس نفوذ، وذلك التناقض بين متطلبات الأمن الصارم وقيود الواقع السياسي يخلق فجوات يمكن لـ "داعش" استغلالها لإعادة التشكل. وفي هذا الإطار يمكن تفكيك الدور الأمني عبر المحاور التالية:
(١) إدارة السجون: محتجزات "الدواعي" ليست مسألة إدارية بل معركة أمنية مفتوحة داخل جدران مغلقة، فالسجن في منطق التنظيم ليس فضاء تعطيل بل فضاء إعادة إنتاج: إعادة تديين، إعادة تطييف، إعادة تراتبية، وداخل الزنازين تتشكل “إمارات صامتة”، تُدار فيها شؤون المعتقلين، يُفرض فيها الانضباط العقائدي، وتُعاد صياغة مفهوم الطاعة والولاء. ضعف الكوادر المدربة، الإرهاق النفسي للحراس، نقص الموارد، والاعتماد على إجراءات تقليدية في التفتيش والعزل، كلها عوامل تفتح المجال لاختراق المنظومة من الداخل.
يؤدي نقل المعتقلين إلى العراق إلى إدخال هذا العبء إلى منظومة سجون تعاني أصلًا من الاكتظاظ، والتسييس، وتفاوت المعايير بين مؤسسة وأخرى، ولا يكمن الخطر فقط في التمرد أو الهروب، بل في تحول السجن إلى مدرسة أيديولوجية عابرة للجنسيات، تعيد ربط العناصر الأجانب بالشبكات الخارجية، وتؤسس لقيادات مستقبلية.
(2) السيطرة الأمنية: تعمل قسد ذاتها جفي بيئة مفتوحة جغرافيًا، متداخلة عشائريًا، ومكشوفة أمام نفوذ إقليمي متصارع، بينما تعمل الحكومة العراقية في فضاء أمني متشظٍ، تتقاطع فيه سلطات الجيش، والشرطة، والحشد، والأجهزة الاستخبارية، دون حالة ردع كاملة، ما يخلق فجوات سيطرة حقيقية يمكن لـ "داعش" أن يتسلل عبرها، سواء عبر دعم لوجستي، أو تهريب عناصر، أو تأمين مسارات تواصل بين الداخل والخارج.
(3) العمل الاستخباري: الاستخبارات هي خط الدفاع الأول في مواجهة التهديد غير المتناظر، لكنها في ملف "داعش" قائمًا تواجه تحديًا مزدوجًا، سواء في تنظيم شديد السرية، أو بيئة سياسية مليئة بالاختراقات، وقد كان نجاح التنظيم تاريخيًا على قدرته على بناء شبكات معلومات داخل الخصم، سواء عبر الترهيب، أو الإغراء، أو الاختراق العقائدي. ومع نقل المعتقلين، تتضاعف الحاجة إلى بنك معلومات موحد، عابر للحدود، يتتبع الروابط، السلاسل القيادية، ومسارات التمويل والدعم.
كما أن كل ثغرة في تبادل البيانات، كل تأخير في تحليل الإشارات، كل تضارب في الصلاحيات، يفتح نافذة لإعادة التموضع، ويجعل ذلك التنظيم قادر على تحويل السجن من نقطة نهاية إلى عقدة اتصالات، تُدار عبرها ديناميات إعادة التشكل والتهيؤ للمرحلة التالية.
(4) خطر الاختراق: شبكات التنظيم تمتلك خبرة طويلة في تجنيد الحراس، ابتزاز الموظفين، واختراق الهياكل عبر روابط القرابة والعشيرة والمصلحة، ومع اتساع دائرة التعامل مع المعتقلين (نقل، حراسة، تحقيق، قضاء)، تتكاثر نقاط الضعف المحتملة.
ولا يختزل الاختراق هنا في تسريب معلومات، بل يشمل القدر على توجيه سلوك المنظومة من الداخل، بتسهيل تهريب، تعطيل إجراءات، أو غض الطرف عن أنشطة تنظيمية داخل السجون، ففي منطق الحرب غير المتناظرة، يكفي عنصر واحد مخترق في موقع حساس لتفكيك حلقة كاملة من منظومة الردع.
(5) الإنهاك طويل الأمد: إدارة تهديد بحجم "داعش" ليست معركة قصيرة، بل استنزاف ممتد للموارد والاعصاب وللقدرة المؤسسية، حيث تعاني "قسد" بالأساس من ضغط أمني متواصل على جبهات متعددة، والعراق يواجه تحديات داخلية متراكمة، من اقتصاد هش إلى صراعات نفوذ، بما ينعكس في تراجع الجاهزية وتزايد الاعتماد على حلول ترقيعية، فكلما طال أمد الاستنزاف دون أفق استراتيجي واضح، زادت فرص كسر الردع، وتراجعت قدرة المنظومات الأمنية على الحفاظ على مستوى عالٍ من اليقظة.
إعادة تدوير التهديد:
إن ضعف التنسيق العميق، وتفاوت أولويات الفاعلين، يحوّل الجهد الدولي من مشروع تفكيك إلى عملية تدوير للتهديد. يُنقَل الخطر من مسرح إلى آخر، من منظومة إلى أخرى، دون معالجة جذوره العقائدية والتنظيمية. وبدل أن تكون السجون عقد احتواء نهائية، تصبح نقاط عبور في مسار أطول من الكمون وإعادة التشكل، ففي هذا السياق يتحول التعاون الدولي من أداة حسم إلى أداة إدارة مؤقتة للأمن الهش، ما يمنح التنظيم فرصة انتظار اللحظة التي تتقاطع فيها الثغرات السياسية مع الفراغات الأمنية لإعادة فرض نفسه كلاعب غير متكافئ ولكن مؤثر.
لذلك، لا يمثل نقل معتقلي "داعش" من شمال وشرق سوريا إلى العراق إغلاقًا لصفحة التهديد، بل إعادة ترتيب لفصوله فالتنظيم لم يُهزم أمنيًا بالمعنى البنيوي، بل تراجع تكتيكيًا وأعاد التشكل في صورة شبكة مرنة، عابرة للحدود، قادرة على استثمار السجون والهشاشة السياسية وتناقضات الفاعلين، وما يجري هو انتقال لمركز الثقل لا تفكيك له، وإعادة توزيع للخطر لا إنهاء لمساراته.
تأسيسًا على ما سبق، يمكن القول إن "قسد" تحملت لسنوات عبء إدارة أخطر منظومة سجون جهادية في المنطقة بإمكانات محدودة وتحت ضغط دائم، وأن أي تصعيد سياسي أو إعادة ترتيب سيادي جارية اليوم، بما في ذلك نقل المعتقلين، لا يلغي هذا الدور ولا يختصره، بل ينقله إلى مرحلة أكثر هشاشة وتعقيدًا، حيث لا يتراجع خطر "داعش" بل يعاد توزيعه جغرافيًا وأمنيًا في بيئة كاظمة قابلة للانفجار.
وختامًا،
ما يجري اليوم ليس تفكيكًا لمنظومة التطرّف بل إعادة توزيع لها، في لحظة إقليمية شديدة الخطورة تتقاطع فيها هشاشة الدول، مع تصدع الترتيبات السيادية، وتآكل الردع، وفي غياب مقاربة شاملة تربط بين الأمن الصلب والتفكيك العقائدي وإدارة السجون كعُقد استراتيجية لا كمرافق احتجاز، يبقى ارتداد الخطر مسارًا مرجحًا لا استثناءً، وتبقى عودة العنف مسألة توقيت لا احتمال.